لنكرم كاظم السماوي

لنكرم كاظم السماوي

زهير كاظم عبود

علم بارز من أعلام الثقافة العراقية، ومناضل عراقي صلب خبر السجون والمعتقلات، وأسم خط حروفه فوق مساحة العراق البهي، وشاعر حفظنا أشعاره وتابعنا نتاجه الذي خص به الشعب. صار حفنة ماء في أهوار الجنوب، وحمامة وديعة فوق قباب الذهب في النجف وكربلاء والكاظمية، وعثقاً من رطب السماوة، وحداء في بادية العراق، وسنديانة صلبة في جبل بيره مكرون.

جسد العراقي الهوى والروح كاظم السماوي الزمن العراقي الذي وظف له كل روحه وجسده وشاعريته التي حولتنا الى جزء من قصائدة النابعة من ضمير العراق.

كاظم السماوي الذي أعطى للعراق كل مايملك ولم يهادن ولم يبع ضميره وبقي شامخاً شموخ النخيل، وبقي ذلك الصوت الفراتي الأصيل الذي يغني للفقراء ويحلم بالغد الملون والممتليء بضحكات الأطفال.

كاظم السماوي الذي تبعثرت روحه وهمومه وزادها هماً إن استطاعت السلطة الصدامية السافلة والخاسئة أن تنال من نياط قلبه فتقطع وتراً حساساً، حين استطاعت اغتيال ولده الشهيد نصير السماوي في بكين. ورغم هول الفجيعة لم يستكن ولم تهداً روحه في محاربة الظلم والشوفينية ومكروبات البعث الصدامي بالرغــم من اغترابه وشيخوخته التي ننحني لها أجلاًلا، حيث بقي كاظم السماوي على العهد مستمراً في نضاله بالقلم والشعر والكلمة. وحين يريد الحزن أن يداهم روحه يستقوي عليه بالعراق، وحين يريد النظام الساقط ان يجعله محني الظهر وصامت، ينشد للعراق واقفاً بشموخ النخل منشداً للعراق.

يرسل مرثيته للحبيب رياض فيقول :

لِمَ والخريف تناثرت أوراقه الصفراء... ترحك يا رياض

ولن تعود..وترى هو الفصل الأخير؟.

وكم سئمت العمر يرزحُ بالشدائد أطفئت ومضاتها السوداء

كم عانيت والأيام تنزف وهجها

وتظل شاحبةً يضيق بها المدى

تأتِ الديار ولا صدى

لك يا غريب الدار...أضناك الرحيل

ويا المسجى تغرب الأيام لاهثةً وتنأى الذكريات

وأنت وحدك-يا لوحدكَ- وتغمض العينين يا ولدي الحبيب- ولا أراك

وتسدل الأستار والأحلام، والأمل الكبير

أنا يا رياض وكنتَ لي نسغ الحياة

وكنت دفءَ الصمت

يا حلو الشمائل بالأصيل

وكنت ما شهدَ الرواة وما يشيد الآخرون

أنا من جنيت عليك يا ولدي..وكنا في فجاج الأرض تلطمنا الرياح

وكنت ظلي يا كلانا في عناءٍ للرحيل... من الرحيل

وكم توسدنا الردى وقبور موتانا وراء رحلينا...

يلملم جراحه ويقف بصمت الشامخين مترقباً سقوط الصنم يهتف للعراق فقد صار حلمه الأزلي أن يبقى حتى يشهد سقوط الطاغية، ليحقق حلمه الصغير في نهاية الطغاة.

ويعود ليفقد العزيز الآخر نصير الذي يلحق بالفقيد الأول فيقول في كبرياء الصامد العنيد الذي لم يزل يريد ان يجسد المباديء والقيم التي تعلمها وتربى عليها وآمن بها :

وما ارتجفت خطانا... نطرق الأبواب... يا الوطن العتيق

ولم تزل غجرَ الطريق

ونحن ما زعم الرواة سلالةُ الشعب العريق!

يا أمسنا... يا يومنا أزرت بنا الأوهام والأصنام آلهةً

وأسياداً... ونحن عبيدهم!

نُخصى ونركل للسياط وللهوان

ولم نكن نتمثلُ الإنسان في شرع الطغاة

دار الزمان ولم تزل... كنا وما زلنا

عبيداً للطغاة

وهاهو كاظم السماوي باق على العهد يرثى وروده التي ذبلت قبله نصير ورياض، كاظم السماوي الأسم البهي الوطني الذي لم يجد غير أن يرثي رياض ونصير بعد أن يجثو على قبريهما ويقبل الصمت الحزين فيقول عن حزنه الشخصي : "خلال خمسين عاماً في المنافي.. وفي بكين –الصين- أغتال القتلة في السفارة العراقية العام 1993 ولدي (نصير) وكان طالباً في جامعة بكين ودفن في دمشق، وتوفيت والدته متأثرة برحيل ولدها نصير ودفنت في دمشق. عاد ولدي (رياض) وكان يدرس في ألمانيا إلى العراق في زيارة للعائلة قبل الحرب العدوانية ضد الشعب الإيراني، واختطف من الشارع مع جمهرة من الشباب وزج في معسكر التاجي، ثم دفع به لساحة الحرب..خلال ثمانية أعوام.. وعاد يحمل درء السرطان من الغازات الكيماوية خلال المعارك. رحل إلى إيران للمعالجة..ووافته المنية في مدينة مارووان- الإيرانية- في 15/10/2004 ودفن في السليمانية.

وكل ما تبقى للشاعر همهًّ وسهاده ومأساته الجارحة ثم ينشد لوردتيه الذابلتين وهو جاث على قبريهما رغم بعد المسافة التي تفصل المكان والتي لم تستطع ان تباعد الروح

ويا نصير ويا رياض

ذويتما ورحلتما يا الزهرتان

ويا الردى... جنَّ الردى

شردتما عمراً وقبراً

قبرُ توحد في الشام

وأخر في جيرة الجبل الأشم!

وها أنا ملقى وراء القطب منكسراً

ويأسرني الحنين إليكما

أجثو على قبريكما

وأقبل الصمت الحزين

كاظم السماوي الذي رحل عن عالمنا لم تزل أشعاره وكتاباته راسخة في ضمائر الشرفاء والمناضلين من اهل العراق، وكاظم السماوي الباقي على العهد لم يزل المناضل الصلب الملتحف بأفكار الفقراء والخبز والغد السعيد، وكاظم السماوي اليوم مايستوجب أن نلتفت له لتكريمه وأن نضع أسمه البهي فوق رؤوسنا، وأن نجعل أطفالنا تتعرف على شاعر عراقي أفنى عمره وشبابه من اجل العراق أسمه كاظم السماوي لم يزل يصارع شيخوخته وغربته في شمال العاصمة السويدية، لنتذكر كاظم السماوي بكل التوقير والمهابة والأعتزاز بسم العراق الذي كان يحلم به.