طرائف اذاعية

طرائف اذاعية

محمد علي كريم

ام كلثوم تعاتب اذاعتنا

من طرائف ما يذكر أن السيدة ام كلثوم قدمت شكوى ضد إذاعة بغداد عن طريق وزارة الخارجية رافضة طريقتنا في نقل حفلاتها من اذاعة القاهرة، وقد اجبنا على شكواها بان قانون الملكية الفنية المعمول به في العراق يجيز لنا نقل ما نريد كما يجيز النقل عنا لان الوطن العربي واحد ولا فرق بين بلد عربي وأخرى .

وقد عاتبتني السيدة ام كلثوم شخصيا عندما كنت احضر حفلتها الغنائية في القاهرة في 6 كانون 1956 بعد أن أطرت العراقيين ووصفتهم بأوصاف جميلة أمام الجالسين معها ومنهم الشاعر احمد رامي، وقد أجبتها بأنها هبة من الله وان كل قطر عربي له حصة فيها ونحن بنقلنا لأغنياتها نأخذ حصتنا مقدما.. وقد حكمت السيدة أم كلثوم وقالت.. حسنا انقلوها ولكن بطريقة فنية (نظيفة) لا تؤثر على الأغاني .

بدايات النقل الخارجي

أول نقل كان حفل افتتاح سدة الكوت الذي حضره الملك غازي، وكان ذلك عام 1938 وبصوت المذيع حسين الكيلاني، بعدها نقلوا من الحبانية حفل افتتاح مشروع آخر ثم حفل وضع حجر الأساس لجامع الشهيد الحالي، ثم نقل المرحوم يونس بحري حفلا فنيا من ملهى صيفي أقيم في جريرة السندباد. و ثم النقل عن طريق الهاتف الذي كان يصل المكان الذي يجري فيه الحفل برقابة الإذاعة ثم إلى الجو، وقد استخدمت هذه الطريقة في نقل العديد من أغاني الأفلام من دور السينما مباشرة، اذكر منها أغاني فيلم (انتصار الشباب) و(حبيب العمر) و(دنانير) و(الماضي المجهول) . و في أواخر عام 1948 ، اشترت الإذاعة العراقية جهازي تسجيل (سلكي معدني) ماركة (وبكور) ثم تحولت بعد ذلك إلى أشرطة. وكان حين يلح علينا المستمع في طلب أغنية ما، كنا نجد أنفسنا أمام طريقين، الأول (استدانة) اسطوانات خام من بعثات إذاعة الشرق الأندى واذاعة البي بي سي اللندنية، التي كانت تصل إلى العراق لتسجيل الفنون العراقية من غناء وموسيقى وتمثيليات وبذلك تتاح لنا فرصة تسجيل ما نريد. 

اما والطريقة الثانية فكانت عندما نحتال على الإذاعات الأخرى باستخدام جهاز الاستقبال الضخم الذي كانت تملكه الإذاعة والذي يمكننا من استلام الأصوات الواضحة من اية محطة خارجية ولما كنا نعرف برامج إذاعة الشرق الأدنى مقدما عن طريق (مجلة الشرق الادنى) التي كانت تنشر برامجها الشهرية، لذا فقد كان تركيزنا على هذه الاذاعة بالذات واذكر في حينها ان اغنية (همسة حائرة) كانت (ضاربة) كما يقولون وتملك امتياز إذاعتها إذاعة الشرق الأدنى فقط، وبحيلة بسيطة كنا نضع المؤشر على هذه المحطة ويكون مذيعنا في بغداد جاهزا في الأستوديو، وعندما يقول مذيع الشرق الأدنى جملته (هنا محطة الشرق الأدنى) يقول مذيعنا (هنا بغداد) ثم نلتقط الأغنية ونبثها على الجو.

اول المذيعات العراقيات

في عام 1943 ، عملت المرحومة فكتوريا نعمان كأول مذيعة في اذاعة بغداد لمدة لا تتجاوز العام وزاملتها في العمل السيدة امينة الرحال ولفترة بسيطة ايضا، ثم دخلت السيدة صبيحة المدرس الاذاعة في عام 1945، واختبرت للعمل كمذيعة لتمكنها من اللغة العربية اضافة الى كونها شاعرة، وقد عملت السيدة صبيحة لفترة طويلة ولم تترك الاذاعة الا بعد ان استلمت عملها كمديرة لسجن النساء، ثم عادت مرة اخرى للعمل الى ان تقاعدت في أوائل الستينيات. وكانت ردود الفعل بين الناس مختلفة وحسب الامزجة والثقافة العامة .الحقيقة أن عمل السيدة صبيحة في الإذاعة حدث كبير قوبل بالتعجب إلا أن دماثة خلقها وحسن تصرفها وسلوكها الطيب، جعلها مذيعة محترمة من الجميع، وعزيزة على قلوب زملائها حتى آخر يوم عمل لها في الإذاعة. في بداية عام 1958 ، دخلت الاذاعة مذيعة جديدة وتلميذة في كلية الصيدلة هي السيدة وداد خضر وظلت تعمل لسنوات، ثم توالى انضمام المذيعات للعمل بعد عام 1959 .

وانتسبت الى اذاعة بغدا اللاسلكية

في أواخر الثلاثينيات، كنت أتردد على إذاعة بغداد التي افتتحت في صيف 1936 للمشاركة في التمثيل مع فرقة المرحوم عبد الله العزاوي، واذكر أن مسرحية (مجنون ليلى) هي المسرحية الشعبية الأولى التي تقدم من اذاعة بغداد، وقد شاركت في تمثيلها مع الفنان عبد الله العزاوي والفنان محمود المعروف.. وفي تلك الفترة كلفني السيد فؤاد جميل مدير السكرتارية (الإذاعة) بقراءة الأحاديث الإذاعية التي لا يقدمها كتابها بأصواتهم، وقد زادني هذا العمل تعلقا وشغفا بالإذاعة، فكنت استمع إلى (إذاعة القاهرة) وإذاعة (القدس)، وأتابع البرامج العريقة التي كانت تقدمها، ومنها منلوجات (منير ومثيرة) للفنان فهد نجار . وكان السيد عبد الستار فوزي هو اول مذيع عمل في الإذاعة حين كانت سكرتارية تابعة لوزارة المعازف ، ثم جاء بعده المذيح والصحفي المرحوم يونس بحري الذي كان يصدر جريدة (العقاب) ثم انتقلت الإذاعة من سكرتارية إلى مديرية ألحقت بمديرية الدعاية في وزارة الداخلية في اوائل عام 1939، وكان اول مذيع في هذا العقد هو السيد حسن الكيلاني ، وجاء بعده عبد اللطيف الكمالي والمرحوم كاظم الحيدري .

بعد ثورة مايس 1941، أعلنت الإذاعة عن حاجتها لمذيعين جدد وتقدم حوالي ثلاثمائة وثمانون شابا وبعد (التصفيات) لم ينجح الا اربعة هم الزميل وديع خوتدة والمحامي جهاد العبايجي والمرحوم حامد الهاشمي وانا وبدأنا عملنا مع المرحوم موحان طاغي والسيد عبد الحميد الدروبي وناظم بطرس. - اختبرتنا لجنة كانت تستمع إلى أصواتنا ونحن نقرأ ثم تسألنا بضعة أسئلة كي تحدد صلاحية الصوت والتمكن من اللغة وسرعة البديهة، وحسن الإلقاء والثقافة العامة وهذه هي الصفات التي يجب أن تتوفر في المذيع في كل مكان وزمان.

تركت الاذاعة بعد فترة بسبب القاء القبض علي بتهمة الانتماء الى كتائب الشباب في ثورة مايس 1941، وحكم علي بالسجن لمدة سبعة اشهر وفصلت من الاذاعة اضافة إلى فصلي من عملي ككاتب مستخدم في مديرية البلديات. ويبدو ان السيد ارشد العمري رئيس الوزراء في ذلك الوقت، كان غير مقتنع بأصوات المذيعين، لذا فقد أرسل بطلب المرحوم حسين الرحال مدير الإذاعة وطلب منه المذيعين الذين سيخضعون الى اختبار جديد بحضور السيد ارشد العمري شخصياً، وقد تم الاختبار بالفعل ولم ينجح فيه غيري أنا والزميل ناظم بطرس والسيدة صبيحة المدرس، وبذلك توزعت ساعات البث بيننا نحن الثلاثة.

ج. الأتحاد 1989