في ذكر رحيله في 8 تشرين الثاني 1946..الكرخي وبدايته الصحفية

في ذكر رحيله في 8 تشرين الثاني 1946..الكرخي وبدايته الصحفية

رفعة عبد الرزاق محمد

لاشك ان الحديث عن الملا عبود الكرخي وعن مزاياه ومواهبه العديدة، لا تستطيع ان تقدم مشهدا كاملا لاحدى هذه المزايا لغزارة ما ضمته من صور وتداعيات. وتفرقها في الصحف والمجلات الكثيرة. وقد حدثني حفيده المرحوم حسين حاتم الكرخي الكثير من معاناته في ذلك، اضافة الى المسيرة الطويلة لحياته الشخصية والعامة.

ومن ذلك الحديث عن الجانب الصحفي الذي نعرض لشيء منه في هذه العجالة. وفي البدء نشير الى ان عبود الكرخي، اصدر صحف (الكرخ) و (صدى الكرخ) و (الملا) وصحفا اخرى بغير اسمه وهي (صدى التعاون) و (المزمار) و (الكرخي). ويبدو ان الصحافة دخلت حياته في اوائل العشرينيات من القرن الماضي، ويذكر حسين الكرخي ان جده اشترك في ثورة العشرين بشعره الذي كان يلقيه في جامع الحيدرخانة ببغداد.

فأوعزت السلطة الانكليزية المحتلة لانتزاع الاراضي الزراعية العائدة له في منطقة المحمودية، فاستقر بعد ذلك في بغداد واشتهر امره بين الشعب، واصبحت قصائده على كل لسان، وأخذت الصحف تنشر قصائده بل تتنافس فيما بينها لنشرها، فاقترح عليه أصدقاؤه ان يستقل بجريدة خاصة به، فأصدر جريدة (الكرخ) كما سنرى. وأخذ العمل الصحفي يأخذ كل وقته وجهده، حتى أنه انشأ مطبعة باسم (مطبعة الكرخ) سنة 1933 وفي العام نفسه أصدر الجزء الاول من ديوانه. جريدة الكرخ كتب فائق توفيق صديق الكرخي من انشاء جريدة الكرخ: كنا والأستاذ المحامي توفيق الفكيكي في وزارة المالية .

وكان الكرخي يزورنا بين آونة وأخرى فأقترحنا عليه ان ينشيء جريدة باسم الكرخ فاستحسن الفكرة واقدم عليها حيث حصل على امتيازها وأصبح الفكيكي مديرها المسؤول ثم انتقلت هذه المسؤولية على ما اذكر الى السيد قطب الدين شاكر. وكان الكرخي قبل ان يصدر (الكرخ) ينشر قصائده المثيرة في شتى الصحف ومنها المفيد والرافدان والحقائق المصورة والعراق والاستقلال ومجلة اليقين. 

وحين صدر العدد الاول من جريدته (الكرخ) في العاشر من كانون الثاني 1927، افتتحه بقصيدة اولها:

أول ما توكلنا على الرحمن نشتم كل عنود دخائن الأوطان 

صدرت الكرخ باربع صفحات بالحجم المتوسط، وكل صفحة تضم ثلاثة انهر طويلة. وعلى الرغم مما جاء في رأس الجريدة من انها ادبية الا ان معظم مقالاتها تشتمل على مواضيع سياسية واجتماعية نقدية ساخرة. وكان امرا طبيعيا ان تنشر الجريدة نصوص الشعر الشعبي (العامي) وكان اغلبه في نقد الاوضاع العامة. وكان ذلك له صداه الواسع في نفوس الأهالي، بل انهم اخذوا يرددون هذه القصائد بزهو واعجاب. اصبح توفيق الفكيكي المدير المسؤول لجريدة (الكرخ) ولم تفد جهوده في ايقاف تعطيل الجريدة في 14 شباط 1928 التي نشرت في العدد السابق (وكانت الجريدة اسبوعية) قصيدة ساخرة للكرخي مطلعها:

هاك أخذ مني مقال ياربيب الاحتلال 

اغلقت (الكرخ) في سنتها الاولى خمس مرات. وقد اقال الكرخي مديرها المسؤول توفيق الفكيكي الذي نشر مقالين دون علم صاحبها الذي كان خارج بغداد، حول حادثة النصولي لا يتفقان مع سياسة الجريدة. وكلف المحامي فائق القشطيني ليكون مديرها المسؤول اعتبارا من 14 آذار 1927. ثم استأنف الكرخي اصدار جريدته في 18 أيلول 1928 وعين عبد الامير الناهض (ابن اخي الشاعر) رئيسا لتحريرها. ويبدو ان مشكلات الجريدة لم تقف عند حدود اغلاقها بل تجاوز الى مشكلة مالية بسبب تلكؤ المشتركين بدفع اجور الاشتراكات. كتب ا لكرخي في (2 كانون الاول 1928): كنا ولا نزال عازمين على تبديل امتياز الكرخ الادبية بامتياز صحيفة سياسية. على ان المال اللازم للتضمينات لم يتيسر ولن يتيسر بسهولة وما نريد بدخول جو السياسة القائم المظلم خدمة مآرب او اشخاص، وانما غايتنا هي التخلص من قيود الصحف الادبية التي اودت بكثير من الجرائد والتي أصابنا منها ـ والحمد لله ـ خير كثير. 

عنيت الجريدة بالحياة الاجتماعية العراقية كثيرا، وطالما طالبت بالاصلاح ودرء الاخطار التي تحيط بالنشئ الجديد. وبقيت الى ان احتجبت عن الصدور في 3 كانون الاول 1928. ومن المفيد هنا ان نذكر ان من كتابها عبد الامير الناهض (ت 1954) الذي لقي من تشجيع عمه الملا عبود الشيء الجزيل حتى انه استقل بجريدة اصدرها سنة 1935 باسم (العندليب). اما صديق الكرخي الاثير، وهو نوري ثابت (حبزبوز) فقد حرر في (الكرخ) مقالاته الشهيرة (مذكرات خجة خان). وقد تضمنت نقدات شتى للحياة السياسية والعادات الاجتماعية الشاذة. ومن الطريف ان الكرخي نظم قصيدة طريفة على لسان (خجة خان) في توديع مجلس النواب: يخجة خان يا يّمة تشت مجلس الامة ومن القصائد التي نشرتها (الكرخ) القصيدة الكرخية الشهيرة عندام صدر قانون المطبوعات سنة 1932 واستقبلته الاوساط الصحفية باستياء بالغ فنشر الكرخي (لطمية حارة على الصحافة): 

ويهوه. ويهوه على القانون

ويهوه على الكرخي و (حبزبزهم)

و (رفائيل) ابو الاخبار ثالثهم 

(الاهالي) رابعه (والبنا) خامسهم 

وسادسهم (سليم) ابن حسون

وذكر الاستاذ الراحل حسين الكرخي ان (الكرخ) تعرضت ثماني عشرة مرة للغلق، وأقيمت عليها وعلى صاحبها العديد من الدعاوى الجزائية. كما اشتركت في معارك قلمية مثيرة كمعركتها مع الاستاذ محمد مهدي الجواهري صاحب (الفرات) سنة 1930 ومع عباس جلبي صاحب جريدة (الحقائق) وغيرهما من منتقدي الكرخي ..