في ذكرى رحيلها في في 9 تشرين الأول 2007 ..نزيهة الدليمي والتعرف على عالم السياسة

في ذكرى رحيلها في في 9 تشرين الأول 2007 ..نزيهة الدليمي والتعرف على عالم السياسة

موفق خلف العلياوي

دخلت نزيهة الدليمي مدرسة تطبيقات دار المعلمات عام 1930, وأثناء وجودها في المدرسة تأثرت بإحدى معلماتها, وهي (سعدية سليم الرحال), التي كانت تدعو في تدريسها إلى التحرر والانفتاح, كشرط أساسي لبناء مجتمع حديث ومتطور يكون للمرأة دورٌ فيه, فأثرت تلك الكلمات في بناء شخصيتها, وبروزها بين طالبات المدرسة,

لاسيما في مراحل الدراسة الابتدائية والمتوسطة من خلال دعوتهن للمشاركة في نشاطات المدرسة الثقافية, واستعدادها لإقناع ذويهن بالموافقة على ذلك, زادها اندفاعاً في أن يكون لها شأن خاص في المجتمع,كونها تأثرت بشخصية جدتها لأبيها, التي كانت تتوسط مجالس النساء للإصلاح فيما بينهن, فقد وصفت نزيهة جدتها بهذه الكلمات : " أن تلك المرأة كانت مفرطة الذكاء على الرغم من أنها لا تعرف القراءة والكتابة وكانت تحكم بين النساء في النزاعات وتحضر المجالس البغدادية التي ترتبط مع سيداتها بصداقه أو جيره ", عليه يمكن القول أن العائلة والمدرسة قد ساهمتا في بناء شخصية نزيهة الدليمي التي ازدادت قوة مع ما شهدته الساحة العراقية من أحداث مختلفة في كافة ميادين الحياة.

إن سنوات دراسة نزيهة الدليمي الابتدائية والمتوسطة (1930- 1939) كانت مليئة بالتطورات السياسية والاجتماعية الداخلية والخارجية, إذ أن العام الأول من دراستها شهد التوقيع على المعاهدة العراقية – البريطانية التي مهدت لدخول العراق عصبة الأمم عام 1932, ونيله الاستقلال فضلاً عن الانفتاح السياسي والاجتماعي والفكري الذي شهده العراق في تلك المدة, الذي نتج عنه زيادة وتوسع في تأسيس عدد من الأحزاب والجمعيات, بتأثير الأفكار التي وردت إلى العراق, نتيجة اتساع المدارك, وتوافر وسائل الاتصال, بحيث برزت تيارات فكرية سياسيه مختلفة ونظريات اجتماعيه واقتصاديه متباينة على الساحة العراقية, أهمها التيار الاشتراكي الإصلاحي, والتيار القومي العربي, والتيار الماركسي, ألا أن انتشار الأفكار الاشتراكية والماركسية كان الأكثر شيوعاً بين الشباب, مما شجع أصحاب الفكر القومي إلى تأسيس نادي (المثنى بن حارث الشيباني) للتصدي لتلك الأفكار وهذا ما أكدهُ محمد مهدي كبه في مذكراته قائلاً : " راحت بعض الفئات تنحوا بهذه المبادئ منحا عالمياً محضاً, من شأنه أن يصرف النشء الجديد عن تاريخ أمته, ومقومات قوميته ووطنيته, فرأى فريق من الشباب العربي المثقف ضرورة مجابهة هذا الخطر الوافد الذي يهدد قوميته وتراثه.... وعلى هذا الأساس شكل ولتحقيق هذه الأهداف, انبرى هذا الفريق لتأسيس نادي المثنى بن حارث الشيباني ". كما شهدت المدة حدثاً مهماً تمثل بالانقلاب العسكري الذي قادة بكر صدقي عام 1936, بتأييد ومؤازره من (جماعة الأهالي), مما ساهم في إمكانية نشر أفكارهم وتوسعها بين فئات الشعب العراقي إلى جانب تأسيس عدد من الجمعيات والأندية منها (جمعية الجوال), و(الإصلاح الشعبي).

بعد إكمال دراستها الابتدائية والمتوسطة انتقلت نزيهة الدليمي عام 1939الى(الثانوية المركزية للبنات) لإكمال دراستها الإعدادية, وقد تزامن ذلك مع اندلاع الحرب العالمية الثانية (1939- 1945) التي أحدثت تأثيرات سياسية واقتصادية واجتماعية على مختلف فئات الشعب العراقي, فمن الناحية السياسية عملت بريطانيا ومنذ الأيام الأولى للحرب على زيادة عدد خبرائها في جميع أجهزة الحكومة العراقية, وازداد عدد بعثاتها العسكرية, وقواتها في القواعد العسكرية, في محاولة منها لسد كافة الثغرات التي تشعر بأن دول المحور وفي مقدمتها ألمانيا تستطيع النفاذ من خلالها إلى رموز الحكومة العراقية, أما اقتصادياً فقد عملت على ربط الاقتصاد العراقي بمجموعة من الشركات الرأسمالية البريطانية, والتي حصل قسم كبير منها على امتيازات الاستيراد والتصدير للمنتجات الزراعية العراقية, مما أثر سلباً من الناحية الاجتماعية على الفرد العراقي ,الذي كان يعاني أساساً من مشاكل تراكمية سابقه ,إذ شهد العراق تدهوراً سريعاً تمثل في نقص الموجود السلعي والتضخم الحاد.

في السنة الأخيرة من دراستها الإعدادية حدثت حركة عسكرية في الأول من نيسان عام 1941, فاعتقد الكثير من أبناء الشعب العراقي, ومنهم الطالبة نزيهة الدليمي بأنها نهاية الوجود البريطاني في العراق إذ قالت : " فقد هرب الوصي على العرش من العاصمة فضن الناس أنها نهاية نفوذ بريطانيا في العراق " عندها نزلت الطالبة نزيهة الدليمي إلى ساحة المدرسة لتهتف ضد الاستعمار البريطاني, استدعتها مديرة المدرسة صبيحة ياسين الهاشمي, ونصحتها بالابتعاد عن السياسة, لأنها تقضي على من يمارسها, وكانت تلك المديرة تعي ما تقول فهي ابنة السياسي ورئيس وزراء العراق(ياسين الهاشمي).

كانت نزيهة الدليمي مندفعة بتأثير الحدث, إذ أنها لم تكن تفهم معنى كلمة السياسة ولا تعرف حسب ما ذكرت : "بأن الهتاف ضد الإنكليز سياسة ", وكان هذا هو أول نشاط سياسي علني تمارسه نزيهة, ويبدو أن اندفاعها للهتاف في ساحة المدرسة كان بصوره عفوية, لأنه تزامن مع ما كان يشهدهُ العراق من مستجدات على الساحة السياسية آنذاك.

في العام الدراسي 1940- 1941 تخرجت الطالبة نزيهة الدليمي من الثانوية المركزية للبنات بعد أن حصلت على مجموع (508) من سبع مواد وبمعدل (72,5), مما أهلها إلى الدخول في (الكلية الطبية الملكية) , التي لم تكن تقبل قبل ذلك العام سوى أبناء الأطباء أو العائلات الميسورة من ذوي الدخول العالية. ساهم دخولها في الحياة الجامعية إلى الاحتكاك بقطاع الطلبة المثقفة التي أصبح لها دور مؤثر في صياغة الأحداث السياسية في العراق, وأدت دوراً مميزاً في تاريخ الحركة الوطنية,وتأتي أهمية القطاع الطلابي في هذا المجال لما يمتلكه من حماسة واندفاع الشباب, فضلا ًعن كونه القطاع الأكثر قربا ًوتفهما ً لما يجري في العالم من تحولات فكرية وسياسية واقتصادية واجتماعية, إذ كان لنضال الحركة الطلابية في العراق تأثيرها على الوضع السياسي خاصة في عهد الانتداب البريطاني. 

قاد الطلبة المنتمون إلى نادي التضامن أول تظاهرة لهم ضد سياسة بريطانيا الاستعمارية في العراق القائمة على تضييق الحريات الفكرية, كما ساهموا في قيادة تظاهرة نددت بمواقف الحكومة البريطانية المؤيدة للحركة الصهيونية, وإقامة كيان استيطاني على أرض فلسطين, وكانت كلية الطب من الكليات التي شاركت بتظاهرات واسعة ضد مقررات مؤتمر بلتيمور ,على الرغم من تحذير عميد الكلية للطلبة بأنه سيتخذ إجراءات وعقوبات قاسيه لمن يشترك بها.

في خضم تلك الأجواء المشحونة سياسياً, عاشت نزيهة الدليمي مرحلة الدراسة الجامعية, وتأثرت بحلقات النقاش السياسية التي كانت تدور بين الطلبة, كما إنها كانت تشارك في تلك النقاشات والحلقات, وبدأت تتأثر بآراء زملائها من ذوي الأفكار والميول التقدمية والديمقراطية، وتخرجت من الكلية الطبية الملكية في السابع والعشرين من كانون الثاني 1947.

عن رسالة (نزيهة الدليمي ودورها في الحركة الوطنية والسياسية العراقية)