الخطاط العراقي يوسف ذنون الموصلي.. إبداع بلا حدود

الخطاط العراقي يوسف ذنون الموصلي.. إبداع بلا حدود

د. عبد الاله الصائغ

الموصل الحدباء او الفيحاء او ذات الربيعين ! طبيعة خلابة وأم ولود انجبت للعالم العربي والشرقاوسطي اساطين الفن والمعرفة فهي موئل ابو تمام وبلد أبي عثمان بن جني ومشغل ابناء الأثير وحاضنة اسحق الموصلي وذلك دابها وحسبها !

فليس غريبا ان تنجب في زماننا هذا واحدا من اكبر عباقرة الخط العربي ومفكري التراث العربسلامي ! انه يوسف ذنون الموصلي الذي نزل الى أرض الموصل عام 1931 من اسرة دينية عريقة ! وقد بانت مخايل سموه الابداعي في سن مبكرة فهو يخط او يرسم على الارض والورق والقماش فيتماهى مع لحظات الخلق غائبا عن الزمكان الحسي ذائبا في اثير الوجد ! ذلك دابه منذ نعومة اظفاره ! يلعب مع الاطفال حين يفيض عليه الوقت ويعتزلهم حين يبهظه حلم الكينونة ! ولقد تخرج

في دار المعلمين عام 1951 ليدرِّس الفنون الاسلامية ويطور في الوقت ذاته قدراته التربوية وفضاءاته المعرفية ! ولم تكن المدارس لتسد حاجة نفسه للسطوع والمجد فبدأ المشوار بحوارات معمقة مع العلماء وذوي الاختصاص حتى طبقت شهرته الآفاق كما يقال بحيث استحق الاجازة العليا من شيخ خطاطي العالم

الاسلامي احمد الآمدي عام 1966 ! .

ويوسف ذنون الهاديء كما سطح البحر المكتنز كما اعماق البحر مجد نشيط، فقد شارك في مؤتمرات تتصل باهتمامه عراقيا وعربيا وعالميا وهو لم يتجنب الحواضن التي تحتاج الى خبراته فكان ان درَّس الخط العربي في المعاهد والجامعات العراقية والعربية والأجنبية! لكن الجانب الجدير باهتمام دارسي يوسف ذنون هو ابتكاراته في اساليب صناعة الخط العربي بما يميز اساليبه عن القدامى والمحدثين وليس في قولنا هذا نأمة مبالغة فالكتب التي وضعتها المؤسسات العلمية في السعودية والعراق وتركيا عن تفرد يوسف ذنون في فن الخط تقول الذي قلناه بل قالته وصار تاريخا موثقا ! ! ولقد كتبت الصحافة الفنية الفرنسية مقالات عن لوحات ذنون الخطية حين زار باريس مدعوا في مهرجان السحر الكوني سنة 1989 ! نعم الغربيون لايعرفون الخط العربي باستثناء المستشرقين لكن حساسيتهم عالية في التعامل مع الخط كعمل تشكيلي ! وذلك ما الفناه مثلا في تنافس المؤسسات الفنية الغربية على شراء لوحات يوسف واقتنائها. 

والحديث عن ابداعات يوسف ذنون قد ينسينا جوانبه الانسانية والمعرفية الأخرى ، يوسف ذو النون خطاط نعم ! فنان نعم ! عاشق مدمن نعم ! وماذا بعد ؟ يوسف ذنون ظاهرة كبرى في عددمن الفنون العصية لجميلة !وماذا بعد؟ يوسف ذنون فنان باتساع هذه الكلمة وعمقها وطهرها وإعجازها ! وماذا وماذا ؟؟ يوسف ذنون عاشق أدمن عشق الله وعشق عباد الله وعشق آلاء الله فكان آيةً في السمو الصوفي والزهد القدسي !يوسف ذنون ليس مدرسة بل هو أكاديمية يتخرج فيها الطلبة مبهظين بشهادة الأخلاق العليا والمعرفة المثلى .

كيف التقيت هذا الطود ؟ وسعدت بصداقته التي لاتشبه اي صداقة ؟؟سنة 1984 حللت الموصل العظيمة ولي فيها اصدقاء مهمون جدا كما تشكلت لي صداقات مع اعلام كبار من امثال معد الجبوري وسعيد الديوجي وبهنام ابو الصوف وهاشم الملاح وامجد محمد سعيد وعمرمحمد الطالب وراكان دبدوب وفرج عبو وحسن

العمري و شفاء العمري ومزاحم علاوي وبتول البستاني و ذنون يونس الاطرقجي و بشرى البستاني ومحمد نايف الدليمي .. وسوف انسى اسماء كثيرة مهمة بحكم عمري وغربتي وطول المسافات الزمكانية فمعذرة ! باشرت عملي مدرسا في قسم اللغة العربية كلية الآداب جامعة الموصل العريقة ، كنت اعشق عملي وما زلت ،الطلاب والطالبات اولادي وبناتي لا اميز بين الطالب النجفي او الموصلي الكوردي او العربي العراقي او الليبي او المغربي او اليمني او الامريكي وهذا وجيز عشقي لعملي وطلبتي في رحلتي الاكاديمية الطويلة ، كان طلبة الموصل يستشعرون معي الصداقة والحميمية بحيث شكاني رئيس القسم الدكتور عبد الوهاب العدواني الى العميد الدكتور صلاح الدين امين وقال ان الصائغ يبالغ في علاقاته مع الطلاب ! كانت غرفتي في القسم تشهد شكاوى الطلاب ودموعهم حين يشعرون بالظلم ، لفتت نظري طالبة جميلة كميلة مهذبة - نسيت اسمها -كانت تكتب محاضراتي بخط مدهش مدهش ! بشيء من الفضول قلت لها هل تجيدين فن الخط ؟ قالت وقد استغرقها الحياء : نعم انا مهتمة بالخط ومعي اختي الكبرى فهي خطاطة متمرسة ونحن اختي وأنا نحمل اجازة من الاستاذ الكبير يوسف ذنون ، قلت لها وقد رَنَّ اسم يوسف ذنون في روحي : اذن يمكنك ان تعقدي معرفة بين استاذك في الخط يوسف ذنون واستاذك في تحليل النص عبد الاله الصائغ ، قالت بثقة الفتاة الموصلية اعطني وقتا استاذي كي اتدبر ماذا افعل ! فشكرتها وتركتها لما سوف تتدبره .

وحقا بعد أيام قالت لي : يمكنك يا استاذ حضور مجلس آبيه حسن العمري ففي هذا المجلس نخبة الاساتذة الكبار في الشعر والرسم والثقافة بعامة ! هناك سوف تلتقي الاستاذ يوسف ذنون واعلمتني انها وشقيقتها ممن يواضبون على حضور مجلس السيد العمري ، وهكذا التقيت هذا البحر العبق في مجلس العمري رحمه الله بل منتدى السيد حسن العمري الشاعر والباحث والمترجم .

أعود الى يوسف ذنون حين التقيته للوهلة الاولى انطبعت صورته في ذاكرتي : كان نحيلا وسيما غضيض الطرف خفيض الصوت فيه حياء الأولياء بحيث لاينظر اليك في عينيك بل يرسل طرفه الى يديك غالبا !

وحين تثني عليه يحمر وجهه ارتباكا ويتصفد عرق جبينه حياءً وتواضعا ، فأي نسخ من الرجال الاسطوريين هذا العيلم ؟ بسرعة البرق بتنا اصدقاء يزورني في الكلية وفي بيتي ويريني افانين من معجزاته في الخط ، وحين كلفته بعمل خطوط لكتابي الزمن عند الشعراء العرب قبل الاسلام وكتابي الصورة الفنية معيارا نقديا وهما اطروحتا الماجستير والدكتوراه وافق بحميمية وجاءني بعد قرابة

الشهر ومعه نماذج من خطوط العنوان والخطوط الداخلية وكانت خطوطه لكتابي شيئا مفرحا بحيث اثنيت عليه ثناءً كبيرا ، لكن مطبعة كويت تايمس في دولة الكويت لم تضع خطوط الاستاذ يوسف ذنون حين طبعت كتابي الزمن عند الشعراء العرب قبل الاسلام فحزنت كثيرا ، ثم علمت ان دار الشؤون الثقافية وافقت على طبع كتابي الصورة الفنية معيارا نقديا فسافرت من الموصل الى بغداد وفذهبت الى الاستاذ مدير النشر واسمه عمران الموسوي واكدت عليه ضرورة وضع خطوط الاستاذ يوسف ذنون ولوحات الاستاذ نزار الهنداوي فقال لي عمران الموسوي اطمئن سوف يخرج كتابك بخطوط يوسف ذنون ولوحات نزار الهنداوي ولكن كتابي صدر وليس فيه شيء من خطوط ذنون ولا لوحات الهنداوي ! فكان حزني

شديدا وحصل لي موقف مشهود مع عمران الموسوي امام مدير مؤسسته وقريبه الصديق الدكتور محسن الموسوي الذي عاتبه وغاضبه ، وكانت الشكاوى قد كثرت ضد عمران الموسوي ، لكنني احتفظت بخطوط يوسف ذنون ولوحات نزار الهنداوي في ارشيفي - وحكاية ارشيفي حكاية طويلة – . 

واعود ثانية الى الاستاذ يوسف ذنون وجوانبه المعرفية ومواهبه الربانية فاقول انني فوجئت - وايمن الله- ان يوسف ذنون مثقف كبير بسعة عمالقتنا طه باقر ومصطفى جواد وفؤاد عباس وحسين امين وعبد الرزاق محي الدين ، عالم بكل المعنى دون نقصان يحدثك عن تشريح الفن فتصعق ويشرح لك دلالات التماثيل في الحضر وآشور فتقول في نفسك وكيف حصل على هذا الكم والنوع المعرفيين دون ان ينوء به او يداخله خيلاء الزهو ؟ وهو يحفظ نصوصا كثيرة وطويلة من الآيات الكريمة والاحاديث الشريفة واخبار الخلفاء الراشدين والصحابة والشعراء والمؤرخين بما يتصل بفن الخط ، فإذا حدثك عن تاريخ الخط العربي اذهلك استيعابه للرقم الطينية المكتشفة في العراق واليمن والاردن وبلاد الشام ! وتتبعه التاريخي المنهجي

مع نقدات بنيوية لتراثنا الخطي فلا تمل الاصغاء اليه فهو لا يسمعك ما في الكتب بل يجعلك في مكتشفاته وابتكاراته ونقداته وهذه سمة معروفة عنه ،وبعد : فهل تكفي مقالة كهذه لتوفي الكبير حقا الاستاذ يوسف ذنون الموصلي بعضا من بعض حقه ؟ شهادة لله ان الفنان العظيم يوسف ذنون كنز عراقي لايقدر بثمن وقلما يجود الزمان بأمثاله.