مساري التاريخي الى مدرستي في بغداد!

مساري التاريخي الى مدرستي في بغداد!

احسان فتحي

طالب سابق في الاعدادية المركزية

عندما كنت طالبا في المدرسة الثانوية المركزية في 1959-1960، لم أدرك في حينها الاهمية التاريخية للطريق الذي كنت اسلكه يوميا للوصول الى المدرسة العتيدة. كنت اصلها عن طريق مسار الباص رقم 20 الذي ياتي من المامون الى الحارثية حيث اركبه من موقف يقع تماما امام قصر الرحاب الملكي الذي شيده الوصي على عرش العراق، الامير عبد الاله بن علي، في 1940،

 

ثم يمر الباص بمعسكر الوشاش الذي اسسه الجيش البريطاني بحدود عام 1920 وتحول الى حدائق الزوراء لاحقا، وامامه مطار بغداد ( الميناء الجوي) الذي شيد عام 1931 وصممه المعماري البريطاني ميسن، ثم مبنى المحطة العالمية الرائعة التي صممها المعماري البريطاني ويلسون مع ميسن في 1949 وافتتحت في 1951، ثم ارى بوابة المتحف العراقي التي شيدت في عام 1940 تحت اشراف الاثاري البريطاني سيتون لويد ( 1902-1996) كنسخة من بوابة نرجال الاشورية في نينوى وشارك جواد سليم في اعداد النحت البارز في اعلاها. بقت هذه البوابة كشاهد على نية تنفيذ مشروع بناية المتحف الوطني التي بدء بتصميمها المعماري الالماني المشهور انذاك " فيرنر مارخ - 1894-1976" في عام 1935 ثم توقف اثناء الحرب العالمية الثانية واكملها في 1953، وحضر حفل افتتاح المتحف رسميا في 1966.

بعد ذلك يتجه الباص شرقا ويصل استدارة تمثال الملك فيصل الاول الذي نفذه النحات الايطالي كانونيكا في 1933 ودمرته مجموعة من الشباب الغاضب في صباح 14 تموز 1958، واستبدل بنموذج مصغر من الملوية السامرائية. ثم يتجه الباص شمالا في شارع الكريمات- شواكة ( شارع حيفا لاحقا ) ويمر بمحاذاة مبنى السفارة البريطانية بحديقتها الغناء وسورها العالي وبوابتها العملاقة. كان مبناها القديم والمطل مباشرة على دجلة اصلا تابعا للجنرال التركي كاظم باشا وهو الذي باعها للسفارة قبل ان يغادر بغداد مسرعا في اوائل عام 1917. اخيرا يتوقف الباص في منطقة "راس الجسر" والتي تعرف الان بساحة الشهداء المستحدثة والتي تحاذي محلة "شيخ بشار" ويطل عليها جامع حنان المجدد ( شيد اصلا في 1676) ومجموعة من المقاهي العربية التي كانت تعج بالكرخيين والبدو وتصخب بالمقامات العراقية القديمة ومن اهمها صوت رشيد القندرجي الناعم الذي كان يأن وكأنه يصدرمن كهف عميق. كما لا انسى الروائح القوية التي كانت تنبعث من المطاعم الشعبية والمقاهي حيث تختلط رائحة دخان شواء الكباب مع دخان التبغ (التتن) المحروق بالنرجيلات المبقبقة، ورائحة مخلفات خيول "العرباين" السوداء.

اعبر جسرالمأمون الذي شيد في 1940 وسمي لاحقا بجسرالشهداء نسبة الى الشهداء الثمانية الذين سقطوا في وثبة كانون 1948. على اليمين اشاهد مقهى البيروتي الرائعة في باب السيف والمطلة على دجلة والتي شيدها اللبناني محمد البيروتي في 1897، واستلمها ابنه ابراهيم من بعده في 1916. كنت قد راجعت فيها بعضا من مواد البكالوريا مع عدد من زملائي واحببت اطلالتها الرائعة على دجلة. في نهاية الجسر من اليمين ارى الجامع الاصفي (1825) ذي المأذنتين والقبتين، وطبعا المدرسة المستنصرية العباسية وجبهتها الاجرية المذهلة التي تحتوي على اطول خط ثلت اجري محفورفي العالم الاسلامي حيث يبلغ طوله 100 متربالتمام والكمال!

كان يقف في راس الجسرومقابل سوق السراي تماما رجل يبيع اللبن (الشنينة) الالذ في العالم ومن "سطلتين" مليئتين باللبن والتي تطفو على سطحيهما قطع من الزبدة الصفراء والثلج. ثم ادخل سوق السراي واستمتع برؤية الكتب وقطع القرطاسية ، ثم اشم رائحة كبة السراي المدمرة، وارى شارع "الاكمكخانة" والمتنبي لاحقا، ثم تاتي بناية دوائر تنفيذ الرصافة وكاتب العدل ( كانت متصرفية بغداد واحترقت في 2003)، وبناية القشلة العملاقة التي اكمل بنائها مدحت باشا في 1870 ويبلغ طولها 192 متر! ثم تاتي بناية امانة العاصمة على اليمين، وجامع السراي المعاد تشييده في 1704 والمتميزبقبابه الاجرية المدببة العشرة، ثم بوابة السراي الانيقة بنسبها وتفاصيلها المتقنة على اليسار، والدار الثلاثينية الجميلة التي ملكتها روجينا مراد (شقيقة سليمة باشا مراد) ثم اشتراها محمد البوميلي وعائلة ألالمان لاحقا، ثم اصل اخيرا الى ساحة السراي الفسيحة التي تتوسطها مظلة شرطي المرور، وتطل عليها مديرية الشرطة العامة من الغرب، وجامع النعماني المشيد في 1772، ثم المدرسة السليمانية التي شيدها والي بغداد ابو سعيد سليمان باشا في 1792.

وثمة بناية حديثة من خمس طوابق علي يسار بداية شارع حسان بن ثابت، كانت تلفت انتباهي وهي مهيمنة بكتلتها العالية وتفاصيلها الغريبة على المنطقة، شيدت لتأوي البنك العقاري، بيد اني لم اكترث ابدا بمعرفة خلفيتها او ماهيتها انذاك.

لكنني اهتممت بها بعد ان هجرت في 2003، حالها حال العديد من الابنية الممتازة التي تضررت من جراء الاحتلال او النهب وهجرت ولم تهتم الدولة باصلاحها حتى الان، كبناية البنك المركزي الرائعة في الشورجة، او بناية اتحاد الصناعات العراقية في ساحة الخلاني، وعشرات غيرها. حاولت معرفة خلفيتها التاريخية ومتى صممت، ومن صممها، وغيرها من المعلومات الاساسية، لكنني لم استطع الحصول على اي معلومة عنها. كانت البناية، من مظهرها الخارجي، تدل عى طابعها "البروتالي" الخمسيني وانها من تصميم اجنبي بسبب تفاصيلها وكاسرات الشمس في واجهتها. لكن الحظ حالفني مؤخرا عندما عثرت على مقالة كتبها باحث معماري انجليزي اسمه ( ايان جاكسون) في عام 2016 بشير الى اسماء مصممين انجليزيين مشهورين لهذا المبنى، دون اي تفاصيل اخرى! وبعد البحث عنهما استطعت ان اعرف بعض المعلومات عنهما وهما المعماري (روبرت هيننغ 1906-1997) و( انطوني جيتي 1907-1976) وانهما يعتبران من اهم رواد الحداثة في مسيرة العمارة البريطانية ولانطوني مشاريع مهمة في افريقيا وزامبيا وغانا تحديدا، وصمما مبنى المصرف العقاري في عام 1957.

واخيرا، وقبل ان ادخل مدرستي، ارى على اليمين بناية بريد بغداد المركزي والتي شيدتها الادارة العثمانية في 1913 والتي تميزت بساعتها الجميلة الحمراء والتي علقت في اعلى واجهتها وفوق مدخلها وفيها كلمة (بوست اوفس) بحروف انجليزية مخرمة، وهي لا تزال موجودة الان دون الساعة التي سرقت منها في 2003.

ثم ادخل حرم المدرسة المهيب، مارا على اليسار بمكتب المدير حسن العجيل، واصعد الى الطابق الاول حيث كان يتواجد الصف العلمي (ط). لم اعلم حينها ايضا، انه كان هناك داخل المدرسة قبر تاريخي مخفي خلف جدار محكم يعود للشيخ نجيب السهروردي (1097-1167) وهو عم الشيخ عمر السهروردي المعروف في بغداد، وسهرورد هي بلدة كردية قديمة تقع الان شمال غرب ايران.

بقى ان اقول اني لا اتذكر الا عدد قليل من اصدقائي في المدرسة، ومنهم الاخ كيلان العزاوي شقيق الفنان ضياء العزاوي، والاخ سمير الصميدعي الذي اصبح سفيرا للعراق في الولايات المتحدة بعد 2003.

بغداد، كل شبر منها يعبق بالتاريخ...لكن تراثها العريق مهدد بالاهمال والازالة على يد جهلة لايعرفون قيمتها الحضارية الهائلة للانسانية جمعاء.

عن صفحة في الفيسبوك