في اعادة تقويم التاريخ .. صالح جبر نموذجا

في اعادة تقويم التاريخ .. صالح جبر نموذجا

باسم عبد الحميد حمودي

على حياء وبكل هدوء ترتفع الاصوات بين حين واخر لاعادة تقويم حياة وتصرفات السياسي العراقي الراحل السيد صالح جبر رئيس الوزراء العراقي ايام معاهدة بورتسموث 1948 التي اسقطتها مظاهرات الطلبة والاحزاب السياسية بعد مقتل عشرة متظاهرين وطالبة على جسر المأمون ببغداد الذي سمي جسر الشهداء ...الى يومنا هذا !

كان صالح جبر قد اكمل توقيع المعاهدة العراقية البريطانية الجديدة بالاحرف الاولى في ميناء بورت سموث عندماتصرف نائبه وفتح النار على المتظاهرين ببغداد .

كان متظاهرو النجف الاشرف قد حماهم رجال الجيش في حامية النجف بقائدها العقيد عبد الوهاب الشواف.

وعندما عاد صالح جبر وحاول الدفاع عن صلاحية المعاهدة الجديدة التي ستخلصنا من احتلال الانكليز للحبانية والشعيبة في حينه رفض مجلس البلاط ذلك ومجلس النواب والوصي على العرش واستقال الرجل وخمدت المقاومة الشعبية باختيار جارنا في محلة الجعيفر رئيس مجلس الاعيان السيد محمد الصدررئيسا للوزراء,لأرضاء الشارع الساخن رغم تردد الصدر أول مرة.

لابد من القول هنا ان الزمن لم يخدم هذا الرجل رغم قدراته الذهنية والعملية ,ذلك أنه لم يرحل الى لندن لبحث امر المعاهدة الا بموافقة مجلس الوزراء والساسة العراقيين التقليديين ومعارضة القوى السياسية المناوئة مثل الحزب الشيوعي والحزب الوطني الديمقراطي وحزب الاستقلال والاخوان المسلمين والقوى الشيعية المعارضة.

المهم أن ذاك ماحدث والحديث يطول فيه حتى يومنا هذا ولو صدقوا المعاهدة لتبدل وضع العراق ولكنها العنجهية السياسية وحب الاثرة واستغلال عواطف الطلبة والمثقفين والعوامل الخفية التي تحرك الجو ضد اصدقاء بريطانيا انذاك .

واليوم يراد تقويم تجربة هذا السياسي الذي لم يكن طارئا على العمل السياسي فقد كان قاضيا بارزا ونائبا ومحافظا ووزيرا في حكومة حكمت سليمان مع كامل الجادرجي الاصلاحية عام 1936 والتي استقال منها رافضا انحرافها عن خطها الاصلاحي المفترض.

بعد سقوط وزارته انسحب صالح جبر قليلا ثم عاد ليشارك بقوة في العمل السياسي في وزارة توفيق السويدي عام 1950 وزيرا للداخلية في تشكيلة تؤيد الوصي عبدالاله والسعيد معا مع مجموعة من الشباب المستقل مثل سعد عمر. وكان من جرأة صالح جبر أنه طلب من مجلس الوزراء فصل مدير الشرطة العام اللواء علي الحجازي من الخدمة لانحرافه وسرقاته,رغم أنه محسوب على الوصي الذي تدخل محاولا نقله كمحافظ الى السليمانية.

ورغم اعتراض صالح جبرشفاها الا ان القرار صدر دون أن ينفذه الحجازي الذي أرتدى ملابسه العسكرية ليلة الاول من شباط 1950 واتصل هاتفيا بالسويدي مهددا والتحق بمقر الشرطة السيارة محاولا تحريك القطعات فارسل الوصي مرافقه عبيد المضايفي الذي قام بحجزه واعتقاله وتسليمه للقضاء.

وبتدخلات الوصي وطريقة (بوس عمك بوس خالك ) تم الحكم عليه بالسجن المؤبد رغم انه يستحق الاعدام ,ثم اطلق سراحه بعفو خاص بعد اشهر في وزارة السعيد التالية.

المهم أن صالح جبر كان شجاعا وكان الامريكان في مذكراتهم يرون فيه البديل الاصلح من السعيد لتقدم الباشا في السن واحاطته بزمرة تجتهد الوقيعة ببنه وبين الزعيم السياسي الشاب المرن المتفق عليه بين الامريكان الوصي والشخصيات التي ذاقت ذرعا بالسعيد,حتى من قبل الأنكليز ,على حد مذكرات مزاحم الباججي التي اعتمدها نجدت فتحي صفوت

عندما الف السعيد حزبه (الاتحاد الدستوري) من مؤيديه من العرب والكورد والتركمان والمسيحيين والسنة والشيعة,بشكل مصلحي لا يعتمد البنية الطافية الأثنية تماما ألف غريمه صالح جبر (حزب الامة الاشتراكي) من مؤيديه من ذات التشكيلة العراقية .

وقد اضحى جبر عضو مجلس الاعيان قيادي المعارضة البرلمانية ضد وزارة نوري السعيد وتصرفاتها عام 1957 بعد اسقاط المعلرضين من خارج اللعبة السياسية المتفق عليها داخل الترسيمة المألوفة, لكن جبر في مذكرات طه الهاشمي زعيم حزب الجبهة الشعبية ,واوراق كامل الجادرجي كان يتصل بالمعارضة الشعبية المناوئة للسعيد ايضا حتى وفاته المفاجئة تحت قبة مجلس الامة وهو يتحدث صباح اليوم السادس من حزيران 1957حيث سقط من على منصة الخطابة مصابا بتجلط دموي انهى حياته العاصفة القصيرة اذهو من مواليد الشطرة عام 1896.

بذلك راح المعادل الموضوعي للهيمنة السياسية السعيدية التي استمرت مدة عام آخر قبل أن تنهيها حركة 14 تموز 1958 التي قلبت موازين العمل السياسي في العراق وجعلت الجيش لاعبا اساسيا في السياسة العراقية كما كان بين عامي 1936-1941,ولذلك حديث أخر.

ذاكرة عراقية : المقال يمثل وجهة نظر الكاتب الفاضل في اعادة كتابة تاريخ العراق ..ويستدرك عليه بان احداث النجف وموقف عبد الوهاب الشواف وقعت في انتفاضة النجف ضد العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956 وليس من احداث وثبة 1948 .