المميز يسجل ذكريات طفولته..ايام مع طوب ابو خزامة ومنطقة الصرافية

المميز يسجل ذكريات طفولته..ايام مع طوب ابو خزامة ومنطقة الصرافية

 اعداد : زين احمد النقشبندي

سجل الاستاذ امين المميز ذكرياته عن بغداد في السنوات التي سبقت الحرب العالمية الأولى يوم كانت في أوج ظلامها الحالك ، ويتذكرها يوم كان فيها جسر واحد فقط من "الدُوَب الخشبية العائمة" وإذا ما انقطع هذا الجسر وهربت الدوب إلى (كراره) أو أنزلت (حدار) إلى البصرة انقطع الاتصال بين صوبي الكرخ والرصافة إلى ان تعود (الدوب) من حيث هربت مصحوبة (بالمزيقة) فكيف هي بغداد اليوم ؟ وفيها تسعة جسور.

ويوم لم يكن فيها شارع واحد معبد أو مرصوف باستثناء عكد الصخر، شارع الجسر المرصوف بالصخر الجلمود الأسود ، ويتذكرها يوم لم يكن فيها غير سيارة واحدة من نوع (فورد ام اللوكيه) هي سيارة الوالي خليل باشا (والي بغداد الذي بدأ بشق شارع الرشيد الحالي ، فعرف الشارع في حينه بخليل باشا جاده سي، أي جادة خليل باشا ) تسير في الشارع الوحيد الصالح لسير السيارة وهو الشارع الجديد الذي فتحه الوالي لهذا الغرض ، و يوم كان (الكَاري) الذي يعمل بين بغداد والكاظمية كأسرع واسطة نقل في بغداد يومئذ طوب أبو خزامة تراث بغدادي أصيل.

أني بهذه الكلمة أطالب بإعادة (طوب أبو خزامة) إلى موقعه الأصلي، فقد كان الموقع خلف بناية المدرسة المأمونية القديمة وقد أزيل مبنى هذه المدرسة، وهو الذي يرقى إلى أواخر عهد الدولة العثمانية، وضمت أرضه إلى وزارة الدفاع المدخل الجنوبي لوزارة الدفاع (القاعة) ثم نقل إلى الحديقة الواقعة في ساحة الميدان وبعد ذلك نقل إلى محل آخر عجزت عن العثور عليه بعد طول بحث وتحرّ ثم استقر في المتحف الحربي في الحارثية من أحياء الجانب الغربي من بغداد ، واخيراً استقر في حدائق مؤسسة الاثار والتراث في (منطقة العلاوي حلة ) فإن كان قد نقل إلى متحف للأسلحة فهذا (الطوب) هو سلاح ليس كمثله سلاح!! إنه السلاح الذي جاء به السلطان مراد الرابع إلى بغداد للدفاع عنها وطرد العجم منها قبل أربعة قرون. ولقد عرف الشيخ جلال الحنفي في (معجم اللغة العامية البغدادية- الجزء الثاني) طوب أبو خزامة بالكلمة الآتية، "من بقايا المدافع التي جلبها السلطان مراد الرابع إلى بغداد لطرد الفرس منها قبل أربعة قرون، ولقب المدفع بذلك لخرق عند فوهته قالوا أنه حدث لأن جبرائيل عليه السلام جره من منخره عند إنزاله من السماء، وكان يحشى بالتراب فينقلب إلى بارود، ويوثق العامة معتقدهم هذا بما يرى على ظهر المدفع من نجوم قالوا أنهم من نجوم السماء وقد علقت به، وكذلك ما يرى عليه من صور أسماك فإنها مما لصق به من أسماك بحر القدرة، وكانت نساء بغداد يدخلن رؤوس أطفالهن في فوهته تبركاً وابتهالاً في أن يكونوا من المقاتلين في سبيل الوطن، وكنت ممن صنع بهم ذلك، وقد نشط هذا الحس في الناس بعد الاحتلال البريطاني لبغداد". 

ومقابل كهوة سيد بكر وقرب المدخل الجنوبي للقلعة، كان يقع طوب أبو خزامة الذي جلبه السلطان مراد الرابع مع الحملة التي طردت العجم من العراق، إن لهذا الطوب منزلة فريدة في قلوب البغداديين والبغداديات فهم يعتقدون بأن الطفل لا يعيش ما لم تدخل الأم رأس طفلها في فوهة هذا الطوب، وهذه المراسيم بمثابة استحصال شهادة الجنسية البغدادية للبغدادي، ومن لم يدخل رأسه في فوهة طوب أبو خزامة فهو ليس بغدادياً أصيلاً، مهما ذكر في السجلات الرسمية عن مسقط رأسه وإني قد حصلت على الجنسية البغدادية منذ أن أدخلت المرحومة والدتي رأسي في فوهة هذا الطوب، فمن الله علي بطول العمر لأكتب هذا الكتاب. أما إذا كانت البغدادية عاقراً وتريد (تحبل) فما عليها إلا أن تطلب مرادها من طوب أبو خزامة وتشد (الخرك) في السلاسل والزرزباتات المحيطة به، لقد نقل طوب أبو خزامة من موقعه القديم إلى موقعه الحالي في وسط ساحة الميدان (شارع الرشيد) محاطاً بالزهور والرياحين، معززاً مكرماً، وذلك اعترافاً من البغداديين بفضل هذا (الطوب) على حياة أولادهم وأحفادهم!!

أما وقد دخل رأسي ورأس الشيخ جلال الحنفي في فوهة (طوب أبو خزامة) وإننا ما زلنا على قيد الحياة، فمن حقنا أن ندافع عن هذه (المعجزة) وفاء وتسديداً للدين الذي لها في عنقنا، وذلك بالإلحاح على إعادة طوب أبو خزامة أما إلى موقعه الأخير في حديقة الميدان أو إلى موقعه القديم في ساحة المدرسة المأمونية القديمة (الآن موقف للسيارات) ثم ضمت هذه الأرض إلى وزارة الدفاع على ما تقدم يحتاج الأمر لأكثر من عشرة أمتار مربعة من ذلك الموقف. وعن الصرافية التي قال عنها انه امضى عهد طفولته وعهد صباه ونصف عهد شبابه في الدنكجية وأمضى النصف الثاني من عهد شبابه وعهد كهولته وشيخوخته فيها قال :

إن منطقة الصرافية هي عنصر مكمل لشخصية البغدادي وللحياة البغدادية ، فلقد صارت مضرب الأمثال والأقوال ومحط الآمال ومركز الأعمال ومحبة البغداديين في كل آن وزمان ، اشتهرت بحسن موقعها وجمال منظرها وطراز أبنيتها واعتدال مناخها وعذوبة مائها ورقة نسيمها وندرة حشراتها كما عرفت بطيب ثمارها ونضرة خضرتها وخضراواتها وكثرة وتنوع تمورها وجمال زهورها وشدو طيورها وتغريد بلابلها وزقزقة عصافيرها ، في الصرافية أنشئ أول وأطول جسر حديدي للقطار في العراق وهو جسر الصرافية الحديدي والذي له عدة أسماء هي جسر القطار، الجسر الحديدي، جسر الصرافية، وجسر العيواضية ويتذكر المميز : ( كان التنقل بين الدنكجية والصرافية في أوائل القرن الحالي كما لو كان سفرة بين بغداد والشام، لنُدرة وسائط النقل وانعدام الطرق ، وإليك خط الرحلة الذي كنا نسلكه يوم كنا نقصد بستان الصرافية ، نتحرك صباحاً مشياً على الأقدام نحو شريعة المكتب سميت شريعة المكتب ، نسبة إلى ما عرف باسم (مكتب إعدادي عسكري ) وهو المدرسة الإعدادية العسكرية ، وكان يشغل مبنى المحاكم المدنية سابقاً ، والمبنى الأخير هو الذي شغلته دائرة الدفترخانه في القرن الثاني عشر للهجرة ( الثامن عشر للميلاد ) بين القشلة والمحاكم المدنية حالياً عبر سوك السراي حيث كان ياخذنا السايس عندنا (سكران) ومعه الفرس (نوفه) والبغلة (نجيه) فيمتطي والدنا الفرس وأنا وأخي البغلة واحداً أمام سكران والآخر يحتضنه من الوراء ، فنجتاز شريعة المجيدية (موقع مدينة الطبية حاليا ) والسدة الترابية والغبار الكثيف يتصاعد من حولنا ، فإلى يسار الطريق يقع شاطئ المجيدية الأخير الذي تقاسمه رجال الحكم يومئذ وشيدوا عليه قصورهم وإلى اليمين بستان صادق بك (هي البستان الشطانية التي أوقافها صادق بك بن والي بغداد سليمان باشا الكبير) والعلوازية ، لتوصلنا إلى بستان الصرافية (موقع السفارة اللبنانية حالياً) فنصلها بعد ثلاث ساعات في اقل تقدير ومثل هذا الوقت تستغرق رحلة العودة إلى الصرافية إلى الدنكجية فقارن بين تلك الرحلة وبين رحلتك حاليا التي تستغرق اكثر من ربع ساعة في الوصول بالسيارة.