من تاريخ الصحافة العراقية..كيف صدرت جريدة ( العراق ) سنة 1920 ؟

من تاريخ الصحافة العراقية..كيف صدرت جريدة ( العراق ) سنة 1920 ؟

فارس محمود الجبوري

أخذت السلطات البریطانیة بعد انتهاء الحرب العالمیة الأولى ، تتبع سیاسة جدیدة في عملیة اصدار الصحف ، فأوقفت اصدار صحیفة ( العرب ) لتحل محلها صحیفة (العراق ) . وأعلنت صحیفة العرب في عددها الأخیر في خبر تحت عنوان :جریدة یومیة جدیدة جاء فیه :

یصدر غدا العدد الأول من جریدة العراق .وهي جریدة یومیة تبحث في السیاسة والأدب والاقتصاد لصاحبها الوحید رزوق أفندي داؤد غنام . وهذا العدد من جریدة العرب هو العدد الأخیر . فنودع قراءنا ونشكرهم على اقبالهم على مطالعتها ومؤازرتهم إیاها منذ صدورها إلى الآن .

تمثل الدافع الرئیسي لاصدار صحیفة العراق بمحاولة بریطانیا فرض الانتداب على العراق ، وبث الدعایة اللازمة له من خلال اصدار صحیفة جدیدة غیر معروفة بارتباطها بالسیاسة البریطانیة على النحو المكشوف الذي كانت علیه صحیفة العرب سابقا. صدر العدد الأول من صحیفة العراق في الثالث عشر من رمضان عام ١٣٣٨ ه الموافق للأول من حزیران عام ١٩٢٠ في بغداد ، واستمرت في صدورها حتى توقفت في العام ١٩٤٦ ، بعد ان أنهت مشوارها بعددها الأخیر المرقم سبعة آلاف ومئتین وخمسة عشر .

أسسها رزوق داود غنام ، الذي كان یعمل في قسمي الادارة والتحریر في صحیفة العرب سابقا ، وكان رزوق داود غنام قد ولد في بغداد عام ١٨٨٢ ، ودرس في مدارسها ، وكان من الطبقة المثقفة ، وأتقن اللغات الرئیسیة مثل الانكلیزیة والفرنسیة والتركیة ، وكان من مناصري الحریة والمساواة بعد اعلان الدستور العثماني في عام ١٩٠٨ ومؤیدا لفكرة العروبة ، وساهم مع حمدي الباجه جي في تأسیس النادي العلمي الوطني في بغداد عام ١٩١٢ . وقد تعرض بسبب نشاطاته تلك إلى الاضطهاد من قبل الحكومة العثمانیة التي ابعدته إلى منطقة قیسري في الأناضول مع من أبعد من أهل العراق ، وبعد عامین من ابعاده عاد إلى بغداد في عام 1916 ، وفي عام ١٩١٧ عام عمل محررا في صحیفة العرب . شارك في الحیاة النیابیة في العراق للأعوام ١٩٣٠ و ١٩٣٥ و ١٩٣٩ و ١٩٤٣ ، وأصدر رزوق داؤد غنام بعد توقف صحیفةمجلة ( صوت العراق ) عام ١٩٥٠، ثم توقفت بعد عامین ، وتوقف بعد ذلك عن عمله الصحفي بعد ان بلغ السبعین من عمره ، وتوفي بعد ذلك رزوق داود غنام في عام ١٩٦٥ بعد ان تجاوز الثمانین من عمره .

كانت صحیفة العراق تشبه صحیفة العرب في بدایة صدورها من ناحیة حجمها ومواضیعها وطریقة اخراجها ، وطبعت في المطبعة نفسها التي كانت تطبع فیها صحیفة العرب سابقا ، ولم یمیزها عنها سوى الاسم واسم الشخص المسؤول عنها ، اما اسمها فیبدو واضحا ان الحكومة البریطانیة ارادت ان یكون هذا الاسم مكملا أو قریبا على اقل تقدیر من اسم الصحیفة التي سبقتها في محاولة لاقناع الشعب العراقي بأنها ما زالت تحرص على نصرتهم ، فضلا عن ان هذه التسمیة هي الأكثر قبولا وتاثير في نفسیة قارئها ، وبالتالي یكون فیها معالجة نفسیة واجتماعیة . وتمیزت صحیفةالعراق عن سابقتها فیما بعد بحجمها الاعتیادي المألوف ، علاوة على اهتمامها بالنواحي الفكریة والثقافیة والاقتصادیة أكثر مما كانت علیه صحیفة العرب سابقا .

واعتقد ان أمر االاشراف على صحیفةالعراق كان بید أحد المسؤولین البریطانیین وهي السكرتیرة الشرقیة لدار الاعتماد البریطانیة المس غیرترود بل، وذلك لأن أغلب مواضیعها ومحتویاتها كانت تفصح عن الجهة التي تقف وراءها ومن یدیرها ، اذ تمیزت بمستواها الراقي ثقافیا ، وان المس بل هي التي كانت تحرر بعض

موضوعاتها ، لاسیما انها كانت تشرف على صحیفة العرب سابقا ، فضلا عن معرفتها الواسعة واطلاعها الكبیر على عادات الشعب العراقي وتقالیده الاجتماعیة، وخبرتها الواسعة في مجال الصحافة ، لقد احتلت صحیفة العراق مكانة لا بأس بها من حیث الفن الصحفي في تأریخ الصحافة العراقية .

وعمل في صحیفة وحرر فیها العدید من الكتاب العراقيين الذین أصبحوا فیما بعد من كبار الصحفیین في البلاد ، أمثال حسن غصیبة وشكري الفضلي وعطا أمین ویوسف غنیمة ومحمد عبد الحسین ورفائیل بطي وغیرهم . 

كتبت صحیفة في دیباجتها العبارة الآتیة ( جریدة یومیة سیاسیة أدبیة اقتصادیة ) ، وكانت تصدر صباح كل یوم باستثناء یوم الأحد الذي كان عطلة الصحیفة الأسبوعیة ، وصدرت صحیفةالعراق بواقع أربع صفحات ، وكان مقر ادارتها في منطقة الدنكجیة في بغداد كما كتب علیها.اعتمدت صحیفة في حصولها على الأخبار الخارجیة بصورة أساسیة على ما تحصل علیه من وكالات الأنباء البریطانیة (رویتر)،مقابل أجور محدودة ومعروفة 

ان أكثر الصحف في تلك الفترة كانت تباع بواسطة الوكلاء والمتعهدین مقابل نسبة خصم معینة لهم تقدرها ادارات الصحف ، أو عن طریق الاشتراك المباشر مع القراء ..

أما عن المصادر المالیة لصحیفةالعراق فكانت تحصل علیها ادارتها عن طریق بیع اعدادها الیومیة كموردا مهما لسد جزء من نفقاتها ، فضلا عن الأجور التي تحصل علیها عن طریق نشر الاعلانات الیومیة التي اصبحت موردا ثابتا أسهم في تغطیة تكالیف الطباعة والنشر .أما بالنسبة لأماكن بیع الصحیفة ، فقد أعلنت عنها الصحیفة لیكون القارئ على علم بها ولتسهیل عملیة اقتنائها . ففي بغداد كانت تباع من قبل الوكیلین محمود أفندي الكتبي ،

وناجي أفندي في السراي ، والیاس توماس بالقرب من جسر مود وعلي غالب أفندي في شارع الرشید ، وحسقیل عبود أفندي بالقرب من سینما الوطني ، وبمرور الوقت اتسع نطاق توزیع صحیفة العراق إلى مدن العراق الأخرى ، ففي مدینة البصرة كانت تباع عن طریق وكیلها ودیع أفندي زبال في منطقة العشار . وفي مدینة كربلاء كانت تباع عن طریق وكیلها محمد حسن جرجفجي . أما في خارج العراق فكانت تباع في تركیا عن طریق وكیلها كیبور بازار في استنبول.