ذكريات لا تنسى في شارع المتنبّي

ذكريات لا تنسى في شارع المتنبّي

د . شيماء الصراف

يضج بالحياة من الصباح حتى المساء . لا شارع يمثِّل بغداد, يختزلها مثله .هناك خصوصيّة تجمعه بالمتنبّي الشاعر الذي يحمل اسمه,إنه التفرّد , هو لا شاعر بعده في اللّغة والتصوير والمعاني, الشارع الذي يحمل اسمه تفرّد في التعدّد والتنوّع والحميميّة,فلا غُربة تشعرها فيه, عصب وشريان دم في جسد هذه الحبيبة بغداد؛

كلّ يجد بغيته فيه, هواة الطوابع, الأثاث عند اسطة أحمد النّجار, مجلّدي الكتب, المكتبات...حتى نصل إلى الخبز, الكاهي,الكباب, كبّة السراي .حين ندخل الشارع من جهة شارع الرشيد ننتهي إلى منطقة المحاكم وسوق السراي المسقّف بكتبه التي تفترش الأرض, ومكتباته المتواضعة التي لا تخلو هي أيضاً من النفائس .

ادخل من شارع الرشيد, بعد أمتار ليست بالكثيرة دكّان صادق لبيع الطوابع, ربّما أصغر دكّان رأيته في حياتي, إنه جزء من بيت حجيّة أسّومة, أسماء الآلوسي عمّة أمي, إمرأة لم تتزوّج, ليست سهلة إطلاقاً,بل العكس, قويّة الشخصيّة . كانت نحيفة قصيرة القامة, ليست بالجميلة, وربما الذكاء الذي تمتلكه وهو الذي يجعل لها هذه الجاذبيّة, تعيش لوحدها في بيتها الكبير الشرقي الطراز كل الغرف مقفولة عدى غرفتين, الطابق الأول غرفتها الخاصّة التي تضم مكتبتها, وغرفة كبيرة في الطابق الأرضي لضيوف الشتاء تقفل صيفاً فيكون الجلوس في طارمة هي جزء من الحوش بطابوقه الفرشي وشذروانه الصغير, اتذكّر التخوت البيضاء الشراشف وعمّة أسّومة تتألّق شعراً وتاريخاً وأدباً مع زوّارها وكانوا قلّة مختارة .

كان لبيتها شناشيل تطل على الشارع فوق دكّان صادق تماماً, ومنها كانت تتكلّم مع قاصديها من المؤرِّخين والأدباء فهي إن كانت مستاءة من أحدهم, فعلامة انتفاء رضاها عدم استقبالهم داخل البيت. لِمَ أخّرت الكتاب؟ قلت لك اسبوع فقط وتُرجعه... يتعذّر الشخص من مكانه على الرصيف بادئاً الجملة في العادة بـ " والله حجّية... يشرح اسباب التأخير ويعد بعدم التكرار, فلا زالت حاجته قائمة, إنه يريد استعارة كتاب آخر منها لا يوجد عند أحد غيرها, صادق يسمع ويرى والمشهد يعرفه مسبقاً , تسكت عمّة أسومة تناديه : صادق تعال, يهرع هذا في اللحظة بعد استلامه الكتاب الذي جاء به الرجل تـُفتح له الباب, يصعد إلى الطابق الأوّل يضع الكتاب ويستلم آخر لينزل به إلى الشخص الذي ظلّ واقفاً على رصيف الشارع ينتظر .إنها كتب نادرة وبعضها خطيّة ورثتها عن عائلتها فعمّة أسّومة تنتمي إلى عائلة عريقة في العلم .

في شارع المتنبي توفّت عمّة أسّومه المرأة العالمة بهدوء في فراشها وهي نائمة . حين فاجأها الموت كانت تقرأ في "الكامل" لابن الأثير,لم تغلقه كان قد انحدر إلى جانبها في السرير لا يزال مفتوحاً على الصفحة التي انتهت إليها.

وأنا صغيرة كنت أقضّي شهور الصيف في بيت جدّي,إنه محامي, مكتبه يقع في شارع المتنبّي, في مدخل سوق الآلوسي الذي بناه ويمتلكه, أحياناً كان يعرض عليّ الذهاب لقضاء اليوم معه ـ أو نصفه على الأصح ـ ونرجع سويّة ظهراً, العرض يوافقني, كنت أبقى في المكتب, لا مجال للعب على الإطلاق وحتى لم يكن يهمّني,هادئة جالسة قرب جدّي أسمع الحوارات بينه وبين من يأتيه, دون أن افهم لا قليلاً ولا كثيراً, وإنما هي مراقبة الإنفعالات التي ترتسم على الوجوه هي التي تسلّيني كطفلة

أتذكّر جيّداً مكتبتين كان أبي يذهب إليهما في شارع المتنبي, المكتبة العصريّة, لمحمود حلمي, إنه تاجر كتب طيّب, يهتم بالتاريخ والأدب , شاهدت المكتبة وصاحبها مرتين أو ثلاث يرفقة أبي .كان أبي يحبّ صحبته, ولكن توجّهه الأساسي كان لمكتبة المثنّى لقاسم الرجب, وتقع على الرصيف المقابل للمكتبة العصريّة مع تفاوت أمتار بينهما, المثنّى كان بيتاً وليس مكتبة واسعة فقط كالعصريّة, رأيتها بصحبة أبي أيضاً مرّة أو مرّتين.مكتبة المثنّى لها دور مهم في حياة بغداد العلميّة بل العراق بأسره, كان صاحبها قاسم الرجب يطبع الكثير من الكتب وخصوصاً كتب التراث

المكتبة كانت المـُلتقى للعديد من علماء العراق تاريخاً وأدباً .... هناك غرفة في الطابق الأرضي ليست بكبيرة يجتمعون بها على غير ميعاد, فنجد مكي الجاسم, مصطفى جواد, احمد حامد الصراف, كوركيس عوّاد, روفائيل بطّي, عبد القادر البرّاك, صفاء خلوصي وغيرهم .....وهذا عند انتهاء النهار واقتراب وقت الظهر, بعدها كنت افكّر ولا ازال كم كنّا استفدنا لو كانت قد سُجِّلت أحاديثهم وحواراتهم الأدبيّة ونقاشاتهم .

في الطابق الثاني من مبنى المكتبة, كانت هناك غرفة مقفولة باستمرار ومفاتيحها يحملها قاسم الرجب ولا يفتحها ولا يسمح لأحد بدخولها, ويحتفظ بها من نفائس الكتب النادرة أو الخطيّة, واصطلح من كان يجتمع فيها من الأدباء, على تسميتها بـ " غرفة الحسرات" لعدم استطاعتهم رؤية الكتب وتصفحها.

وإن كان لمكتبة أبي حيث كتب التراث بأنواعها, الفضل الأساسي في تكويني الأدبي , فإن لمكتبة المثنّى فضل عظيم في هذا التكوين أيضاً. أغرمت, ومنذ نهاية الطفولة وبدء الصّبا, بالمطالعة, في ميلادي الرابع عشر أهدى لي أبي رواية البؤساء لفكتور هوجو, طبعة فاخرة في عدّة اجزاء, وكانت من مكتبة المثنى, وبها ودّعت قراءات مغامرات ارسين لوبين وكتب ميشال زيفاكو, وبدأت عهداً جديداً مع قراءات جديدة . وبعدها وفي كل عطلة صيفيّة, وبناءً على طلبي كان أبي يجلب لي القصص والروايات من المثنى, كان يقول لمحمد ابن قاسم الرجب : عمّي محمد, شيماء تريد كتب, يـُجيب : إي عمّي . وهكذا قرأت روائع الأدب الروسي, الفرنسي, الإنكليزي, كان هذا يحدث على مدار العطلة الصيفيّة, يعطيني أبي الكتب ويعقبها أحياناً, بعبارة : ماأعرف اشلون تقرون روايات,وكل مرّة أرد بنفس الجواب : انت علّمتني حب أدب أناتول فرنس (كاتب فرنسي) لأنك تحبّه, يسكت أبي وانصرف أنا محمّلة باللذائذ.

في سوق السراي تفترش الكتب على أنواعها والمجلاّت القديمة الأرض . صورة فرحة بذاتها مفرحة للقارئ المـُحب للكتاب, فهي متعة للنظر, وهو حرّ في التفحص والإختيار ومن ثم الشراء من عدمه . في يوم ما يمرّ أحد أصدقاء العائلة في شارع السراي, يتفرّج على ما هو موجود كعادته, فيرى عند أحد الباعة مجلّة الإذاعة والتلفزيون, نفس العدد, وصورتي على الغلاف, اشترى جميع الأعداد, وهي عشرة أو أقل وجاء بها إلى أمّى وصدق ظنّه فقد فرحت. وكنت قد اشتغلت ـ قبل سفري إلى فرنسا للدراسة ـ في بنك صباحاً وبعد الظهر في التلفزيون . احتفظت لي أمّي بعدد ولنفسها ووزّعت الباقي على من رغب.

كل ذكرياتي في شارع المتنبّي عزيزة علي, إنما هذه أعزّهن على قلبي, تلتصق صورة وجهي بأرض سوق السراي الواحدة جنب الأخرى, يلتصق وجهي عبر الصورة بأرض بغداد .

ككلّ المناطق في بغداد, كان هناك من ينشل في شارع المتنبي, ويشتد نشاط النشالين في نهايته ـ إن دخلناه من جهة شارع الرشيد ـ فهناك تبدأ منطقة المحاكم, وعلى اليسار يبدأ سوق السراي . المكان مزدحم بطبيعته, الناس, السيّارات, عربات باعة الأطعمة.... أبي نـُشل مرّتين, المرّة الأولي نقود من جيب البنطلون, والثانية قلمه الحبر الثمين في جيب " السّترة" الأعلى .في الحالتين ذهب أبي إلى مركز الشرطة, استدعى المفوّض شخصاً وكلّفه بإحضار النشّال, حضروسأله أبي كيف استطاع فعل ذلك, قال: رأيتك ساهياً,متفكّراً غير منتبه لما حولك, حاذيتك تماماً في لحظة ازدحام شديد, كانت يدك في جيب البنطلون, قرصتها بخفّة أخرجت يدك ولا تزال ساهياً, أدخلت يدي وأخذت النقود. وهكذا كان أبي حين يمشي في الشارع ينصرف ذهنه إلى أمر أو مسألة فلا يعود يلاحظ تماماً ماحوله . المرّة الثانية حضر النشّال أيضاً سأله أبي كيف سرق القلم؟ فالأمر ليس بالسهل, قال: رأيتك على بعد أمتار رفعت " اليشماغ" عن رأسي حين أصبحت أمامك تماماً, نفضته بحركة سريعة ورفعته لأضعه على رأسي في هذه الحركة لامس طرف اليشماغ جيبك الأعلى والتقط القلم . بعد إرجاع النشّال للقلم طلب إليه أبي أن يعيد الفعل أمامه ففعله . في الحالتين لم يرفع أبي دعوى بل طلب من المفوّض تركهم يخرجون.