هارولد بنتر مسرحي عبث العالم الواقعي

هارولد بنتر مسرحي عبث العالم الواقعي

علاء الدين العالم

في العام 2005 سلمت جائزة نوبل للآداب للكاتب والمسرحي الإنكليزي هارولد بنتر على مجمل إنتاجه المسرحي، متأخرة عقدين وأكثر على أحد أهم أصوات الكتابة المسرحية في القرن العشرين.

وكان بنتر قد ولد في حي هاكني في لندن سنة 1930، وبدأ بكتابة نصوصه المسرحية بعد عمر العشرين، وكانت أول أعماله “الغرفة” و”المنضدة”، كما كتب سيناريوهات للسينما بلغت حوالي العشرة سيناريوهات، كلها مأخوذة عن روايات ليست من تأليفه، أهمّها السيناريو الذي كتبه عن رواية مارسيل بروست “البحث عن الزمن المفقود” حيث استمر في كتابة هذا السيناريو قرابة العام.

بنتر عمل أيضاً كمخرج مسرحي، ولكنه لم يخرج أيّا من المسرحيات التي كتبها، وعمل ممثلاً في المسرح والسينما والتلفزيون، وكان يتخذ اسماً مستعارا هو “ديفيد بارون” ومن أشهر أعماله كممثل، دوره في مسرحية جان بول سارتر “الأبواب الموصدة” حيث لعب شخصية غارسان. كما كتب تسعا وعشرين مسرحية والعديد من القصص والمقالات والقصائد.

محطة فيكتوريا

يقسم هذا النتاج الضخم لهارولد بنتر، مسرحياً، إلى قسمين، المسرحيات الصغرى ونذكر منها “الليل”، “محطة فيكتوريا”، “مرة أخرى” كتب بعضها كـ”اسكتشات” للتلفزيون والإذاعة البريطانية. وتتميز جلها بالكثافة على مستوى الطرح واللغة، أما القسم الثاني فهو المسرحيات الكبرى “الحارس”، “العزلة”، “الأرض الحرام”، “الأيام الخوالي”. والتي يعود إليها شهرة بنتر ككاتب مسرحي مجدد. دُعي بنتر في العام 1970 لاستلام جائزة تدعى جائزة “شكسبير” الألمانية، وقد قدمت له في مدينة هامبورغ، وهناك ألقى خطاباً قال فيه “سألني أحدهم ذات يوم عن الموضوع الذي تدور حوله كتاباتي. ودون أن أفكر في شيء، بل لمجرد الخروج بإجابة يتوه معها مثل هذا النوع من المحادثة أجبته: بأنها تدور حول العرسة (حيوان أكبر من الجرذ بقليل) التي تختبئ تحت الخزانة، وقد كانت هذه غلطة كبرى، فعلى مدى سنوات بعد ذلك ظللت أرى هذه العبارة تقتبس عنّي فيما يكتب عني، ويبدو أنها قد أصبحت لها الآن دلالة كبرى، وتعد قولا له أهميته عند الحديث عن أعمالي، ولكن بالنسبة إليّ لا تعني شيئا على الإطلاق. هذه هي أخطار الحديث العلني”.

يشترك بذلك بنتر مع معاصريه في النقد الأدبي “رولان بارت”، والفلسفة “ميشيل فوكو”، في نسف قصدية المؤلف، وتجاهل دوره. فليس المهم ما يقوله بنتر عن نصه، بل ما يقوله النص عن نفسه.

من جهة أخرى، يجيب بنتر عن ذلك بقوله “ما هو الذي أكتب عنه؟ إنه ليس العرسة القابعة تحت الخزانة. أنا لست مهتماً بالمسرح الذي يستخدم كمجرد وسيلة يعرب بها المشتغلون به عن أنفسهم. هناك الكثير من أعمال المسرح الجماعي التي لا أجد فيها، برغم العرق والجهد والضجة، شيئاً سوى تعميمات لا قيمة لها ساذجة ولا طائل من ورائها. ليس باستطاعتي أن ألخص أي مسرحية لي أو أن أصفها إلا بطريقة واحدة وهي أن أقول هذا هو ما حدث هذا ما قالوه وهذا ما فعلوه”.

موقف بنتر من اللغة يتوافق مع موقف صموئيل بيكيت، فنجده ينظر إلى اللغة لا سيما في أعماله المتأخرة، ذات النظرة التي ينظرها بيكيت إليها، ليس فقط باعتبارها أداة عقيمة توهم الإنسان بالتواصل مع الآخر، بل باعتبارها أداة قهر وتسلط

لم يكن هارولد بنتر كاتبا مسرحيا ينتمي إلى مسرح العبث واللامعقول بنفس طريقة بيكت ويونيسكو، فقارئ مسرح بنتر يلحظ مدى الفرق في بناء النص المسرحي بين بنتر وبين بيكيت ويونيسكو، ولعل أول اختلاف بارز بين بيكيت وبنتر، هو أن الأخير رفض على العكس من بيكيت التخلي عن الإطار الخارجي الواقعي في أعماله، ونسج دراماه من التناقض الحاد بين عقلانية الواقع الظاهرية وبين جوهره العبثي.

وفي حين لا نلمح في كل أعمال بيكيت أيّ ملمح واقعي ولو كان عابرا، سواء عن طريق اللغة أو الديكور أو الحدث، نجد عند بنتر في جلّ مسرحياته هذا الإطار الخارجي الواقعي الذي يحمل بجوهره العبث كجوهر للوجود الإنساني، وعلى سبيل المثال، هناك فرق واضح بين لغة كلّ من شخصيات بيكيت ويونيسكو وشخصيات بنتر، فاللغة عنده لا تتميز بنفس الحديّة في القطع والشرذمة والتشظي التي نقرأها عند بيكيت، بل دائما ما يعتمد بنتر على لغة ليست واقعية حياتية لكن فيها شيء من التواصل البشري، عارضا من خلال هذه اللغة ما يريد قوله عن جوهر الإنسان العبثي وجوهر العالم اللامعقول.

لكن هذا لا يعني أن موقف بنتر من اللغة ينافي موقف بيكيت أو يدحضه، بل على العكس نجده ينظر إلى اللغة لا سيما في أعماله المتأخرة ذات النظرة التي ينظرها بيكيت لها، ليس فقط باعتبارها أداة عقيمة توهم الإنسان بالتواصل مع الآخر، بل باعتبارها أداة قهر وتسلط.

كذلك فإن الاختلاف بين بنتر وبيكت لم يكن اختلافا جوهريا، بالرغم من أن بنتر كان له ما ميزه عن بيكيت، إلا أنه بقي مدينا له ومتأثرا به، وهذا ما نستنتجه من كلام الناقد ج. ل. ستيان عن تأثر بنتر ببيكت إذ يقول “بالنسبة إلى بنتر كان يعتبر بيكيت أعظم كاتب في أيامنا، وقد تجلى تأثره ببيكت من خلال ديكور بنتر البسيط واعتماده الحوار البسيط العفوي العرضي في بعض مسرحياته المبكّرة (…) إلا أن موهبة بنتر الفذة تعود إلى هذا الغموض الموجود في حواره بشكل يميزه عن غيره”.

لا يتجلى العبث عند بنتر كما عند بيكت ويونيسكو من خلال بنية المسرحية ولغتها، بل نجده في جلّ مسرحياته يستخدم لغة يومية حياتية وشخصيات حية. العبث عند بنتر هو ناتج طبيعي لصيرورة الحياة فيكفي أن نعرض الحياة بكل تفاهاتها حتى يظهر لنا العبث كمحرك لهذا العالم جليا واضحا.

التمويه والتشويش

لم يعتبر بنتر، مثلما هي الحال عند صموئيل بيكيت، أن اللغة أداة التمويه والتشويش لا الاتصال وحسب، بل ذهب أبعد من ذلك حينما أكد أن اللغة هي إحدى أدوات تكريس السلطة. ففي الوقت الذي تشعرنا اللغة أنها تمنحنا التواصل وتكسر هذا الصمت تكون اللغة تساهم في عزلتنا وفي الفهم الخاطئ لنا من الآخر.

الزمن يشغل حيزا أساسيا في مسرح هارولد بنتر، فمنذ أن عمل على إعداد سيناريو لرواية بروست "البحث عن الزمن المفقود"، والزمن كمفهوم فلسفي يسيطر على تفكير بنتر وهذا ما نراه بوضوح في مسرحيته "الخيانة"

من هنا نلحظ اقتراب بنتر من رأي الفيلسوف الألماني إدموند هوسرل عن اللغة، حيث يؤكد الأخير فلسفيا أن الوجود الخالص هو وجود صامت لا لغة فيه، إذن لم يكن وجود “الصمت” عرضيا في نصوص بنتر، أو عشوائيا، بل أكثر من ذلك، لا يمكن تحليل نصوص بنتر المسرحية دون الالتفات إلى بنية “الصمت”، ودوره في البناء الدرامي للمسرحية ككل.

يورد بنتر ثلاثة أنواع للصمت في مسرحياته “صمت، صمت طويل، وقفة”، ولا تخلو مسرحية من مسرحياته من هذه الإرشادات، حيث يجعل من الصمت الأداة الأشد تعبيرا عن عبثية الوجود البشري، وخواء الذات البشرية في المجتمعات المعاصرة، بذات الوقت، تجدر الإشارة إلى أن المغالاة في الحديث عن الصمت البنتري دون فهمه كجزء من السياق اليومي للحديث بين البشر هو ما يشتت قارئ بنتر ويساهم في زيادة غموض نصوصه.

الأيام الخوالي

يتسم مسرح بنتر بالمحافظة على الإطار الواقعي حيث تجري الأحداث عند بنتر في إطار واقعي حياتي على عكس بيكيت ويونيسكو، ويفصل بنتر بإرشاداته الإخراجية لا سيما في حديثه عن الديكور حيث يسهب في التفصيل عن الزمان والمكان مثال ذلك الوصف المسهب في إحدى أشهر مسرحياته “الأيام الخوالي” حيث يصف في مطلع المسرحية “المكان: منزل ريفي متطور، نافذة طويلة في الوسط إلى الأعلى، باب حجرة النوم إلى اليسار، باب أمامي على اليمين، أثاث قليل على الطراز الحديث، أريكتان، مقعد ذو مسندين”، لكن بنتر يقول إن هذا التفصيل غير مقصود وليس له دلالات.

يقول بنتر إن الحياة “أكثر غموضاً ممّا تصوره المسرحيات وهذا الغموض بالذات هو ما يسحرني: ما الذي يجري بين الكلمات وماذا يجري حين لا تقال الكلمات”، كذلك يؤكد بنتر على الغموض والإبهام الذي يشوب بعض نصوصه لا سيما مسرحياته الكبرى التي كتبها للتلفزيون مثل “الليل، و”محطة فكتوريا”. كما يرى بعض النقاد، أن الغموض في مسرحيات بنتر المتأخرة كـ”الأرض الحرام” و”الأيام الخوالي” قد استخدم كغاية لا كوسيلة.

يشغل الزمن حيزاً أساسياً في مسرح هارولد بنتر فمنذ أن عمل على إعداد سيناريو لرواية بروست “البحث عن الزمن المفقود” والزمن كمفهوم فلسفي يسيطر على تفكير بنتر، وهذا ما نراه بوضوح في مسرحيته “الخيانة” التي تدور حول إحساسنا بالزمن بطريقة مفتوحة واستثنائية وذلك من خلال تقسيم الحدث في المسرحية إلى تسعة مشاهد ثم أداؤها في تسلسل معكوس، وهكذا يستطيع المشاهد تتبع علاقة خيانة على مدى تسع أو عشر سنوات إلى الوراء، فهو يبدأ من لقاء مميت بين الطرفين المعنيين وقد أنهيا موعدهما الغرامي تماماً، لينتهي ببداية العلاقة العاطفية وهذا تكنيك يجعل كل مشهد يوضح بعضاً مما سبقه وهذا يذكرنا بالدراما الاستعادية التي كانت يكتبها إبسن قبل مائة عام.

ما يجعل هارولد بنتر حاضرا اليوم، هو مسرحته للعبث، ليس على طريقة ألبير كامو، أو بيكيت، بل من خلال كشف جوهر الحياة العبثي، عبر التقاط الفلسفي والفكري من خلال اليومي والحياتي. الأمر الذي يجعل منه كاتبا مسرحيا معاصرا بامتياز 

عن صحيفة العرب