من ذكريات بعثة الطيران الاولى في العراق

من ذكريات بعثة الطيران الاولى في العراق

 حفظي عزيز

في 2 نيسان أبريل من العام 1927, وكنت في الصف المنتهي في الإعدادية المركزية , جاء نوري السعيد إلى الصف وقال للتلاميذ: الملك فيصل الأول يسلم عليكم ويقول من منكم يجب أن يكون طيارا؟ في ذلك الوقت, لم تكن قد رأينا طائرة في حياتنا.

مع ذلك, رفع 12 تلميذ من بين 50 أيديهم. وكنت واحدا ممن رفعوا اليد بالموافقة. فقال نوري السعيد انه سيرسل في الغد سيارات تأخذنا للفحص الطبي في معسكر "الهنيدي" الذي صار يعرف فيما بعد باسم معسكر الرشيد. وأجري لنا الفحص الطبي, ورسب عشرة ونجح اثنان, قاسم البزركان ... وأنا . ثم أنسحب قاسم بعدما منعته عائلته من دخول المغامرة , وبقيت وحدي , ولم يكن من المعقول أن يرسلوني وحيدا في بعثة لدراسة الطيران في بريطانيا فأخذوا من المدرسة العسكرية أربعة طلاب آخرين , وكنا نحن الخمسة أعضاء أول بعثة سافرت إلى كلية الطيران البريطانية « كرانمور كوليدج « حيث بدأنا الدراسة في أيلول ( سبتمبر ) 1927 , وبقينا فيها مدة سنتين نجحنا بعدها وحملنا جناح الضابط الطيار برتبة ملازم ثان . والخمسة الاوائل في البعثة هم محمد علي جواد ,ناطق الطائي , موسى علي , أكرم مشتاق , وأنا .

كنا نتدرب على طائرات خشبية ذات محرك واحد ومروحة خشبية أيضا , أسمها « أفرو لينكس « . وبعد تخرجنا جرى توزيعنا على الأسراب الجوية البريطانية لمواصلة التدريب المقرر للضابط الانكليزي . وقد أمضينا في ذلك سنتين أخريين , قبل عودتنا إلى العراق . 

وكنا في مقتبل الشباب , وجميعنا من العزاب , وقد أقدمنا بالتالي على المغامرة دون أن نحسب كثير حساب للمخاطر التي قد تنجم عنها . وهنا أ,د أن أسجل أني الابن الوحيد لوالدي , ومع هذا فقد كنت جسورا غير هياب .

كان العراق قد أشترى في تلك السنة طائرات من نوع ( جبسي موتس ) , سرعتها المعروفة 80 ميلا في الساعة , وسعر الواحدة منها 500 دينار , وقد كان على كل واحد منا نحن الخمسة أن يقود واحدة من تلك الطائرات من لندن إلى بغداد. 14 يوما كاملا من مطار قرب لندن إلى معسكر “ الوشاش “ في بغداد , أي أن سرعتنا ما كانت اختلفت كثيرا لو أننا قطعنا المسافة على ظهر البعران ! واذكر لليوم أننا كنا ننظر من فوق متن طائراتنا , فنجد السيارات العادية تسبقنا على الأرض . وكنا نهبط في بعض المدن التي نمر بها , فنتزود بالوقود , ونمضي الليل فيها ثم نواصل الرحلة في الصباح التالي . وقد حططنا في باريس , ليون , مارسيليا , ثم اجتزنا البحر إلى جنوا , وارتقينا جبال الألب إلى ميلانو , ثم طرنا إلى يوغسلافيا , حيث حططنا في زغرب وبلغارد , ومنها إلى صوفيا , وأضنة , واسطنبول , وأسكي شهر , وأدرنة , فحلب , فبغداد . 

وكان طيراننا على ارتفاعات تتراوح بين 2000- 6000 قدم . وقد كان الطيران سهلا فوق الأراضي المنبسطة , لكننا عانينا صعوبات جمة ونحن نجتاز جبال الألب , والتي ترتفع قممها على المدى المقرر لطائراتنا , لذلك كنا نسير في شريط , أي طائرة خلف الأخرى , ونحلق ي الوديان متتبعين خطوط السكة الحديدية للقطار. لم تصادفنا أي حادثة خلال الرحلة , لكننا عند هبوطنا في باريس , سحرتنا أجواء هذه العاصمة الجميلة , فنمنا في الثالثة صباحا بدل أن ننام مبكرين كما هو مقرر لنا , وقد اطلنا فترة مكوثنا في باريس عن المقرر , وأبرقنا إلى بغداد نعلل ذلك بسوء الأحوال الجوية .. ويشهد الله أنها كذبة بيضاء ! . 

في الخامسة من عصر 22 نيسان ( ابريل ) 1931, وكان في استقبالنا الملك فيصل الأول , وجماهير غفيرة من أهالي بغداد والموصل والبصرة الذين جاءوا خصيصا ليشهدوا ذلك الحدث , وتجمعوا في الوشاش لعدم وجود مطار مدني آنذاك . ولدى وصولنا نشأت القوة الجوية العراقية . نعم , ففي العام 1933 أشترى العراق طائرات جديدة ذات محركين وثمانية مقاعد من نوع “ دراغون “ , ولما كنا قد جربنا الطريق سابقا . فقد أرسلوا المجموعة نفسها لكي تأتي بتلك الطائرات من انكلترا . واستغرقت الرحلة الثانية ثمانية أيام فقط . والعام 1934 , عادت الحكومة واشترت طائرات حربية من نوع “ أوداكس “ وبعثونا لقيادتها إلى بغداد , وقد كنا نفرح شديد الفرح بكل من تلك الرحلات, التي أعتبرها لذة شبابي والعمر الذي عشته .

كنت أحصل على نجمة جديدة كل ثلاث سنوات , حسب نظام القوة الجوية , تلك القوة التي أصيبت بضربة كبيرة في 2 أيار ( مايو ) 1941 حين وقع الخلاف بين الجيش العراقي والقوات البريطانية المعسكرة في “الحبانية “ فقام الانكليز بقصف طائراتنا ومخازن الأدوات الاحتياطية. ولما كنت أحصل على نجمة جديدة كل ثلاث سنوات , حسب نظام القوة الجوية , تلك القوة التي أصيبت بضربة كبيرة في 2 أيار ( مايو ) 1941 . كنت آمرا للسرب الخامس , وقد تحطمت طائراته جميعا تحت القصف الانكليزي , ذلك القصف الذي تم على حين غرة ودون سابق إنذار . ولكٍ أن تقدري موقفي ومشاعري يومذاك . 

ومن الحوادث التي لا انساها كان الملك غازي لا يزال أميرا في العام 1932, وكنت أنقله من الموصل إلى بغداد بطائرتي . وفجأة توقفت المروحة فوق بلدة “ بلد “ , وهبطنا هبوطا اضطراريا , فوصلنا الأرض بسلام وعندها عانقني غازي شاكرا , وأهداني صورته الموقعة بعد ذلك.

من اوراق الصحفي الراحل رشيد الرماحي