صبيحة الشيخ داود تتحدى وتنتصر..مع كتاب (أول الطريق)

صبيحة الشيخ داود تتحدى وتنتصر..مع كتاب (أول الطريق)

يعد ( اول الطريق )اول كتاب عن بدايات الحركة النسوية وانبثاقها في العراق الحديث ، ومؤلفته صبيحة الشيخ احمد داود (1915-1975) رائدة النهضة العراقية واول طالبة جامعية مسلمة في العراق ، كما انها اول طالبة تدرس في كلية الحقوق بجامعة بغداد وكذلك اول محامية عراقية. في هذا الكتاب تحلل المؤلفة هذه النهضة منذ بداياتها اواخر القرن التاسع عشر وتطورها حتى سنة اصدار ذلك الكتاب عام 1958. ومن هذا الكتاب الرائد :

فضيحة ( سوق عكاظ ) ...!

تحدثت صبيحة في فصل بعنوان «قضية سوق عكاظ» عما سماه البعض في ذلك الوقت «الفضيحة» وهي مشاركة المؤلفة عندما كانت في الثامنة من عمرها في اول مهرجان ادبي في بغداد المسمى بـ «سوق عكاظ» في 24 فبراير 1924 والذي شرك فيه ابرز الشعراء والادباء ورجال الفكر والثقافة في العراق. وقع الاختيار على صبيحة لتفوقها في المدرسة!! لتلعب دور الخنساء ولتتلو احدى قصائدها امام الحضور. انتشر الخبر سريعا واعلن ان «امراة سافرة سوف تشارك بالمهرجات». فبدا الجدل حول «الفضيحة» التي ستحدث في المهرجان وهددت الحكومة من قبل بعض الشخصيات لمنع مشاركة هذه «الامرأة». ولكن اسرة الشيخ داود اصرت على مشاركة ابنتها الصغيرة في المهرجان ورفض الشيخ داود تنازل ابنته عن دورها على الرغم من تهديدات الحكومة العراقية باستخدام «القوة والضغط». وفي النهاية شاركت ابنة الشيخ داود وبموافقة الملك فيصل ولعبت دور الخنساء امام الوف من سكان بغداد والاقاليم والقت قصائدها وهي تعتلي ناقة وهي ترتدي الملابس العربية الطويلة.

تناولت صبيحة من خلال تجربتها هذه صعوبة تقبل مجتمع العراق في العشرينيات ظهور المرأة – حتى لو كانت فتاة صغيرة – في الحياة العامة رغم ارتدائها اللباس التقليدي الطويل والعريض الذي يحجب كل علامات انوثتها. ثم افردت فصلا من الكتاب سمته «معركة العراقية مع الحجاب» تتناول فيه الجدل حول لباس المرأة الذي دار في العراق في العشرينيات والثلاثينيات. فالمسألة لاقت صدى عند جميع افراد الطبقة المثقفة والسياسية ولم يكن هناك مثقف او مفكر او مسؤول سياسي لم يتخذ موقفا حول «الحجاب». والمواقف كانت متعددة واختلف فيها حول مفهوم «الحجاب» الذي عنى للبعض «البرقع» اي الحجاب الاسود الذي يغطي الوجه او العباءة التي تلبس فوق الملابس او الحجاب الذي يوضع فوق الرأس. وفي استشهادات المؤلفة بانصار ومعارضي الحجاب في كامل الكتاب فليس هناك تعريف واضح ومحدد للسفور والحجاب. فورد في الصحيفة لحسين الرحال مقالات كثيرة حول الموضوع، فمن مناصري الحجاب كان هناك من الشخصيات العراقية المعروفة المطب محمد القبانجي الذي اصدر اغنية تنتقد (مودة كص الشعر) اذ يعدها (عادة غريبة):

ابنيه بنت البيت كصت شعرها

عالمودة تمشي دلوع عافت سترها

عالمودة تمشي دلوع ياربي سترك

تحفظ جميع الناس منها ومكرها

وايضا:

كص الشعر كل يوم عند المزين

والركبة ركبة شاب من ورة تبين

لو للعلم تسعين يا بنتي احسن

خلي الخلاعة تروح للغرب اهلها

ومن اشد انصار الحجاب استشهدت المؤلفة بالشاعر ابراهيم ادهم الزهاوي:

رايت في النوم ابليسا فقلت له

جد الشياطين لا تبخل بتبيان

اعط الجواب لصب لا قرار له

كيف الوصوف .........

فقال مرتجلا بيتا اجاد به

وكان مختفيا هن كل انسان:

سل السفوري عما تستشير به

ان لسفوري من جندي واعواني

فتاة جامعية جريئة

حدثت المؤلفة عن تجربتها كاول طالبة جامعية مسلمة في العراق دخلت كلية القانون في جامعة بغداد عام 1936 وكانت المرأة الوحيدة بين 180 طالب. قبل ذلك كانت على البنات في العراق اللواتي ينوين الدراسة الجامعية ان يسافرن الى خارج بلدهن. اصر والد المؤلفة الشيخ احمد داود على دخول ابنته الجامعة في العراق اي مع الطلاب الذكور حتى يتسنى لجميع الفتيات العراقيات دخول الجامعة وعدم الاضطرار للسفر للخارج فليس لدى جميعهن الامكانية المادية لذلك. فحسب المؤلفة تحسن لدخولها الجامعة قائلا: «بالنسبة لي لا تهمني تكاليف التعليم في الخارج! فان الله قد وسع علينا في الرزق، ولكن ماذا تعمل الفتيات الفقيرات اللاتي لا تمكنهن احوالهن المادية من تحصيل التعليم العالي في الخارج؟ هل يقضى عليهن بالحرمان من نعمة العلم! ثم هل من قانون يحظر على الفتيات الانتساب الى الكليات المختلطة؟». فاخترقت صبيحة مباني الكلية وهي ترتدي العباءة وتضع البرقع الاسود على وجهها وكانت تنزعه لدى وصولها الى باب الكلية. تحدثت طويلا في الفصل الخامس من الكتاب عن معاناتها مع الطلاب الذكور الذين كانوا يسخرون منها واستنكر بعض الاساتذة وجودها وقضت السنة الاولى كلها في «اللوج» المنفرد كالسجينة حسب قولها: في سجن لا اتحدث مع احد، ولا يتحدث معي الا قليل منهم، وكنت اجلس فوق مقعدي اربع ساعات كل يوم قابعة في عباءتي . 

في تلك الفترة كانت صبيحة واسرتها واعيين تماما لاهمية وجودها في صفوف الكلية قد فتحت طريق التعليم العالي للفتيات العراقيات كونها بنت عالم ديني معروف صاحب وهو ذو اثر عميق على ضمير وافكار المسلمين في العراق. وبالفعل تقول صبيحة ان ما بين دخولها الى الجامعة عام 1936 وتخرجها منها تحولت مواقف كثير من العراقيين افتتحت ابواب الكليات للفتيات العراقيات فازداد عدد خريجات التعليم العالي من خريجة واحدة في السنة 1940 الى 250 خريجة سنة 1956.