جوزيه ساراماغو... الصبي الحافي، صانع الأقفال الروائيِـة

جوزيه ساراماغو... الصبي الحافي، صانع الأقفال الروائيِـة

د. حسن حميد

تكاد سيرة الكاتب البرتغالي جوزيه ساراماغو (1922 - 2010) تشبه في كثير من جوانبها سيرة الكاتب الروسي الشهير مكسيم غوركي من حيث قسوة العيش، والمعاناة، وصدود الحياة والناس عنه، والتنقل القسري بين مهنة وأخرى طلباً للمال، وعدم الانتظام في سيرورة التعليم المدرسي لكي ينال شهاداته المؤهلة للوظائف الرسمية! والعيش في كنف بيت الجد والجدة، والمشي حافياً طوال أربعة عشر عاماً متوالية، والتعرف إلى مهن وأعمال وبشر مختلفين جداً في الثقافة، والسلوك، والمزاج.

في هذه الوقفة مع جوزيه ساراماغو.. سأقدم تحليلاً لخطابه الذي ألقاه في الأكاديمية السويدية (12 كانون الأول 1998) بمناسبة فوزه بجائزة نوبل للآداب عن مجمل أعماله وتجربته، وتنويهاً بروايته (العمى)! ولكن قبل هذا.. أمر سريعاً بحياة هذه القامة الأدبية لنعرف شيئاً عن جولانها في الحياة والأدب والثقافة تأثراً وتأثيراً.

ولد جوزيه ساراماغو في (16 تشرين الثاني 1922) في قرية صغيرة اسمها أزينهاغا، تقع إلى الشمال الشرقي من العاصمة البرتغالية (لشبونة)، لأبوين أميين فقيرين يعملان في حقول الآخرين لأنهما لم يملكا شبراً واحداً من الأرض، وقد أراد أن يسميا مولودهما بـ«فرانشيسكو»، لكن موظف السجلات المدنية، سجله على اسم أبيه (جوزيه) فعرف باسم أبيه، على الرغم من أن أبويه وأترابه ظلوا ينادونه طوال سنوات ثمان باسم (فرانشيسكو) ولم يكتشف الجميع أن اسمه الرسمي هو (جوزيه) إلا عندما سجل في المدرسة الابتدائية، لم يستمر والده بالعمل طويلاً في حقول الآخرين لأنه انخرط في سلك الجيش ثم في سلك الشرطة، وكلمة ساراماغو اسم لنبتة معروفة في قريتهم تعرف بـ(فجل الخيل)، كان الناس يأكلون أوراقها في أيام الشدة والعسرة والجوع.

التكوين الأول

أبدى ساراماغو اجتهاداً مهماً في المراحل الأولى من المدرسة وشد انتباه أساتذته إليه فساعدوه لكي يجتاز صفين دراسيين في سنة واحدة، وقد تأهل لدخول المدرسة الثانوية بامتياز، لكن متطلبات المدرسة الثانوية المالية حالت دون دخوله إليها، لذلك انتسب إلى مدرسة معنية بالتعليم المهني، وفيها تعلم صناعة الأقفال وإصلاح أعطالها خلال مدة خمس سنوات، وقد تخرج فيها ليعمل في هذه المهنة، لكنه لم يبق فيها طويلاً، لأنه عمل ميكانيكياً في (ورش) إصلاح السيارات، كما عمل كاتباً إدارياً في إدارة مشفى، وعاملاً في مطبعة (يرتب الحروف وينظفها)، ثم يقرأ لصاحب المطبعة بعض ما يرده من مخطوطات يراد طباعتها، ثم عمل في دار نشر مراقباً لحركة النشر والتوزيع فيها، ومن بعد عمل صحفياً وناقداً أدبياً في عدد من الصحف والمجلات. 

تنوع وإبداع

أما مجاله الكتابي فقد امتدّ إلى أجناس الأدب جميعاً، فكتب الشعر، والقصة القصيرة، والرواية، والمسرحية، والمقالات، وإن كانت شهرته انحصرت في عالم الرواية، وقد ترجمت أعماله إلى أكثر من ثلاثين لغة عالمية، وقد ساعدت علاقاته الشخصية النشطة جداً لكي يكون معروفاً على مستويات ثلاثة، أولاً: السياسة، فهو عضو بارز في الحزب الشيوعي البرتغالي، وصاحب حضور ومتابعة ونشاط فوّار بالحماسة، والمستوى الثاني: هو العمل النقابي فقد كوّن حوله شبكة علاقات محمولة، عُرف من خلالها بدفاعه عن قضايا العمال ونضاله المستمر من أجل وصولهم إلى حقوقهم، وتحسين شروط عملهم، وتأمين العيش الكريم لهم، وتوفير المكانة الاجتماعية اللائقة بهم، والمستوى الثالث: هو عمله الأدبي، ونشاطه الثقافي، وسعيه الدائم لإلقاء المحاضرات، والمشاركة الواسعة في الندوات والمؤتمرات داخل البرتغال وخارجها، وقد عُرف ساراماغو، ومن خلال اجتماع هذه المستويات الثلاثة كناشط (سياسي، ونقابي، وثقافي) بمناصرته القوية والشديدة لكل قضايا المستضعفين في الأرض، ولكل القضايا الإنسانية العادلة التي تخص الأفراد والمجتمعات على السواء، فقد عرف بحماسته الشديدة لمناصرة القضية الفلسطينية، وطالب بإعادة فلسطين إلى الفلسطينيين، وتحريرها أرضاً وتاريخاً وسيادة من براثن الاستعمار الصهيوني، وقال أن الصهيونية هي الصورة الجديدة للنازية الدموية، وطالب العالم أجمع بمحاربتها، وقد زار الضفة الفلسطينية مع عدد من الأدباء العالميين الذين حازوا جائزة نوبل في الوقت الذي كانت فيه قوات الجنرال الإسرائيلي الدموي شارون تحاصر مدينة رام الله؛ وبسبب مواقفه المناهضة للظلم، والمطالبة بالحرية.. منحته جامعات عالمية درجة الدكتوراه الفخرية، في حين عزّ مثلُ هذا الأمر على الجامعات العربية.. فقد مات الرجل ولم تتذكره أيّ جامعة عربية، لأن الجامعات العربية، وكما يعرف الجميع، مشغولة جداً بالأبحاث العلمية الفذة!

الوعي السياسي والناس

موهبة جوزية ساراماغو، ومؤلفاته الأدبية التي خاضت في حقول معرفية واجتماعية وسياسية ودينية مختلفة، وصلادته الثقافية، ووعيه السياسي الكبير بقضايا الناس والمجتمعات، ومناصرته للقضايا العادلة.. جميعها حملته إلى الصالة/ الحلم في الأكاديمية السويدية بوصفه النجمة الملكية للأدب في عام 1998، لكي يلقي خطاب الفوز والظفر بأهم جائزة أدبية عالمية على الإطلاق! الفتى الذي ظل أربعة عشر عاماً حافياً في الريف البرتغالي، حافياً في الحقول يرعى الماشية، وحافياً يحتطب للجد والجدة، وحافياً يخوض في ماء السواقي، وحافياً يجمع أعواد القش التي ستصير بين يدي الجدة مفرشاً للحيوانات الأهلية في الاسطبل المجاور لغرفة المعيشة حيث هو بيت الجد والجدة، وحافياً يصعد إلى شجيرات التين صيفاً ليقطف ثمارها، وحافياً يصطاد الأسماك من النهر الذي يجري بماء رقراق مدهش كالفضة المذابة، وحافياً يحلم بالكتب، والشعر، والقصص، والجنيات، والحكايات الأسطورية!! هذا الفتى الحافي يدخل إلى صالة الأكاديمية السويدية وقد أحاطت به الأضواء، ووقف الحضور في حضرته تقديراً لتجربته الأدبية الضافية.. يصفقون له لعله ينسى أنه عاش حافياً وقتاً طويلاً من طفولته.. وقد تمنوا لو أن الحظ يحالفهم فيروا قدميه الحافيتين اللتين حملتاه إلى هنا، إلى أهم صالة للتتويج الملكي الخاص بالإبداع، والاشتقاق، والمواهب الثقيلة! ذلك المشهد (الأضواء، البريق، اللمعان، الوقوف، التصفيق، الكاميرات، التقدير، معاني الظفر والفوز، المشاعر الإنسانية، ذكريات الماضي، الانتماء الوطني، الانتماء الإنساني).. كلها أربكت ساراماغو، فأحنى رأسه، ورفع ذراعيه.. تاركاً دمعه يهمي مثل مطر عزيز!!

وحين تهدأ الصالة، ويجلس الحضور يبدأ بالحديث عن جديه الأميين وعن رعي الماشية، والعمل في الأرض، وقطع الأشواك، وضخ المياه، والنوم ليلاً تحت شجرة التين، وقراءة ما على صفحة السماء القمرية من نجوم وغيوم وأسرار، والاستماع إلى حكايات الجد الأسرة، والطواف في عوالم الخيال، والسحر، وجنيات الماء، وقصص الفروسية والعشق والجرأة والشجاعة، ومواقف النبل والكرامة والصبر على الشدائد، والأحلام التي ستجعل بيوت القش قصوراً، والأرض العطشى حقولاً للخضرة النادرة، والدروب الضيقة الموحلة طرقاً واسعة تتناهبها السيارات، وتحف بها القطارات، والليل الحالك دنيا من الأضواء الراقصة، والبيوت الخاوية مخازن للغلال، والأحاديث المفرحة.

الذاكرة المثقلة بالكنوز

إنه يتحدث عن الريف، والجدين، والأبوين الأميين، وأهل الريف.. ليقول لمستمعيه وقرائه.. أنه تعلم في هذه المدرسة الواسعة، الواسعة جداً، وأن شخوصه الروائية مستلة من بيوت هؤلاء الريفيين، ومن دروبهم الضيقة، ومن أحلامهم المحلقة بعيداً بعيداً كالطيور في رحابة السماء، وأن ارتباطه الأول، وجذره الأول، وماءه الأول، وحلمه الأول.. مشدود إلى عوالم ذلك الريف الحزين صورةً، ولكن المبهج والمضيء روحاً.. تلك الحياة الريفية هي دنياه، وهي جامعته، وهي مدينة السحر التي أمطرته بشخصيات وحكايات وأخبار وأحداث وحادثات ما كان له أن يعرفها لو أنه لم يعش تلك الحياة مجاورة لموقدة الحطب، ولموقدة الحكايات.. ومن بعد لموقدة الخيال الذي أشعل حرائق الكتابة في صدره طوال سنوات عمره الكاملة! وينصت الحاضرون إليه، فتأخذهم المشهديات، والصور، والأحداث.. فيبدون وكأنهم يشاهدون الحياة التي تتناسلها أسطرُ ساراماغو داخل صالة مغلقة، أسطر ذهبية جمعت الناس والحكايات والأمكنة والأزمنة والمعاني، فقصَّت قصص الحب والعشق، وقصص النضال والمكابدة، وقصص الخوف والعطش الإنساني للحرية والكرامة، وحشدتهم جميعاً في لحظة نورانية أمام الحضور.. فبدت الصبايا وهن في دروب المساء.. نشوة الله على الأرض، وبدت الخيول جذلى وهي طرادها المثير، وقطعان الماشية الهانئة وهي تؤوب على وقع أجراس وقت الغروب، وفرح الأطفال بالعثور على آخر رغيف في حافظة الخبز القماشية، ونومهم الملكي على وقع حكايات الجدات اللواتي ذوّبهن الحنين أو كاد!

وللطفل الحافي حكاية

بلى، ذلك الطفل الذي ظل حافياً أربعة عشر عاماً، وقد صار عجوزاً، ها هو ذا يقف بكامل أناقته وراء أسطره.. فيبدو شخصاً أسطورياً، خيالياً وهو يحكي عمّا سماه بـ(عذاب الطفولة) و(عذاب القرى).. تماماً مثلما يبدو سارقاً مهمّاً لعقول وقلوب ومشاعر كل من هم أمامه، لقد جعل في صدر كل واحد منهم أمنية صغيرة، هي.. لو أن كلَّ واحد منهم كان ذلك الطفل الحافي القدمين وهو يرمح في دنيا الله الريفية، في تلك القرية النائية.. ملبياً طلبات الجدين، وراعياً للماشية، وباحثاً بشغف عن أسرار الأرض والنبات وينابيع الماء، والسواقي النبيلة التي تجري بالماء.. حملاً أبدياً للنبات والشوك معاً.

في خطاب الظفر، يقف ساراماغو أيضاً عند أساتذته الذين تعلم منهم فن الحياة، وفن الإنسانية، وفن الكتابة، وفن الاكتشاف، وفن المحبة، وفن الصبر، وفن حب الأفكار واستنباطها، ها هو ذا يواقف الشاعر [بيسوا] الذي احتفن الحياة البرتغالية داخل أسطره، الحياة التي غدت تاريخاً، وأحداثاً، وفناً نبيلاً، وكتاباً للقيم الرفيعة، على الرغم من أنه (بيسوا) اكتوى بنار الحياة سنوات وسنوات حتى شوته، وشوت كتاباته.. فصارت كأواني الخزف.. ترنّ (كيفما حاولها المرءُ) بالمعاني الثقال! ويوافق أيضاً رجلاً لقب بـ(سبع شموس) وامرأة لقبت بـ(سبعة أقمار) وأباً يسوعياً، وآلاف العمال.. الذين سيشكلون جوهر روايته (الإله الأكتع)! نسبة لذلك الرجل الذي فقد يده اليسرى.. لكنه كان بعمله وحبه ونشاطه أشبه بمظلة علوية واسعة الظلال.. بها استظل الكثيرون!

ويتحدث ساراماغو، عن أعماله الأدبية بوصفها كتابة عامة تخص الناس، والتاريخ، والمواقف، والقيم، والشخصيات.. التي جاءت من الريف إلى المدينة وما لحق بها من صدمات، كما يتحدث عن سلطات الدول وما تنتجه من (ثقافة الخوف)، وعن أجهزة الشرطة وما تبديه من شرور المطاردة والمتابعة والأسئلة الشيطانية، وعن الإقطاعيين، مالكي القرى وما يورّثونه للناس والحياة من استعباد واسترقاق وظلم، وعن الناس وهم يبنون وعيهم جيلاً بعد جيل وبهدوء وريث شديدين.. إرهاصاً بالقيامة الآتية!

ويقفل، صانع الأقفال، ساراماغو.. حديثه بقوله، إنها لحظة النور التي جعلت الصبي الحافي.. رجلاً يقف أمامكم بمديد قامته، وجديد ثيابه، ولمعان حذائه.. وليس بين يديه سوى كتابه المحتشدِ.. بسحر الكلام!.

عن صحيفة الوطن