يوري بوندرايف والمصير المأساوي للمثقفين الروس

يوري بوندرايف والمصير المأساوي للمثقفين الروس

نيكولاي فيد 

ترجمة :عياد عيد‏

يبين يوري بونداريف في مؤلفاته تعدد أشكال الشخصيات الإنسانية من غير أن يغفر لأبطاله اللا مبالاة والرضى عن النفس والخيانة. ليس غريباً عنهم كل ما هو إنساني، فهم يظهرون التأرجح واللا منهجية المعروفة والضعف الإنساني البسيط، لكنهم في الوقت نفسه يتسمون بلين الطبع والطيبة والإحساس بالندم وبعدم الرضى عن النفس.

 

إن الكاتب نيكيتين (الشاطئ) والفنان فاسيلييف (الاختيار) والمخرج السينمائي كريموف (اللعبة) والعالم دروزدوف (الإغواء) هم أنموذجات فنية أصيلة. كان القسم الأعظم من الأعمال النثرية، لأسباب عديدة، يبني الشخصيات على أساس مغاير:

على الحركة الخارجية وعلى الطاقة وعلى الفعل. مثل: خرج، قال، قام، ذهب. وقد اختفى وعي الشخصية الذاتي والعمل الروحي المتوتر وتطور الشخصية الداخلي تماماً في الكثير من المؤلفات، وفي نهاية الثمانينيات صارت تختفي كلياً. غير أن ما يهم بونداريف في كائن اليوم العاقل هو الحال التي يكون الإنسان فيها ناجحاً من الخارج ويبدو سعيداً لأعين الآخرين، وهو في الواقع غير مسرور وغير راض عن نفسه لأنه لم يستطع أن يكمل شيئاً في الحياة، والأدق من ذلك أنه لم يخط خطوة أخرى نحو الخير الذي ينبغي فعله، ومن الجائز أن لا يخطوها مع ذلك.‏

لكن لماذا يجذب موضوع المثقفين انتباهه طوال ربع قرن؟ لذلك أسباب كثيرة ـ المصير المأساوي لرجال العمل الإبداعي وخصوصية مهنتهم التي تحدد هيئتهم الداخلية ـ إنهم مدعوون بأعصابهم العارية، ووفاقاً لما يتطلبه نوع حرفتهم، إلى أن يعيشوا عشرات الحيوات الأخرى. وأكثر ما يجذب انتباه بونداريف هو غنى الشخصيات المعقدة وتنوعها وتوتر علاقاتها بالوسط المحيط. لقد تركز اهتمامه على الشخصيات التي تفكر بشعبها وتدافع عن شرفه وحريته، والتي تسير لا على الطريق المختصرة بين نقطتين في المستوى بل على طريق متعرجة، فهكذا هي الحياة.‏

في أثناء ذلك لا يسعى بونداريف إلى أن يعكس هذه الأمزجة الاجتماعية وهذه النزعات والمواضيع أو تلك، بل إلى تصوير الواقع الحقيقي الذي يميز حال العالم. والآن يعتبر مؤلف كتاب "ومضات"، الذي دل على ولادة فن جديد في أدبنا، وكذلك مؤلف قصص طويلة ورواية عن الحرب، أي بونداريف، مبدع رباعية حول مصير المثقفين الروس، حَوَت أحاسيس المعاصرين المتنوعة وأفكارهم، وحكت عن آلية المجتمع الاجتماعية والسياسية غير البسيطة قط والبعيدة عن المثالية. لقد أخذت الرواية المعاصرة في أفضل أنموذجاتها تصبح ابتداءً ببونداريف اجتماعية فلسفية، إذ صارت تعبر عن نتائج استكشافات عصرنا في مجالات الروح الإنسانية العليا وفي المسائل الوجودية المعقدة وتلخصها، ويجب توجيه العناية الخاصة إلى هذا تحديداً.‏

إن امتلاك الإنسانية سلطة على الطبيعة لم تعهدها من قبل، والاستخدام الخاطئ والمجرم لهذه السلطة، والنمو المطرد للجور بحق الحياة الروحية والأدب وسيادة الإباحية والانحلال الخلقي واللا مسؤولية هي الآن في صلب مبدأ الحرية الاجتماعية. لقد أصبح ذلك كله حقيقة مرعبة للنصف الثاني من القرن العشرين. وفي الواقع إن ما يحدث هو تطور منطقي للأحداث التي تمتد بداياتها إلى مستهل هذا القرن، حيث كتب الفيلسوف الروسي لوباتين في نهاية عام 1915 يقول: "يعيش العالم المعاصر كارثة تاريخية هائلة، وهي مرعبة ودموية ومشبعة بأكثر الآفاق بعداً عن التوقع، إلى حد يخرس الفكر أمامها ويدور الرأس... لن يسيل الدم أنهاراً في هذه العاصفة التاريخية العنيفة وحسب، ولن تتخرب الدول وحسب ولن تموت الشعوب وتنبعث وحسب، بل سيحدث شيء آخر أيضاً... ستتهدم المثل القديمة وتذوي الآمال السابقة والتوقعات الدؤوبة. أما الشيء الرئيسي فهو أن إيماننا بالأدب المعاصر نفسه سيختل اختلالاً عميقاً لا يمكن إصلاحه. لقد أطل علينا من خلف ظهره فجأة وجه بشع متوحش جعلنا على الرغم منا ندبر متقززين مذهولين. ويطرح نفسه سؤال ملح: هل هذا أدب حقاً؟ ما قيمته التاريخية ؟ بل ما قيمته الحياتية على الأقل؟ "ثم تأتي الثورة في روسيا وستنشب حرب مخيفة مع الفاشية، ثم الخراب و"فترة الركود" وأخيراً أعوام البيريسترويكا الصماء وغير الواضحة. أضيفوا إلى ذلك كله ضغط اتحاد سلطة الدولة الجبارة مع التقنية وسينكشف لكم كل عمق الكلمات المخيفة بصدقها التاريخي، التي نطق بها بونداريف منذ فترة قريبة: "كان من المفروض إقامة محكمة على التاريخ. محكمة لا ترحم كذبه وديمومته كي تُبرّأ من الحاقدين روسيا الوفية، التي أجلست بغدرٍ في قفص الاتهام، والمعذبة على الجلجلة والمصلوبة كالمسيح".‏

ـ 1 ـ‏

بم ينشغل أبطال الرباعية الرئيسيون وما عقيدتهم في الحياة؟ فهم الكاتب نيكيتين (الشاطئ) بعد أن مر بالتجارب الصعبة (الحرب والأمل الضائع في الأخوة العامة والشك في المجتمع) أن: "مغزى الحياة في الحياة نفسها"، في تناقض الحياة ذاتها التي "لم تصر أكثر طيبة وبساطة"، وأن على المرء فيها "أن يجيب عن كل شيء ويحاسب على كل شيء"، وكنتيجة لذلك فهو لا يبحث عن عذر لذنبه الذي ارتكبه لأن "الأمر الذي لم يحتمله أكثر من غيره كان في الثواني الأخيرة من هلاك الآخر، حين لم يفعل شيئاً خارقاً للغاية، لم يستطع. لم يقدر على المساعدة أو التحذير..." بعد خروج الرواية إلى الدنيا بدأ النقاد يتجادلون بحرارة حول الجزئيات، وراحوا يتبينون إن كانت الرواية فلسفية أم العكس، وهل مات البطل أم أنه تظاهر بالموت... الخ، وكما يقول غوغول ذهبت المنطقة لتكتب. إنه لأمر غريب، فالأدب الروسي يتطور على الأغلب نحو معارض للنقد. على كل حال لن نحيد عن طريقنا.‏

لقد ذكر فيكتور أستافيف كلمات تثير الفضول حول "الشاطئ" في رسالته الموجهة إلى المؤلف في 5/6/1975، قال: أنهيت قراءة روايتك الجديدة للتو. أقرأ ببطء دائماً، أما الآن فكانت قراءتي صعبة أيضاً، إذ رحت أذلل مقاومة مثيرة للغضب حتى منتصف الرواية وهذا ما يؤكد نجاح هذا العمل. هكذا يجب أن تقرأ على ما يبدو النتاجات المعقدة وغير العادية والذكية ـ اعتدنا أن نبتلع الأشياء المسواة والمملسة مثل الفطائر المسلوقة. لقد كتبت رواية جيدة جداً، بل هي على الأغلب فذة. لكن على كل شيء فذ أن يخضع لتأكيد الزمن... كنت أريد أن أتحدث إليك عن أشياء كثيرة، وأن أشكرك على أشياء كثيرة، لكنني أقول لك شكراً قبل كل شيء على أنك مجدت حقاً الإنسان السوفيتي، الذي سفك من أجله بحر من الدم، والذي غسل بمحيط من الدموع المريرة والثقيلة بما فيها دموعنا، والذي جعله الكتبة عديمو الموهبة ورجال السينما والمسارح والصحف والراديو والتلفزيون بليدا وحقروه وحطموا من قدره إلى أن أصبح شخصاً مضحكاً. لقد وضع جميعهم، بحجة "تمجيده"، اليد عليه في سوق دعايتنا المليئة بالضجيج والخالية من الروح... في هذا تحديداً يكمن جوهر نيكيتينك وجاذبيته، التي تدفعنا إلى أن نتطاول خلفه وإليه لنكون جليسين وأصدقاء جديرين به". في ما بعد عبّر فيكتور بيتروفيتش عن فكرة هامة جداً تنص على أن مسألة "بناء هيئة الإنسان الرائع" قابلة للتنفيذ "إذا تولاها فنان حقيقي فقط... لقد قمت يا يوري بعمل خيّر ومطهِّر للروح".‏

يجبر عدم الرضا عن النفس وفهم خدعة الحياة الإنسانية في ظروف ما بعد الحرب نيكيتين على أن يعيش في عالم وهمي، وأن يحلم بشاطئ سحري. لكن هل في الإمكان الوصول إلى ذلك الشاطئ المنشود، وماذا هناك؟ أهي السعادة أم الفرح أم الهدوء؟ هل ستنكشف لنيكيتين الحقيقة بأوجهها الجديدة فيجد الأجوبة عن الأسئلة التي لم تكن تفارقه ليلاً ونهاراً؟ أم أن أحلامه عن الشاطئ المشمس والرائع هي مجرد ثمار خياله، والأمر على ذلك الشاطئ صعب كما هو عليه هنا،حيث تسير سعادة الحياة وألمها جنباً إلى جنب؟.. الومضات الأخيرة من حياة بطل رواية الشاطئ هي عبارة عن لحظة اختراق العذاب نحو السعادة: ومضة تلاقي الماضي والحاضر والمستقبل، التي يشعر نيكيتين بها ويعيها كسعادة تولد وتموت في الوقت نفسه، فلا يجد أحد لذلك نهاية ولن يجد. وقد راح "يعود ببطء من غير ألم، مودعاً نفسه على عبّارة مشبعة برائحة الدريس في مياه الظهر الدافئة. لقد عام ناشداً الاقتراب من ذلك الشاطئ الأخضر الموعود والمشمس، الذي وعده بأن الحياة مازالت أمامه. لكنه لم يستطع الاقتراب منه".‏

بينت أول رواية من الرباعية أي الطبقات العميقة في الحياة مسها هذا الفنان، وكيف هز القلوب الإنسانية هزاً قوياً. لقد أحس بونداريف، إضافة إلى ذلك، إحساساً حاداً بأن القضايا التي يطرحها في "الشاطئ" ليست واسعة النطاق وحسب بل هي متطورة في الزمن ومتحركة ومتغيرة. ووعى كذلك أن الحياة قد أساءت معاملة نيكيتين على الرغم من أنه بدا وكأنه يعود مع التيار. وهاهو الآن يعلن بإصرار أنه إنسان آخر أكثر حزماً في أفعاله، ورافض للواقع غير الإنساني الذي لا يرحم، وهكذا هو فلاديمير فاسيلييف من رواية "الاختيار".‏

ثمة سلسلة من المشاهد في "الاختيار" يبدو فيها واضحاً أي اختيار كان في مقدور الفنان المشهور فاسيلييف الإقدام عليه. لكن هل كان ممكناً أن لا يكون ذلك اختياراً بل نصف اختيار كما يحدث في حياة الكثيرين منا؟ مهما كان ذلك فإن فاسيلييف "بعد أن اجتاز نصف الحياة الأرضية" صار يشك في جدوى قضيته والحاجة إليها، فاقداً الإيمان بمغزى الحياة... وربما كان فلاديمير بوشين الوحيد من بين الذين كتبوا حول هذه الرواية، الأكثر دقة في تلخيص حماسته الرئيسية عام 1981: "... في رأيي أن هذا الكتاب يتكلم عن الحياة المأساوية الإنسانية عموماً وعلى أزمة العصر الروحية والأخلاقية العميقة خصوصاً...".‏

تجري إعادة إدراك الكنوز الاجتماعية الأخلاقية في علاقة جمالية بالواقع وفي الوعي والأحاسيس، وتبدو معراة على نحو واضح في لوحات فاسيلييف. إن نمط الوحدة الكئيب وحزن الضياع وقلق فراق القريب وعدم وعي ومضة السعادة هي الفكرة الرئيسية للمناظر الطبيعية التي رسمها في الآونة الأخيرة. وإليكم بضعاً منها: غسق شتوي مبكر، أشجار بتولا بنفسجية في هواء القرية المسائي، ركن منزل قروي سدت نوافذه بألواح متصالبة، آخر شعاع قرمزي على حدود الكثيب الثلجي الذي طمر المدخل، وهدوء الخلق الأول الممتد فراسخ عديدة، الممزوج كما يتخيل المرء بنباح كلاب بعيد، والنجمة الوحيدة الأولى. أو: يوم وداعي ساطع من آخر أيام تشرين الأول، والشمس البيضاء منخفضة، وقد نفذت من بين جذوع البتولا البعيدة، التي بدت سوداء على المنحدر قبالة الشمس، تفاحة وحيدة، سقطت على العشب قرب جدار دير مهدم وهي تكاد لا ترى من خلال الأوراق الملتصقة بها.‏

وأيضاً: نيسان، قمر ليموني في غابة بتولا عارية، ينير سواد الأرض، جزر الثلج المتبقية، أوراق الأشجار الساقطة العام الماضي...‏

انعكس في ذلك كله، كما في المرآة، قلق فاسيلييف وشكه وخيبة أمله. ففي حياته، كما صرنا نفهم الآن، لم يكن ثمة مكان للسعادة قط. بل كان هناك بحث حثيث عنها. بل هل كان في مقدور هذه السعادة أن تطرق باب إنسان جعل المصيبة العامة (فقدان الحيلة أمام الموظفين الجبابرة والحزبيين وسقوط الأخلاق والقسوة) ذنبه الخاص لأنه لا يقوى على تغيير أي شيء في هذا العالم نحو الأفضل؟‏

صار بونداريف مع مرور الوقت يتجه أكثر فاكثر نحو عرض مأساوية الإنسان الداخلي، فبطله الآن مسحوق ومجروح ومقيد بأعماله. لقد أسرنا في رواية "اللعبة" بعمق التحليل الاجتماعي وتوتر عالم الأحاسيس. وها نحن نصير شهوداً على ذلك الإصرار والتتابع الذي يدافع به المخرج السينمائي المعروف في أوساط واسعة، أي كريموف، عن الكنوز الإنسانية من تشاؤم زميله الأمريكي غريتشمار وارتيابه الهدام، ونتأكد من موهبته وصدقه ونقاء ضميره، ومن حبه كابن لأمه روسيا، التي قد يكون مقدراً لها أن تنقذ العالم من المصيبة المرعبة وتدفع مجدداً أغلى ثمن لفكرتها العظيمة والمقدسة، أي التآخي بين الجميع. إنه، خلافاً لفاسيلييف بطل "الاختيار" الرئيسي، يعرف أن الجمال مثل العمل والخير لن ينقذ العالم من تلقاء نفسه، فكريموف يفهم ماذا عليه أن ينتظر من الحياة، وماذا يمكن أن يدفع ثمناً لعدم تساهله ومبدئيته (يشرح لمساعد المخرج وضعه الذي لا يبشر بالخير في الأستوديو فيقول: "يجب أن نرد على النار يا جينيا حتى آخر طلقة. وحين نصير عاجزين.. تخرج أنت من الحصار، وسأرد حينئذ على النار وحدي".)‏

يرى كريموف جيداً أيضاً أن الدناءة والأنانية والتزوير واللامبالاة قد أخذت تزدهر أكثر فأكثر في حياة البشر بعد الحرب ("إن أحداًما من البراغماتيين يستبدل بمهارة، بل ربما بغباء كبير بروح الإنسان الدناءة فيما الضمير يغفو بعذوبة أمام التلفزيون"). يقوده ذلك كله إلى تأملات حزينة: "أمر مضحك، فأنصار الحقيقة ومحبوها تعبوا، وتعب محبو العدالة وصاروا مملين، يلوحون بأيديهم ويبتسمون لهم مواسين فقط. لكنني على الرغم من كل شيء أتذكر في لحظات الأسى إنساناً وحيداً في التاريخ لم يهادن. إنه الشهيد والمعذب الذي لا مثيل لـه. من وهبه الإيمان والثبات ـ أهو الله؟ من يعطيني الإيمان، أنا الكافر ـ أهو الفن؟ أهو القس أواكوام؟ وبأية قوانين يستطيع إظهارُ السفالة والدناءة الحقيرة أن يؤثر على الروح بمثل تلك القوة التي تؤثر بها المأساة العظيمة؟ أواكوام، أيها القس أو أكوام المحتدم بمشاعره، القديس، والعالم المعاصر ناقص الروح، الذي يبحث عن التسالي متشنجاً كما لو أنه عشية القيامة". تصبح الأحاسيس المسبقة القلقة اعتقاداً بأن النجاح الشخصي يخفي علة المجتمع الثقيلة، ويصير كريموف مجبراً، بسبب من بحثه المتوتر عن مغزى الحياة وكل ما هو موجود وكذلك من إحساسه الحاد بذنبه الشخصي في أن الكثير يتم في الحياة لا كما فكر فيه أو حلم به في الحرب ("... متى وأين حرف الإنسان أو يحرف الواقع عن الطريق. وأنا مع الجميع...") وأخيراً من مشكلته مع العالم الحالي القوي، على أن يرتعد ممّا يجري.‏

وضع بونداريف منذ بداية الثمانينيات على لسان بطله الرئيسي تنبؤاً دقيقاً لعالمنا المعاصر: "لقد تكاثر كثير جداً من الأغبياء والمكارين والهدامين والمتغطرسين والموظفين الممسوخين، من مدير العمارة إلى الوزير، الذين يؤمنون بمبدأ واحد هو: عش اليوم بعذوبة وليأت من بعدنا الطوفان. إنهم يقطعون الغابات من غير رحمة، ويحولون الأنهار إلى مجارير والسماء إلى مجمع قمامة. إنهم قتلة الأرض وكل ما هو موجود. ألم تلحظ يا جون أن لدى قاطني العالم كلهم، عندكم وعندنا، تعبير واحد في عيونهم؟ اللامبالاة تجاه كل شيء في الدنيا ما عدا الراحة لمؤخراتهم. وفي سبيلها يبيع المرء ويخون لا موطنه وأمته فحسب بل العالم كله". هل كان في مقدور ذوي المناصب العالية أن يغفروا له ـ وإن كان مخرجاً عالمياً مشهوراً ـ مثل هذه الهرطقة؟ كلا، طبعاً. لقد أطلقوا على كريموف زمرة ما يسمى "ممثلي الطبقة العاملة" (السائق غولين) وموظفي القضاء وغيرهم من الأصنام المخلصين لحكام الكريملين آنذاك والرعاة الصارمين لمبدأ "المسلك الطبقي". بم تهمهم موهبة المثقف وشرفه وكرامته إذا كانوا يعتبرون حبه لوطنه تفكيراً إمبراطورياً ودفاعه عن تاريخ روسيا الممتد إلى آلاف السنين وأدبها العظيم شوفينية؟‏

رأى بونداريف في رواية "اللعبة" وعكس نزعات وظواهر غير معروفة، بدأت الآن فقط تعلن عن نفسها لكن حملت. في أحشائها أجنة التطور العاصف والشامل في الأعوام القريبة. إن هذا الفنان يكشف في مصير كريموف عن سمات مأساوية ستصير بعد عدة سنوات طابعاً غالباً على أبطال رواية "الإغواء" وسنتحدث عن ذلك في وقت لاحق.‏

تضاف إلى مصائب كريموف كلها خيانة أولئك الناس الذين كانوا مقربين منه في وقت ما واغترابهم عنه وحسدهم إياه. وقد لعب هنا دوراً خاصاً مولوتشكوف الذي مثل في شخصه طيف الدناءة الإنسانية كله. يشغل مولوتشكوف مكاناً مرموقاً في بنية الرواية، ويشعر القارئ بوجوده على امتدادها كله، إذ تتقاطع طرقه ومسالكه غير مرة مع مصير كريموف مثيرة لديه كل مرة شعوراً بالنفور وفي بعض الأحيان أسئلة مقلقة.‏

ثمة طرق عديدة للتعبير عن موقف المؤلف كالسخرية والضحك وعلاقته بالشخصيات والأحداث والنزاعات.. الخ. لكن الشيء الرئيسي هو البطل (من هو، وبم يعيش، ما عقيدته، وبم يؤمن، وماذا يرفض)، ثم يأتي كل ما تبقى من خلاله. هذا لا يعني طبعاً أن موقف المؤلف يلتقي مع موقف البطل وأن الموقفين متطابقان تماماً. لكن التعبير عن علاقة الفنان بالعالم والعصر والناس يتم على نحو أدق من خلال بناء الشخصية تحديداً. لنتمعن في مولوتشكوف بانتباه أكبر، ولنستمع جيداً إلى حديثه المعقد.‏

لا يثير التعارف الأول شعوراً بالنفور منه كما لا يثير الإعجاب أيضاً. يبدو كأن هذا الشخص منفذ عادي، وليس أكثر من: "مدير الإنتاج تيرينتي سيميونوفيتش مولوتشكوف الصغير والهزيل، ذي الوجه النشيط باستمرار، اللطيف الذي يوزع انتباهه المعبر عن الاحترام على الجميع". ثم يقفز برشاقة ويهرع للقاء كريموف وقد "أضيئت عيناه الجليديتان البراقتان بالوفاء". إن اللامبالاة الخاصة وصراحة كريموف الفظة لا تقلقان مولوتشكوف، فهو لا ينفك يحيا نسيج التملق العنكبوتي الدقيق والحب غير المحدود والوفاء لمعبوده. "يا يسوع الإله، من يستطيع التهامك يا فياتشيسلاف أندرييفيتش ـ ورفع مولوتشكوف يديه عجباً نحو السقف فانزلق كُمّا سترته الحريرية نحو مرفقيه ـ من يستطيع أن يهزك وأنت كالصخرة، أنت... في مقدوري أن أحزر ما باعثك. لا إنك غير مخطئ". هذا نفاق، فهو باع الإنسان المدين له بالكثير: "استدعوني أيضاً منذ أسبوع إلى المقر النيابي... أو لنقل دعوني للتحدث... سألوني عن علاقتكم بالممثلة إيرينا سكفورتسوفا. يبدو أن أحداً لن يمنعهم من الحفر حتى اللب، ما دامت القضية تدور حول وفاة إنسان في ظروف غامضة..". لا يتعجل مولوتشكوف في عرض جوهره الحقيقي، فهو ينزع تدريجياً، وملتفتاً بحذر، لكن بحزم لا يلين، قناعه السابق عن وجهه، ويبدأ يطل جوهره الجديد المعادي لكريموف على نحو مكشوف.‏

في أثناء ذلك يميط لنا المؤلف اللثام عن بعض التفاصيل غير المتوقعة. فمولوتشكوف مدين لكريموف بحياته ووضعه الحالي. لكن لِمَ لا يحب ماضيه، وخصوصاً أعوام الحرب؟ آه، لقد كنت أحمق. لا أحب نفسي شاباً. لقد أشفقتَ عليَّ حينئذ، أنا الأحمق، عام أربعة وأربعين... قروي، مطلي بالشحم كي لا يصرَ. هذا ما كنتُه يا فياتشيسلاف أندرييفيتش، لا أستطيع أن أتذكر نفسي بهدوء. لا أحب نفسي شاباً. أحمق غبياً". تبين أن تيرينتي مولوتشكوف قد سلك سلوك الجبان والسافل على الجبهة: "لم يكن أحد يريد الموت. أما أنا فكنت أصير في الاستطلاع مجنوناً أحياناً. خفت... شكراً لك... لا أريد أن أذكر الحرب في أي حال من الأحوال، أما أنت فلن أنساك دهراً. لولاك لكانت عظامي تعفنت في أوكرانيا... كانت ستتعفن في تلك الحفرة..".‏

نعم، لم يكن أحد يريد الموت في الحرب، لكنهم ماتوا. مات الكثيرون، واستشهد قسم الشعب الأفضل ـ إلى هذه الفكرة يتجه أبطال بونداريف باستمرار.