يوسف ذنون.. أمير الخطاطين

يوسف ذنون.. أمير الخطاطين

د. علي عفيفي علي غازي

باحث قدير، وخطاط كبير، وواحد من النوادر الذين يملكون كنوز معرفية هائلة القيمة، وخبير عالمي في العمارة والفنون، ملأ المساجد خطوطا، وملأ الخطوط إبداعًا، وملأ الإبداع روعة، وزين كل ذلك بزخرفة جميلة، أمير الخط وفنونه، وكبير تاريخه وشؤونه، ولا يكاد يذكر إلا ويذكر الخط العربي وجماله وأصالته، وكماله ونضارته، وروعته، وللزخرفة حوله حلاوها وطلاوتها،

دوح كثير الثمار، وروض بهي معطار، علم ندر أن يجود بمثله الزمان، وعالم قل أن ينبت نظيره المكان، يدعو إلى الله بفنه وعمله، ويرغب إليه ببذله وحلمه، يمثل أحد رواد الصحوة التي يشهدها الخط العربي في السنوات الأخيرة.

ولد شيخ خطاطي الموصل بمحلة باب الجديد في مدينة الموصل بشمال العراق في 1 يوليو 1931م/ 14 صفر 1350هـ، وقرأ القرآن الكريم في الكتاب، ثم بدأ تعليمه الابتدائي بمدرسة ابن الأثير في عام 1358هـ/ 1939م، وأكمل تعليمه المتوسط والثانوي بمدارس الموصل، وحصل على دبلوم المعلمين في التربية الفنية والفنون الإسلامية في عام 1951م/ 1370هـ، ثم التحق يعمل مشرفا تربويا بوزارة التربية العراقية، ويمارس تدريس التربية الفنية والخط العربي، وأشرف عليها لمختلف المراحل الدراسية في العراق وخارجه، كما أشرف على هذه المادة في مديرية التربية العراقية ولجانها ونشاطاتها المختلفة كالمناهج والدروس التدريبية والمحاضرات والمعارض وغيرها، ودرّس الخط العربي في معهد المعلمين بين عامي 1962-1969، وأحيل للتقاعد في عام 1981، وعقد ندوات ومحاضرات في تاريخ الخط، وأقام دورات لتعليم هذا الفن الإسلامي الأصيل بمعظم مدن العراق. وحصل على الدكتورة من جامعة الموصل، والدكتوراة الفخرية من الأكاديمية العالمية لعلماء الصوفية بلندن في عام 2019.

أجازه الخطاط التركي حامد الآمدي (1891-1982) في عام 1966م، كما منحه شهادة تقديرية منه بتفوق في عام 1969. وأقام عدة معارض للخط العربي محليًا وعربيًا وعالميًا، وشارك في العديد من مهرجانات الخط العربي والزخرفة الإسلامية منذ عام 1961، منها مهرجان بغداد العالمي الأول عام 1988، والمغاربي الأول عام 1990، ومعرض سحرة الأرض بباريس في عام 1989. وشارك في تأسيس بعض معاهد الخط والزخرفة، مثل معهد الفنون الإسلامية في جامعة البلقاء في الأردن، وتأسيس جمعية الخطاطين الأردنية، وجمعية الخطاطين اليمنية. وهو عضو في العديد من الجمعيات والنقابات والاتحادات المهتمة بفنون الخط العربية، وعضو بهيئة تحكيم المسابقة الدولية للخط العربي والزخرفة الإسلامية في اسطنبول، وأحد المشاركين في الإعداد لها، ومن مؤسسيها.

ومارس تدريس فنون الخط العربي في معاهد ودور المعلمين والدورات التعليمية في الموصل، وبغداد والعراق، ولا تزال دوراته مستمرة بإشرافه وتدريسه تلامذته بطرق تعليميه حديثة ومبتكرة، وبتأسيسه مركز يوسف ذنون للدراسات والأبحاث التاريخية والفنية بمدينة الموصل. وأصدر بعض الكراريس التعليمية، التي لا تزال تشكل المادة الأساسية لكراريس المدارس الابتدائية في العراق. كما مارس إلقاء المحاضرات في تاريخ فن الخط العربي وتطوره وقواعده لطلبة الآثار والهندسة والدراسات العليا في جامعة الموصل، والجامعة المستنصرية في بغداد، وجامعة بغداد، ومعاهد الفنون الجميلة، ومؤسسة المعاهد الفنية في العراق، وفي الجامعات وغيرها في المغرب وليبيا والأردن واليمن وتركيا. وشغل وظيفة خبير مخطوطات في مكتبة الأوقاف المركزية في الموصل، وأسهم في التدريس في دورات الجامعة العربية للمخطوطات، وانتدب كخبير للمخطوطات في اليمن ثلاث مواسم.

تقتني الكثير من الجهات حول العالم العربي والإسلامي الكثير من لوحاته بالعديد من الخطوط، ومنها بيت الموصل، الذي يجمع بين جدرانه عدد كبير من اللوحات الفنية المبهرة التي خطها، وله آثار فنية في الخط واللوحات على كثير من الكتب والمجلات، إضافة إلى تصميمه للعديد من الجوامع، وقيامه بكتابة جدران أكثر من 201 جامعًا في العراق وبعض الأقطار العربية، كما قام بزخرفة بعضها في العراق وخارجه، وذلك حتى عام 1976م. وتتميز أعماله بالتفرد والتميز، كما يعرف كيف يجعل من اللوحة الفنية للخط أن تدعو المتلقي إليها بقوة ليقف أمامها منبهرًا ويستنشق عبير الصدق والإبداع فيها، وتجعله يتأنى حد التوقف لا حدود لها. وأقام معارض للخط العربي، ودرب طلبته على الخط، وأسهم مع طلابه في الكثير من معارض الخط في بغداد منذ عام 1972، وتلامذته في العراق والأقطار العربية كثيرون يصعب احصاؤهم، وقد أجاز منهم تسعة متمركزين في العراق وتونس والمغرب واليمن، ونتائجه العلمية والفنية والتعليمية مشهود لها بالجدة والابتكار، سواء في طرائق تعليم فن الخط وأبحاثه، وله نظريات جديدة في نشأة وتطور الخط العربي.

له دراسات وأبحاث منشورة في الخط والمخطوطات والآثار والتراث والفنون الإسلامية والتاريخ والتربية، وله مشاركات في المؤتمرات والمهرجانات والملتقيات عربيًا وعالميًا في تخصصاته، له بعض المؤلفات المطبوعة، منها دروس وقواعد خط الرقعة، وقواعد الخط الديواني، وكراسة تحسين الكتابة الاعتيادية، وخلاصات الكوفي والزخرفة والنسخ، والكتابة وفن الخط العربي، تعليم الخط العربي والكتابة، زينة المعنى، كما أسهم في تحرير الموسوعة الإسلامية التركية، وموسوعة الموصل الحضارية، وله مشاركات عدة في الندوات الدولية والمؤتمرات العربية والعالمية في الفنون الإسلامية والآثارية والتراث الإسلامي، وأشرف على توثيق العديد من المواقع الآثارية والتراثية، كما شارك كخبير في فنون العمارة العربية والإسلامية في الكثير من المسابقات التي أجريت في العراق وخارج العراق، كما درس وحاضر في فنون الخط العربي وأنواعه في عدد من الجامعات العراقية والعربية والأجنبية. وكرم من قبل دولة العراق في يوم العلم كأحد العلماء العاملين في مجال البحث والفن، وكرمه رئيس الجمهورية العراقية أحمد حسن البكر في عام 1972، بمناسبة إقامة معرض الخط العربي الأول في بغداد، وكذلك من العديد من المؤسسات كجامعة الموصل، واللجنة الاستشارية للثقافة والفنون، وجمعية الخطاطين العراقيين، ونقابة الفنانين، وغيرهم.

وألف عنه أكثر من كتاب منها: يوسف ذنون مدرسة الإبداع في لخط العربي، دراسات في الخط العربي وأعلامه حول تاريخ وأعمال يوسف ذنون، ويوسف ذنون ومحاور تأسيسه الفني.