المعاهدة العراقية – الأردنية عام 1947 وموقف القوى السياسية منها

المعاهدة العراقية – الأردنية عام 1947 وموقف القوى السياسية منها

د. وسام هادي عكار

حظيت منطقة الشرق الأوسط بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، باهتمام ومنافسة المعسكرين الغربي والشرقي، وقد ظهر ذلك جلياً في محاولة كل منهما الحصول على مناطق نفوذ في المنطقة. ومن جانبها لم تكتفِ الفئة الحاكمة بالعراق في المعاهدة التي وقعتها مع تركيا ،

بل عملت على إبرام معاهدة مع الأردن وذلك ضمن مساعيها لتوسيع المعاهدة العراقية التركية ، وليكون العراق حلقة وصل بين معاهدات مع دول عدة ، لتفرض في النهاية السيطرة الاستعمارية على شؤون المنطقة وتهيء لحق الدفاع المشترك الذي كان الغرب متحمساً لإقامته .

بدأت المفاوضات لعقد المعاهدة في 10 نيسان 1947، إذ غادر الوصي عبد الآله، إلى عمان وسافر معه رئيس مجلس الأعيان نور السعيد ووزير الدفاع شاكر الوادي، لوضع أسس تلك المعاهدة. وفي 13 نيسان عاد السعيد إلى العراق ومعه رئيس وزراء الأردن ، سمير الرفاعي فجرت المفاوضات اللازمة بين الطرفين، حتى تم التوقيع على المعاهدة من قبل سمير الرفاعي ممثلاً عن الأردن، ومحمد فاضل الجمالي وزيراً للخارجية ممثلاً عن العراق في 14 نيسان 1947. وأدلى الأخير بيان في مجلس النواب ذكر فيه" نظراً لما بين العراق والمملكة الأردنية من روابط الأخوة والعلاقات القومية، يسرني كثيراً أن أزف إلى المجلس العالي نبأ تسجيل هذه الروابط والعلاقات في قالب معاهدة أخوة وتحالف بين الطرفين... أن هذه المعاهدة ستضع حداً نهائياً لتقولات المتقولين حول ما شاع عنها من أنها ستلزم العراق بتعهدات مالية وعسكرية. وبهذه المناسبة أود أن أبدى أن السياسة التي تتمشى عليها الحكومة العراقية في علاقاتها مع الدول العربية الشقيقة هي سياسة البناء والتعاون المبنيين على الخاء وتبادل المصالح وذلك تنفيذاً لمبادئ ميثاق الجامعة العربية".

تضمنت المعاهدة أثنتا عشر مادة رئيسة، ناقشت الجانب العسكري والمالي والإداري بين الطرفين. ثم عرضت المعاهدة على مجلس النواب في 10 آيار 1947، فكانت الفقرة (ج) من المادة السادسة التي نصت على أنه" إذا قضي الأمر اتخاذ تدابير أو إجراءات مشتركة لقمع الاضطرابات أو الفتنة فيشاور الفريقان الساميان المتعاقدان في طريقة التعاون الواجب إتباعها لهذا الغرض"، موضوع نقاش شديد، وانتهت الجلسة بأن تمت المصادقة على المعاهدة بأكثرية (87) نائب وعارضها نائبان وهما عبد الهادي وجعفر البدر، وتغيب عن الجلسة (42) نائباً. 

قوبلت المعاهدة بمعارضة الأحزاب السياسية التي اجتمعت على عدم صلاحيتها وبطلانها، على أساس أنها تمثل إحدى إرهاصات التكتلات الحديثة في الشرق العربي ، التي تعمل بريطانيا لتحقيقها. وقد اعترض حزب الاستقلال عليها بموجب مذكرة أرسلها في 28 آيار إلى رئيس الوزراء صالح جبر، بيد أنه لم يطالب بإلغائها في الأساس؛ بل طالب إجراء تعديل على الفقرة(ج) الأنفة الذكر. أما موقف الحزب الوطني الديمقراطي فقد عبر عنه زعيم الحزب كامل الجادرجي بمقال صحفي بعنوان" ماذا وراء اتفاق العراق والأردن"، ذكر فيه أن المعاهدة جاءت نتيجة ظروف خاصة تتعلق ببعض الخطط الإستراتيجية التي يرد البريطانيين تهيئتها في حوض البحر المتوسط، مؤكداً أن المعاهدة في جوهرها تهدف إلى عزل العراق والأردن عن الجامعة العربية وتوريطها في تكتلات ليس من مصلحة العراق التورط فيها. وكتب الجادرجي سلسلة مقالات طبعت في كراس بعنوان (تكتل بغداد- عمان أسبابه ونتائجه)، أشار فيه إلى أن بريطانيا بتشجيعها عقد المعاهدة، أرادت أن تجعل العراق واسطة لتحقيق مشاريعها الاستعمارية. 

واتخذ حزب الاتحاد والوطني الموقف ذاته، بمقال كتبه ناظم الزهاوي بعنوان " المعاهدة العراقية -الأردنية والجامعة العربية"، أوضح فيه أن أبرام تلك المعاهدة وأمثالها يؤثر تأثيراً كبيراً في كيان الجامعة العربية ويضعف نفوذها المعنوي، وإن إبرامها قد يؤدي ببعض الدول العربية، إلى التفكير بالتعاقد مع بعضها، وإذا ما سادت تلك السياسة انقسمت الدول العربية إلى كتل وانهارت الجامعة ككل، في الوقت الذي هي أحوج ما تكون إلى التآزر والوقوف بوجه الاستعمار. 

ومن جانبها، انتقدت صحيفة الوطن لسان حال حزب الشعب تلك المعاهدة ورأت أنها ستكون الحر الأساس للسياسة الاستعمارية التي لا تريد أن تكتفي بإبقاء العراق على ما هو عليه ، بحرمانه من إمكانيات تقدمه ؛ بل تريد أن تدفع به إلى الوراء لتعويض بريطانيا عن خسائرها التي تكبدتها في البلاد العربية ، وأوضحت الصحيفة أن دوافع تلك المعاهدة هو اتخاذ الأردن قلعة رئيسة للجيوش البريطانية ، لأن اتحاد العراق بالأردن ، يساعد على إيجاد جسر عسكري يبدأ من حيفا وينتهي بالبصرة . كما أصدر حزب الشعب بياناً استنكر فيه المعاهدتين العراقية - الأردنية ، جاء فيه " لقد كان هدف بريطانيا من هذه المعاهدة توطيد أقدام جيوشها في العراق خاصة والشرق الأوسط عامة ، فبدلاً من تجلي بريطانيا جيوشها عن بلادنا ، أخذت تدخل إلى هذه البلاد جيوشاً جديدة ، وبدلاً من أن يمتلك شعبنا زمام اقتصاده الوطني، أخذت تمعن السيطرة على البلاد وفي استغلالها بشتى الأساليب" ، وأضاف البيان، إن بريطانيا استطاعت أن تفعل ما تفعله على يد الساسة الذين سايروها ونفذوا مطالبها ، فرحبوا بجيوشها حين دخلت البلاد ، وأظهروا استعدادهم لعقد معاهدات أخرى مع ما فيها من جورٍ ومن ضرر بليغ بالبلاد.

كما واجهت تلك المعاهدة معارضة من البلدان العربية، لأنها أدت إلى التباعد بينهم، وظهور تكتلات إقليمية ضمن الجامعة العربية التي انقسمت إلى كتلتين ، الأولى هاشمية تضم العراق والأردن ، والثانية مصرية - سعودية ، وفي هذا الصدد كتب عزيز شريف زعيم حزب الشعب مقالاً بعنوان : ( الاتفاق الأردني ـ العراقي والمشاريع البريطانية في الشرق العربي )، أوضح فيه ، أن هدف المسؤولين في بغداد وعمّان إقامة اتحاد بين الطرفين، ولتخفيف مقاومته سموه حلفاً أخوياً ، مؤكداً أن الغرض الجوهري منه لم يتغير سواء سمي ذلك الاتفاق اتحاداً أم سمي تحالفاً ، لأنه يصبُّ في مصلحة بريطانيا بالعراق وشرق الأردن، مشيراً إلى أن بريطانيا هي التي أوصت بعقد تلك المعاهدة كي تربط العراق بشكل أمتن بعجلة بريطانيا .

ومضى عزيز شريف في استقرائه وتحليله للمعاهدة ، فكتب مقالاً بعنوان : ( المعاهدة الأردنية ـ العراقية دراسة وتحليل ) ، استعرض فيه بواعث هذه المعاهدة ، إذ أثار سؤالين ، أولهما : أكان انعقاد هذه المعاهدة بمعزلٍ عن رأي بريطانيا أم برأيها ؟ وثانيهما: أكانت فكرة هذه المعاهدة من قبل رجال الدولتين أم من قبل رجال الاستعمار البريطاني ؟ ، موضحاً أن جواب السؤال الأول يتركز حول المعاهدتين العراقية ـ البريطانية، والأردنية ـ البريطانية ، لأن المعاهدة الأولى حرّمت على العراق أن يعقد أي معاهدة مع دولة أخرى من دون مشورة بريطانيا التامة الصريحة ، والمعاهدة الثانية حرمت الأردن من التصرف في شؤونه الخارجية ، بما في ذلك عقد المعاهدات وتبادل التمثيل الدبلوماسي ، فالمعاهدتان لم تجزِ للعراق والأردن أن يتفاوضا فيما بينهما إلاّ بعد استشارة بريطانيا وأخذ موافقتها؛ أما جواب السؤال الثاني فيكمن في وجهة نظر عزيز شريف بأن المسؤولين في العراق والأردن ليسوا من العناصر السياسية التي يمكن أن يتوقع منها أي عمل لا ترتضيه بريطانيا ، حتى لو كان رضاها غير مشروط في المعاهدة ، مشيراً إلى أن بنود تلك المعاهدة تتناقض مع ميثاق الجامعة العربية لأن مشروع المعاهدة وجد قبل تكوين الجامعة العربية ، كما أنها لم تُعْقد بناءً على رغبة الشعبين، بل أن الباعث الحقيقي على عقد تلك المعاهدة هو تحقيق مشروع الكتلة الشرقية . 

وبصورة عامة، رأت الأحزاب السياسية، أن الأغراض العملية التي هدفت المعاهدة إلى تحقيقها هي ربط العراق حربياً بمشاكل بريطانيا، إذ نصت المادة الخامسة من المعاهدة في حالة وقوع اعتداء على أحد الفريقين الساميين المتعاقدين من جانب دولة ثالثة، فعلى الفريقين أن يتشاورا عن ماهية التدابير التي يجب القيام بها لرد الاعتداء ، تلك المادة فرضت على العراق بأن يشارك في كل حرب تشترك فيها الأردن ، كما انتقدت الأحزاب السياسية المعارضة للمعاهدة المادة التاسعة من المعاهدة والتي تنص" تعيين لجان خاصة ذات سلطات تنفيذية من ممثلين عن المملكتين يكون من اختصاصها تحقيق وتنفيذ التعاون الفعلي بين الفريقين"، لأنها تعطي اللجنة التنفيذية صلاحيات فعلية في الشؤون الاقتصادية والمالية والكمارك والعملة وأمور الزراعة والصناعة، وشؤون الجيش والجوازات وتنفيذ الأحكام .

فضلاً عن ذلك فقد أشارت الأحزاب المناوئة للمعاهدة، إلى أن خطورة المعاهدة لا تقتصر على خضوع العراق إلى النفوذ البريطاني عن طريق ممثلية الأردن في اللجان التنفيذية ؛ بل إن لها نتائج وخيمة على مالية العراق واقتصاده الوطني ، لاسيّما وإنه يشكو من تهريب البضائع الصهيونية عن طريق الأردن مع أنها تبعد مئات الأميال عن العراق ، في الوقت نفسه، فأن الأردن دولة فقيرة وإن الشعب الأردني لا يستطيع أن يقوم بإعاشة جيشه والإنفاق على مؤسساته الكثيرة ، لذلك سعت بريطانيا كانت -تنفق على الجيش الأردني مبالغ كبيرة ، التخلص من أعبائه لا بإلغائه؛ بل بإلقاء كلفة الإنفاق على العراق. 

وفي ضوء ما تقدم ، يمكن وصف تلك المشاريع والمعاهدات التي عارضتها الأحزاب السياسية ، هي الخطوة الأولى لبريطانيا لتكوين خط دفاع مشترك من دول الشرق الأوسط لصد الخطر الشيوعي ، لاسيّما وأن بريطانيا خرجت من الحرب العالمية الثانية دولة من الصنف الثاني بعد الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي.