100 عام على تأسيس اول حكومة عراقية

100 عام على تأسيس اول حكومة عراقية

في الخامس والعشرين من تشرين الاول عام 1920 تألفت اول وزارة عراقية في تاريخ العراق الحديث بقرار بريطاني وبتوجيه مباشر من الادارة البريطانية المحتلة ، وهي وزارة السيد عبد الرحمن الكيلاني نقيب اشراف بغداد ، التي عرفت بالوزارة المؤقتة ،

وهي الوزارة التي مهدت لحادث جسيم في تاريخنا الحديث وهو تكوين الدولة العراقية بتولي الامير فيصل بن الحسين عرش العراق ، وقد كانت تلك المهمة الرئيسة لتلك الوزارة المؤقتة .. وبهذه المناسبة اخترنا هذا النص المهم من كتاب بيتر سلغليت ( بريطانيا في العراق ، صناعة ملك ودولة ) الصادر عن دار المدى سنة 2019 بترجمة الراحل عبد الاله النعيمي . (ذاكرة عراقية)

بحلول تشرين الأول/أكتوبر استعاد الجيش سيطرته من حيث الأساس، وحل كوكس محل ولسن، وكان واضحاً أن طريقة غير محدَّدة بعد ستُعتَمد لاختيار حاكم يحظى بقبول السكان. ولكن حتى نهاية العام، عندما حزمت الحكومة أمرها بكل تأكيد لدعم ترشيح أحد أبناء الشريف، ظل كوكس جاهلاً بنيات بريطانيا بقدر ما كان ولسن من جانبه جاهلاً بها، رغم أنه كان أكثر استعداداً لفهم الحكمة من إجراء ممهدات سريعة. وهكذا في تشرين الأول/أكتوبر 1920 ، كان الجميع ينتظرون أن ينطق العرَّاف، وكان المنتظَر صدور بيان سياسي بالغ الأثر، ولكن لم يحدث شيء في هذه الأثناء. وحدث انفراج في الوضع بتأثير سمعة كوكس الرفيعة والإحساس العام، الذي لم يكن تماماً من دون مبرر، بأن عودته تنبئ بنوع من التسوية المؤكدة. وقد وصف مهمته بأنها التعهد

( .. بتحويل واجهة الإدارة القائمة تحويلاً سريعاً كاملاً وضرورياً من بريطانية إلى عربية، وفي مجرى العملية، إجراء خفض شامل بأعداد الكوادر البريطانية والهندية البريطانية المستخدمة... ومهما كانت المشاعر الأولية التي ربما راودت الكثير من رفاقي، بل لا بد من أنها راودتهم، فإن غالبيتهم سلَّموا تدريجياً بالرأي القائل إن التجربة، كبديل عن السياسة بأكملها، كانت تستحق المحاولة وليس بالضرورة محكوماً عليها بالفشل).

في غضون أسبوعين من وصول كوكس أفلح في إقناع نقيب الأشراف،عبد الرحمن الكيلاني، بأن يكون رئيس مجلس دولة ليقدم بذلك دليلاًمرئياً على نيته في تشكيل حكومة عربية. وانضم إلى المجلس غالبيةالذين وُجهت إليهم دعوة للانضمام، وفي 11 تشرين الثاني/نوفمبرأعلن كوكس تشكيل حكومة مؤقتة كحقيقة ثابتة))8). وما لم يكن قادراً على أن يفعله هو إعلان أي تفاصيل عن رئيس الدولة المقبل، وأصبحت هذه المسألة مبعث القلق الرئيس خلال الأشهر التالية.

كان تنصيب «حاكم مقبول » يتسم بأهمية بالغة للحكومة البريطانية في ضوء المواقف المتغيرة في اروقة وايتهول. وفي صيف 1920 اقترح أدوين مونتاغو Edwin Montagu ، وزير الدولة لشؤون الهند، أن من المستَحسن إعادة النظر بطبيعة العلاقة البريطانية مع العراق، وتساءل إن كان الانتداب، في شكله القائم، هو الأداة الأنسب. وانبثقت من ذلك الفكرة القائلة بأنه سيكون تنازلاً بخس الثمن للمشاعر الوطنية أن يُستغنى عن شكل الانتداب وفي الوقت نفسه الإبقاء على جوهره، وأن يُستعاض عن العلاقة الانتدابية بمعاهدة تحالف. وكانت المعاهدة تعني ضمناً أطرافاً متعاقدة وموقعة، وسيكون لحاكم العراق المقبل دور مهم في هذه الصيغة.

لم تكن مشكلات السير بيرسي كوكس في بغداد تقتصر على إيجاد ظروف ملائمة لمرشح مناسب يجلس على عرش بلاد ما بين النهرين،أو إقناع وزراء ممانعين بقبول الحقائب المعروضة عليهم))9). وفي أواخرخريف 1920 كان لم يزل هناك قدر كبير من الشك فيما إذا كانت بريطانيا ستبقى في بلاد ما بين النهرين أصلاً، وما إذا كانت القوات البريطانية ستنسحب إلى البصرة أو لا. وكان هذا اللايقين، الذين استمر بهذا القدر أو ذاك حتى ترسيم الحدود الشمالية بصورة نهائية في عام 1926 ، ذا أهمية حاسمة بصفة خاصة في هذه المرحلة المبكرة))9). وكان اعتراض الصحافة البريطانية والبرلمان البريطاني على استمرار الإنفاق في بلاد ما بين النهرين بطيئاً الآن في الوصول إلى بغداد. وأرسلت غرفة التجارةالبريطانية في بغداد برقية احتجاج لاذعة إلى مكتب الهند:

«إن القوات البريطانية باحتلالها بلاد ما بين النهرين دمرت شكل الحكم الوحيد الذي كان البلد يعرفه منذ قرون... والجلاء في الوقت الحاضر سيتركه بلا أي حكومة جديرة بهذا الاسم. وهكذا ستكون المحصلة النهائية للتدخل البريطاني في بلاد ما بين النهرين دمارها الكامل الذي ستقع المسؤولية النهائية عنه على عاتق حكومة صاحب الجلالة. وتدرك الغرفة تماماً الحاجة الملحة إلى تخفيف عبء دافع الضرائب البريطاني وتعتقد أن هذا يمكن أن يتحقق بأمان وشرف على الأسس التي تفكر فيها حالياً واستهلتها حكومة صاحب الجلالة» )). في نهاية المطاف كان استمرار الوجود البريطاني سيُكفَل من خلال إجراءات أقرها مؤتمر القاهرة وكذلك بتشجيع مرشح للعرش يُعتقَد أنه على الأرجح سيحقق أكبر قدر من الاستقرار للبلد.

كانت المسألة الآنية التي واجهت السلطات البريطانية في ربيع 1921 هي قضية «انتخاب » فيصل للعرش التي كانت أقرب إلى الأوبرا الكوميدية. فإن احتضان البريطانيين له استبعد عملياً إمكانية اختيار أي -92- مرشح آخر ولكن كان من الضروري أن ينال تأييداً واسعاً من الرأي العام في العراق، وعلى الأقل ألا يبدو أن هناك معارضة واسعة ضده )خدوري، 1970 : 239 - 242 (. وكان اثنان من المرشحين المحليين الثلاثة بلا فرص تُذكر للنجاح. فالنقيب طاعن في السن وشيخ المحمرة شيعي. ودُفع الأول برفق إلى سحب ترشيحه فيما نصح السير بيرسي

كوكس الثاني مباشرة بعدم التنافس. وكان المرشج الثالث، السيد طالب النقيب، يشكل تحدياً حقيقياً، وفي النهاية أبعدته السلطات البريطانية فيما يبدو أنها كانت ظروفاً غامضة))). وباختفاء طالب النقيب من الساحة كان نجاح فيصل مفروغاً منه.( -1 يُقال إن سبب إقالة السيد طالب كان تهديده بانتفاضة مسلحة خلال مأدبة عشاء خاصة حضرها، من بين آخرين بيرسيفال لاندون Percival Landon من صحيفة الديلي تلغراف. ويبدو أنه احتجز ثم أُبعد لدى مغادرته جلسة شاي مع الليدي كوكس في المقيمية بعد أيام قليلة.) 

كان موقف فيصل في الفترة التي سبقت انتخابه موقفاً حساساً بصفة خاصة لأن عليه أن يبدو في وقت واحد «وطنياً » وممتثلاً لرغبات الحكومات البريطانية عموماً. وهكذا فإنه لم يستطع أن يبدو قادماً إلى العراق بدعوة صريحة من بريطانيا، ولكن ينبغي، مع ذلك، أن يكون الموقف البريطاني واضحاً إزاءه. ولهذا السبب كانت هناك تحركات ومراسلات كثيرة بين بغداد وجدة ولندن بعد عودة المندوب السامي من مؤتمر القاهرة، ومرت زهاء شهرين )من منتصف نيسان/أبريل إلى منتصف حزيران/يونيو 1921 ( بين عودة كوكس إلى بغداد ومغادرة فيصل من جدة على متن سفينة بريطانيا لنقل البريد. ولاستجلاء الأمور طلب كوكس، ووافق تشرتشل، أن يصدر في إنكلترا إعلان لنيات بريطانيا.

وصدر الإعلان في مجلس العموم يوم 14 حزيران/يونيو. وأُرسل نصبلاغ مستوحى رسمياً لوكالة رويترز إلى بغداد بعد أيام قليلة:

((استجابة لاستفسارات من أنصار الأمير فيصل أعلنت الحكومة البريطانية أنها لن تضع عراقيل في طريق ترشيحه، وإنه، إذا وقع عليه الاختيار، سينال دعمها )) .