هل نَتـذكر برنامج العلمُ للجميع والأستاذ كامل الدباغ؟

هل نَتـذكر برنامج العلمُ للجميع والأستاذ كامل الدباغ؟

إبراهيـم الأعظمــي

وكيف لا نَذكُـره .؟وهو رمـزاً لأيام الزمن الجميل، وقد كان يوم الأربعاء وتلك الدقائق الجميلة المشوقة من كل أسبوع وفي الساعة التاسعة مساءً حين كان يَطـِلُ علينا بوجهه الضحوك وأناقته المعهودة وأغلب العوائل العراقية كانت بأنتظاره لمعرفة كل ما توصل اليه العلم وهم يترقبون لكل إثارة من ضمن فقراته وعرضاً لآخر مبتكرات وأختراعات العراقيين والعالم كبارا وصغارا

لقـد نال المرحـوم كامل الدباغ شـهرة واسـعة في المجتمع العراقي ببرنامجه حتى صارَ لا يُذَكرالعلم أمام مسـامع البعض إلا وذُكِرَ هذا لرجل الوفي للعلم والعلماء في العراق بسبب روحه الخلاّقة

ولد كامل أدهم الدباغ ( 1925-2000) بالموصل شمالي العراق ، وتلقى فيها دروسه الأولية وحصل على ليسانس في العلوم من دار المعلمين العالي عام 1947 وعُين في وظائف تدريسية وإدارية وأسهم ، في مؤتمرات علمية وتربوية في القاهرة ويوغسلافيا وإنكلترا وألمانيا وإسبانيا وشارك في تأليف كتب علمية في الفيزياء لمدارس ومعاهد عراقية وكتباً لهواة الكهرباء والراديو بلغت (30) مؤلفا علمياً مبسطاً للأطفال والأحداث ، وترأس مجلة العلم والحياة 1968-1978 وأعد برنامج الجديد في العلم في إذاعة بغداد إضافة إلى إضافة إلى إعداده وتقديمه لبرنامج ( العلم للجميع ) وهو الذي أدخل فكرة التوقيت الصيفي الذي طبق في العراق منذ عام 1981 لغاية 2008 . ولم يكن المرحوم الدباغ مجرد مقدم برنامج تلفزيوني ناجح على أهمية هذا الوصف، بل كان قبل ذلك رجل علم وثقافة واسعة، وإن كان تخصصه الدقيق في علم الفيزياء، إذ كان خريجا لدار المعلمين العالية قسم الرياضيات والفيزياء، وكان في شبابه مولعا بقراءة الكتب العلمية و الأدبية والروايات العالمية ودواوين الشعر، إلا أنه كان موسوعي المعرفة، واسع الإطلاع، غزير الإنتاج ، و على دراية كافية لما يتطلبه تقديم البرنامج عبر شاشة التلفاز فكان ( العلم للجميع ) له الأثر الكبير والبالغ على كل العراقيين. عاد إلى العراق بعد انتهاء مدة دراسته في أوروبا عام 1960 ، ولاحظ خلو منهاج التلفزيون من برامج علمية ، فكتب رسالة إلى إدارة تلفزيون بغداد آنذاك اقترح فيها عليهم استحداث برنامج بهذا المضمون ، يشجع على الابتكار والاختراع ، فحصلت الموافقة بشرط أن يعده ويقدمه هو شخصيا، وحين ذهب إلى إدارة التلفزيون للمداولة بشأنه وجد البرنامج قد أدرج أصلا في منهاج التلفزيون الأسبوعي وكانوا ينتظرون منه أن يختار أسماً له فأختار ( العلم للجميع ) وبثت الحلقة الأولى منه بتاريخ 28 / أيلول / 1960 وأستمر دون أي انقطاع لغاية آخر حلقة من البرنامج التي قدمها بتاريخ 11/آذار / 1994 ، أي قرابة أربعة وثلاثين عاما من العطاء المتجدد والمستمر ، قبل أن يعتزل العمل . ومن طريف ما يتعلق بالمرحوم الدباغ، أن شائعة كانت قد سرت في بغداد، في السبعينيات، مفادها أن كامل الدباغ أعلن في برنامجه موعد يوم القيامة !! فساد الهرج والمرج وأرتبكت حركة الناس في الشوارع ، ومن حسن الصدف إن تلك الشائعة أطلقت يوم أربعاء ، موعد البرنامج ، إذ سرعان ما طمأن الدباغ المشاهدين من أن ما تناقلته الألسن لا صحة له لأن موعد قيام الساعة من علوم الغيب التي أستأثر بها الخالق سبحانه وتعالى ، فأطمأن الناس حينئذ ، وهو ما يدل على مدى التأثير الذي كان يحدثه برنامج العلم للجميع على الرأي العام العراقي

وقد شجع الكثير من الشباب على أستثمار طاقاتهم العلمية بعد أن صقلوها بالدراسة في دول عديدة من بلدان العالم المتقدم حيث أحتضنت تلك الدول اصحاب المواهب والعقول النيرة من العراقيين الدارسين فيها وبمختلف الاختصاصات

ومازال العديد من العراقيين يتبوؤن مراكز حساسة في أرقى المراكز العلمية والجامعات، وأصبحوا من العناصر المهمة في مشاريع علمية كبيرة ورائدة في أنحاء العالم كافة

ومن الظواهر العلمية والتي كانت طريفة بذات الوقت ومنها على سبيل المثال هي أكتشاف شجرة برتقال في ديالى ، برتقالتها كانت بحجم كبير ، وقد ذهب فريق علمي الى هناك وحلل الظاهرة وفسرها في حينها

وشتــان ما بين ذلك الزمن الجميل حين أَعلن الأستاذ المرحوم كامل الدباغ بدء العمل بالتوقيت الصيفي عام 1981

أن الكثير يخلدون من ألاعمال الأدبية، أو من قصيدة أو أختراع وأبتكار،أو من رواد السياسة، ولكن الراحل الدباغ خُـلد من برنامج العـلـم للجميـع والذي كان يغــذي عقـولنـا بالمـادة والفكـرة العلمية الحية ويصلنا بالعالم وتطوراته

رَحـِمَ الـله كامـل الدبـاغ وأسكنـه فسيـح جناته ، وحسبـه ستبقى ذِكـراه العطـرة مادامت الحياة من جيلٍ الى جيل.