من تاريخ الحركة الديمقراطية في العراق..جماعة الاهالي والشيوعيون وانقلاب 1936

من تاريخ الحركة الديمقراطية في العراق..جماعة الاهالي والشيوعيون وانقلاب 1936

 نور جبار عباس

لم يكن من السهل على الشيوعيين العراقيين اتخاذ موقف محدد من الانقلاب والوزارة الجديدة. فقائد الانقلاب بكر صدقي، هو نفسه صاحب الفضل الكبير على الحكومة العراقية في اخماد الحركات العشائرية في الرميثة وسوق الشيوخ عام ١٩٣٥ ، هذه الحركات التي ايدها واسهم في بعضها الشيوعيون .

 

وان حكمت سليمان العقل المدبر للانقلاب ورئيس الوزراء الجديد، هو نفسه وزير الداخلية الذي اصدر اوامر القضاء على الحركات العشائرية بشدة كبيرةجداً. على الرغم من ذلك دعا الشيوعيون الى مساندة الانقلاب الذي اسقط وزارة الهاشمي التي ضيقت عليهم وطاردتهم . وجاء تسلم قادة جماعة الاهالي مناصب مهمة في الوزارة الجديدة، دافعاً للشيوعيين في تأييد الانقلاب اذ وضع في الحسبان التقارب الذي حصل بين جماعة الاهالي والشيوعي قاسم حسن في مطلع ١٩٣٦ ، ودعوة الكومنترن في اجتماعه عام ٩٣٥ جميع الاحزاب الشيوعية لإقامة جبهة شعبية معادية للفاشية على أساس الجبهة العمالية الموحدة، ودعوته لشيوعيي العراق إلى تكوين حركة جماهيرية وطنية تحررية ثورية تنصهر فيها جميع العناصر الوطنية . 

لذا سارع الشيوعيون الى مساندة الانقلاب منذ ايامه الأولى واندفعوا الى تحريك الجماهير لتأييده. كما سارعوا الى اصدار منشور بأسم الحزب الشيوعيالعراقي في الاول من تشرين الثاني ١٩٣٦ اعلنوا فيه تأييد الانقلاب، ونظموا بالتعاون مع جماعة الاهالي عدداً من المظاهرات المؤيدة للانقلاب في مدن مختلفة كان اكبرها المظاهرات التي جرت في بغداد والبصرة، فضلاً عن المظاهرة التي قادها يوسف اسماعيل في بغداد في تشرين الثاني والتي ضمت طلاب كليات الحقوق والطب ودار المعلمين العالية، وانتهت في جامع الحيدرخانه حيث القيت خطب تأييد الانقلاب. ونظم يوسف متي في بغداد ايضا مظاهرة تأييد اخرى ضمت عمال البناء واعداد من الكادحين من الكرادة الشرقية، انطلقت نحو شارع الرشيد وانضم اليها الاف المتظاهرين، وحمل الشيوعيون فيها شعارات عديدة مثل " الخبز للجياع" و" تسقط الفاشية المجرمة " وانتهت ايضا في جامع الحيدر خانه، حيث التقت بالمظاهرة الاولى . وشهدت البصرة تظاهرات مماثلة قادها غالي زويد.كانت شعارات هذه المظاهرات كفيلة بإثارة الوزارة القائمة واعتقال يوسف متي عدة ايام بعد احتجاج الوزير الايطالي المفوض في بغداد .

ازداد الشيوعيون تأييداً للوزارة بعد اعلان منهاجها الذي تضمن السعي لاعمار الاراضي وتوزيع الاميرية منها غير المملوكة على ابناء البلاد وفق المصلحة العامة، والقيام بإصلاحات عديدة اخرى لاسيما في مجال الزراعة والتجارة والصناعة ، واتسعت آمال الشيوعيين مع اعلان الوزارة السماح لبعض الكتب والمطبوعات الماركسية بالدخول الى العراق، بعد ان منعتها الوزارة السابقة بحجة ترويجها مبادئ شيوعية والاضرار بالمصلحة العامة . 

ازدادت علاقة الشيوعيين قوة مع جماعة الاهالي، وبخاصة بعد ان طالبت جريدة الاهالي لسان حال الجماعة، اطلاق سراح السجناء السياسيين ،في وقت لم يكن في سجون العراق، سجناء سياسيين غير الشيوعيين. اذ سبق للوزارة الجديدة ان افرجت عن جميع السجناء السياسيين ماعدا الشيوعيين، وقد تم اطلاق سراح جميع السجناء الشيوعيين . فكان من الطبيعي ان يندفع الشيوعيون باتجاه دعم ومساندة جماعة الاهالي وينتموا الى "جمعية الاصلاح الشعبي " التي اسستها جماعة الاهالي في تشرين الثاني ١٩٣٦ ، وتألفت هيأتها المؤسسة من كامل الجادرجي ويوسف ابراهيم وعبد القادر اسماعيل وصادق كمونه ومكي جميل ومحمد صالح القزاز وعبد الله سالم ، وجاء في منهاجها الذي نشرته في ١٥ تشرين الثاني ١٩٣٦ " السعي للقيام باصلاح سياسي واجتماعي واقتصادي يعود نفعه على عامة افراد الشعب ويحقق تقدمه ويقضي على الاستغلال، والمطالبة بنهوض القطاع الزراعي وخاصة فيما يتعلق باحياء الاراضي الموات وتوزيعها على الفلاحين .. والغاء القوانين الجائرة وسن قوانين تكفل التقدم الزراعي وترقية الفلاح، وتحقيق مطالب العمال المتمثلة بسن قوانين حماية العمل وضمان حقوقهم وتقدمهم ، وتحديد ساعات العمل بما لا يزيد عن ثمان ساعات يوميا وتشجيع مؤسسات العمال ونقاباتهم". الامر الذي شجع معظم الشيوعيين على الانتماء للجمعية وحث الشباب والطلاب والعمال والفلاحين نساء ورجالاً على الانتماء وبذل الجهود لمساندة الجمعية ومواجهة كل ما من شأنه اضعافها .على ان طروحاتها واهدافها تلتقي مع طروحات واهداف الحزب الشيوعي العراقي . 

ركز الشيوعيون على أداء دور بارز في شعبة الثقافة والدعاية للجمعية كونها تمثل افضل فرصة للشيوعيين للترويج عن افكارهم ، اذ اصبح يوسف متي وحسن عباس الكرباس كاتبين في جريدة " الاهالي " التي عدت لسان حال الجمعية. وعرف يوسف متي بمقالاته التي وضع لها عنوان " انا اقول " وتناولت شكاوى الناس وشؤون المجتمع. ،وعمل مهدي هاشم في جريدة "الانقلاب" لصاحبها الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري. وكان جميعهم قد اعرب عن تأييده لجمعية الاصلاح الشعبي التي اصبح ينظر اليها على انها واجهة علنية للحزب الشيوعي العراقي. وقد رفضت جماعة الأهالي هذا الاتهام مراراً، واكد اعضاؤها انهم بعيدون عن أي نشاط او ارتباط بالحزب.

شجعت الاجراءات التي اتخذتها وزارة حكمت سليمان ولا سيما اطلاق سراح السجناء الشيوعيين ، ثم السماح للمطبوعات الشيوعية بالدخول الى العراق، العناصر الشيوعية ممارسة نشاطها السياسي بشكل ملحوظ ، فسرعان ما عاد الشيوعيون الى نشاطهم وتنظيماتهم بين العمال وهذا ما دفع الوزارة الى تطبيق قانون العمل رقم ٢٧ لسنة ١٩٣٦ ، الذي شرعته وزارة ياسين الهاشمي الثانية ولم تنفذه ، وقد قام الشيوعيون في سبيل ذلك ومنذ تأليف وزارة حكمت سليمان حتى اواسط عام ١٩٣٧ ، بعدة اضرابات كبيرة وطويلة في مشاريع مهمة، حتى قدر مجموع عدد الايام التي شملتها الاضرابات بنحو ٢٠٠ يوم اي حوالي سبعة اشهر، وهذا الرقم يزيد اضعاف مضاعفة على مجموع عدد ايام الاضرابات منذ تأسيس المملكة العراقية في ٢٣ اب ١٩٢١ حتى قيام الانقلاب. 

بدأت الاضرابات في شركة "بلفور بتي" التي كانت تقوم ببناء سدة الكوت اواخر كانون الاول ١٩٣٦ ، اذ احتج العمال على زيادة ساعات عملهم ، وطالبوا بتوفير سيارات تنقلهم الى محل عملهم . واعقب ذلك اضراب عمال معمل "غزل عباس" في النجف اواخر كانون الثاني ١٩٣٧ ، ثم اضراب عمال شركة "باتا" للأحذية في ٨ اذار ١٩٣٧ ، وكان في مقدمة طلباتهم تحديد ساعات العمل، ومساواتهم في الاجر مع عمال المعامل الاهلية لصنع الاحذية. وفي ١٤ اذار ١٩٣٧ اضرب عمال الميناء في البصرة بتحريض من الشيوعيين، احتجاجاً على انخفاض اجورهم التي لا تتعدى ١٤ فلساً ، واستمر الاضراب على الرغم من قساوة اجراءات مدير الموانئ العام البريطاني" العقيد وورد" الذي استخدم اساليب صارمة بحق المضربين حتى اضطرت الادارة الى زيادة اجورهم من ١٤ الى ٥٠ فلساً كحد ادنى . 

دفعت هذه الاضرابات الحكومة الى الاستجابة لمطاليب العمال، وقد رد رئيس اركان الجيش الفريق بكر صدقي على سؤال رئيس تحرير جريدة البلاد روفائيل بطي عن تغلغل الشيوعية في العراق ، بقوله ان العراق خال من الشيوعية وتساءل " اين معاملنا وعمالنا كي تتوغل الشيوعية فينا ؟ ". وكان ذلك حافزاً للشيوعيين بالقيام باضطرابات جديدة ، اذ اعلن عمال شركة النفط في كركوك الاضراب اواخر اذار ١٩٣٧ ، تلاه اضراب عمال السكك الحديد معامل الشالجية في بغداد في اوائل نيسان ١٩٣٧ ، الذي انتهى بعد ان قاد الشيوعيون العمال المضربين نحو السراي، فاستجابت الحكومة لمطاليبهم على وفق قانون العمل رقم ٢٧ لسنة ١٩٣٦.

عن رسالة ( موقف الكرد من انقلاب بكر صدقي 1936 )