في ذكراها ..انتفاضة النجف في تشرين الثاني 1956

في ذكراها ..انتفاضة النجف في تشرين الثاني 1956

د. عدي حاتم المفرجي

فرض العدوان الثلاثي على مصر على التيارات السياسيةالنجفية التضامن،والمشاركة في اتخاذ موقف إزاء تلك التفاعلات السياسية، فقد أيدوا خطوة تأميم قناة السويس ، وأرسلوا برقيتين إلى الرئيس المصري(جمال عبد الناصر) الأولى بقلم الشيخ (احمد بن الشيخ عبد الكريم الجزائري) والأخرى بقلم (احمد الحبوبي) باركا فيهما خطوة التأميم، والإعلان عن التأييد لمثل هذا الأمر .

أما (التيار الشيوعي النجفي) فقد عقد من اجل هذا الأمر ،اجتماعا" في منتصف أيلول عام 1956للنظر في تداعيات العدوان الثلاثي على مصر،ضم كوادر سياسية من الفرات الأوسط ،ومن بغداد الشيوعي ألنجفي(حسين احمد الرضي) سكرتير اللجنة المركزية (للحزب الشيوعي العراقي)الذي حمل معه من بغداد الوثيقة الصادرة من المؤتمر الشيوعي لعام 1956، المتضمنة شعار (خطتنا السياسية في سبيل التحرر الوطني والقومي) ، وناقشها مع النجفيين ، وهو دليل على أهمية (التيار الشيوعي النجفي) . كما جاء بالوثيقة البغدادية شعار (المعركة ذات طابع سلمي غالب) ، فأعترض النجفيون الشيوعيون عليه،وأردوا (أسلوب الكفاح) ،وكانت وجهة نظرهم هذه قد تمثلت بضرورة أن يكون أسلوب الكفاح هو اللجوء إلى القوة ، ويبدو لجوءهم لهذا الأسلوب ، نابع من إدراكهم ان الحل الأمثل في التعامل مع السلطة هو القوة،ًوبخاصة بعدما وصفتهم هذه السلطة بالعنصر الخارجي ، وهو ما ولد لديهم عقيدة (مقاومة السلطة) . فضلاً عن ذلك فقد كان لوجود التيار الصيني (الماوية) ،المعروف بإتباعه (الكفاح المسلح) ، ضمن الخط الشيوعي النجفي ،عامل آخر ، أسهم إلى حد بعيد في الإيمان بمبدأ القوة. 

وكرد فعل للعدوان الثلاثي على مصر ، تظاهر أبناء مدينة النجف الاشرف ، وخرج رجال الدين، والطلبة القوميين والشيوعيين يوم 23 تشرين الثاني 1956، احتجاجا على هذا الهجوم ، وكان الطلبة يتجمعون في مدرسة (الخورنق) ثم ينطلقون باتجاه ساحة الميدان ،ومن ثم الدخول إلى السوق الكبير باتجاه الصحن الحيدري الشريف . وفي اليوم الثاني أدركت السلطات الحكومية في مدينة النجف الاشرف بأن قوة التظاهرات تأتي من الطلبة ، فحاصرت مدارسهم التي تغلي بطلابها الراغبين بالخروج والتظاهر، ورغم إطلاق النار عليهم ولمدة عشرين دقيقة ، الا ان الطلبة كانوا يردونهم بالحجارة،والهتاف،مما أدى إلى سقوط الشهيدين هما(عبد الحسين محمد جواد شيخ راضي) (متوسطة الخورنق) المنتميٍ( للتيار القومي النجفي) و (احمد علي الدجيلي) (متوسطة السدير)الذي كان صديقا"(للتيار الشيوعي النجفي) . وكان الاعتداء بأشراف معاون الشرطة النجفية (محمود فهمي) الذي قاد سرية من الشرطة لمنع الطلبة من الخروج ،ومن ابرز هتافات الطلبة (التمجيد بحياة جمال عبد الناصر) والمطالبة بتوحيد الجيوش العربية، وإنقاذ مصر.

ازداد الهياج الشعبي أكثر في نفوس النجفيين بعد قيام الشرطة النجفية باحتجاز جثتي الشهيدين،والطلبة المنتفضين في مدارسهم ، وبعد ظهور التذمر الصريح ،عمدت السلطات الحكومية في المدينة إلى الإفراج عن المحتجزين ليلا".

في صباح يوم 25 تشرين الثاني 1956 ، تجدد خروج الناس المنزعجين من تصرف الشرطة النجفية في مظاهرات اشترك فيها الاطفال والنساء والرجال . وبعد صلاة الظهر خرجت مظاهرة نسائية وكن يحملن الخناجر والسكاكين ، ويلوحن بها في الهواء ويرددن (الخاين شعبه انكص ايده) وفي الوقت نفسه أغلقت المتاجر واضطربت الحياة العامة بشكل تام ، وتوحد الخطاب السياسي للتيارات السياسية النجفية ، وعند تشييع جثمان الطالبين تحولت تلك المراسيم إلى مظاهرات تندد بالحكومة وأعمالها السلبية ، ولاسيما إن الطالبين من العوائل النجفية المعروفة فالأول (محمد عبد الحسين شيخ راضي) من عائلة الشيخ راضي المعروفة بعلمها ،ووزنها الاجتماعي في المدينة ، والثاني (احمد علي الدجيلي)من عائلة معروفة بالمدينة، والأهم من ذلك انه سبط المرجع (حسين الحمامي). 

وقد تميزت مظاهرات يوم 25 تشرين الثاني 1956، بمشاركة متظاهرين من الأرياف،والقرى المحيطة بمدينة النجف الاشرف ( المشخاب وابو صخير وغماس والشامية) وحتى من الديوانية والحلة ، وهو أمر يرجع الى دور(التيار الشيوعي النجفي) بتعبئة الناس لمناهضة الحكومة في شوارع النجف الاشرف،وأطلقوا شعارات جديدة (الموت لاسرائيل) و(السقوط لفرنسا وبريطانيا) . واستمرت حتى الليل ،ثم تجمعوا في (الصحن الحيدري) ،مرددين القسم بمواصلة الكفاح حتى سقوط وزارة (نوري السعيد) ، وهي الطريقة التي أثمرت في اليوم التالي المصادف 26 تشرين الثاني 1956.فقد خرج متظاهرون يحملون ثياب الشباب المقتولين في مدارسهم والملطخة بالدماء في تظاهرتين أحدهما للقوميين، والأخرى للشيوعيين التقيا في منطقة الميدان، واقسم المتظاهرون أمام مرقد الإمام (علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، ثم اتجهوا الى مدينة كربلاء المقدسة ليقسموا بالإمام الحسين بن علي (عليه السلام) بالقضاء على (نوري السعيد) ثم تعززت بتظاهرة للإسلاميين السياسيين يتقدمها المرجع الديني السيد(محسن الحكيم) والشيخ (عبد الكريم الجزائري).

وخرجت من (منطقة العمارة)تظاهرة الإسلاميين السياسيين والتقت بتظاهرة العلمانيين في نهاية السوق الكبير، فدخلوا (الصحن الحيدري الشريف) ، وعلى هذا الترتيب الثوري ، يكون المشهد ، قد تكرر يوم 27 تشرين الثاني 1956 ، مما دفع بالشرطة النجفية إلى التصدي ، واعتقال عشرات المتظاهرين وإصابة العديد منهم ، فضلا عن إصابة اثنين من الشرطة بجروح ، وكان المتظاهرون يهتفون بحياة الرئيس المصري (جمال عبد الناصر) والرئيس السوري (شكري القوتلي) . وقد عزمت الشرطة على إنهاء تلك التظاهرات المتفاقمة بالقوة،فكانت حصيلة الاصطدام وقوع عدد من الجرحى بين الطرفين ،وحمل الشيوعيون النجفيون الأسلحة البيضاء من السكاكين والخناجر والسيوف (القامات) ولذلك فان اغلب المعتقلين كانوا من الشيوعيين الذين طالب المرجع الديني السيد(محسن الحكيم) ، بإخراجهم. 

كما طالب (التيار الشيوعي النجفي) بالالتحاق إلى جانب صفوف الجيش المصري في تصديه للهجوم (الإسرائيلي البريطاني الفرنسي) ، وحتى الشيوعيين المحتجزين في سجن (نقرة السلمان في السماوة) ، أرادوا تحقيق هذا الأمر ومنهم (محمد صالح بحر العلوم) الذي انشد من سجنه:- 

لبيك يا مصر فالدنيا بأجمعها للسير في ركبك الجبار تبتدر 

هذي الشعوب وحب السلم رائدها بشعبك العربي الحر تفتخر.

وبسبب عجز الشرطة النجفية عن التصدي للمد السياسي المضطرب ، فضلا عن ازدياد نقمة الناس على الحكومة ، والتظاهرات اليومية المستمرة ، فقد أرسلت الحكومة تعزيزات عسكرية من الديوانية والحلة ، حتى أن بعض الطائرات العسكرية أخذت تجوب سماء المدينة ، وتمكنت القوة العسكرية في النجف الاشرف من فرض الأمن واستتبابه،وفرض التهدئة ، وإعادة فتح المتاجر صباح يوم 27 تشرين الثاني 1956. وعلى الرغم من سماع الهتافات المباشرة من قبل النجفيين ،فأن بعض الشباب راح يركب السيارات العسكرية، ويهتف ضد الحكومة ، ويعلوا صوته دون أي رد من قبل العسكر حتى مع مرور العقيد(عبد الوهاب الشواف- امر الفوج الثالث لواء14) بسيارته العسكرية،ومن تلك الهتافات ((شيل جرودك مالك ملفه وي العربان ... اسمع يالخاين...) 

استمرت المصادمات مع الشرطة النجفية والقوات العسكرية الوافدة في منطقة السوق الكبير في (عقد المسابك) و(عقد اليهودي) ، حتى سقط أربعة قتلى من المتظاهرين في يوم 27 تشرين الثاني 1956 وهم (عبد الامير ناصر الصايغ) و (أموري علي) و (عبد الامير ناصر الفيخراني) والكوفي (رؤوف صادق الدجيلي) ، الأول سقط قرب باب الصحن الشريف ، والاخرين بداية السوق الكبير قرب مكتبة ابن الحلو، ووضع العلمانيون القتلى في عربات باتجاه بيت السيد(محسن الحكيم)لزيادة إثارة الناس، لاسيما بعد إغلاق الحياة الاقتصادية والاجتماعية فيها ، فأصبحت مدينة فارغة ، وحتى الشخص الذي يريد ان يفتح متجره يغلقه العلمانيون بالقوة، واتفقت التيارات السياسية النجفية بتشكيل (لجنة إدارة شؤون البلدة وتسيير المظاهرات) 

بقيادة الشيخ (عبد الكريم الجزائري) ومهمتها: 

اولا:الحفاظ على أمن الناس وإدارة شؤونهم واحتياجاتهم. 

ثانيا:تنظيم تسيير المظاهرات. 

ثالثا:مواصلة الاتصال بالإسلاميين السياسيين.

رابعا:استمرار غلق المتاجر ما عدا أفران الخبز . ونتيجة ذلك يمكن القول ،أن تطور الأمور في المدينة ولاسيما تشكيل هذه اللجنة ، هو أشبه ما يكون بانتفاضة على الحكومة. 

وفي يوم 28 تشرين الثاني 1956 خطب الشيخ (علي محمد رضا كاشف الغطاء) في (الصحن الحيدري الشريف) ، ودعا الى التظاهر، وندد في خطبته بسياسة الحكومة السلبية من العدوان على مصر، ولم يقتصر أصداء هذا البيان على النجفيين فحسب ، بل تعداه الى عشائر الفرات الاوسط الذين استجابوا لندائه، علما ان التيارات العلمانية قد طبعت تلك الخطبة ،ووزعتها على المجتمع النجفي والمناطق المجاورة للمدينة ، وأثمرت جهودهم ، وبلغ الحشد الجماهيري عشرون ألف متظاهر في الصحن الحيدري الشريف وحوله ، وفي عصر ذلك اليوم ، خرجوا متظاهرين باتجاه السوق الكبير ثم الميدان، وقد حاولت الحكومة بوساطة بياناتها التهدئة وتحذير المتظاهرين ، فكان هذا البيان الحكومي بمثابة نصر سياسي للتيارات السياسية النجفية ، لدلالته على ضعف السلطة في المدينة وعجزها ، الأمر الذي شجع الإسلاميين السياسيين ، في اليوم التالي 29 تشرين الثاني 1956، على قيادة التيارات السياسية النجفية في تظاهرة كبرى وسط المدينة. 

وفي صباح يوم 30 تشرين الثاني 1956 ، خرج النجفيون بتظاهرات من (الصحن الحيدري الشريف) ، يقودها السياسيون على اختلاف مشاربهم ، وقد رفع أحد الشيوعيين المتظاهرين صورة (جمال عبد الناصر) على رأسه باتجاه السوق الكبير وحتى ساحة الميدان، واصطدموا بالجيش المرابط في منطقة الميدان الذي هدد بإطلاق النار على المتظاهرين ، إذا ما استمرت المظاهرة ، إلا أنهم لم يتراجعوا ، الأمر الذي اجبر الجيش على القبول بالأمر الواقع والتراجع، واستمرت المظاهرة تدور، فرجعت إلى السوق الكبير باتجاه الصحن الحيدري ثم منطقة الميدان،وفي عصر ليوم نفسه خرجت مظاهرة من النساء وخلفهن الرجال، رافعين شعارات - تتعدى قضية مصر - إذ تطالب بإسقاط حكومة (نوري السعيد) و (حلف بغداد).

عن رسالة (الاتجاهات السياسية في مدينة النجف المقدسة (دراسة تاريخية))