وداع نجيب الريحاني

وداع نجيب الريحاني

شاءت المصادفة ان يكون الاستاذ حمام (نجيب الريحاني) هو المدرس الذي يكلف بالتدريس للآنسة ليلى (ليلى مراد) كريمة مراد باشا ليعدها للملحق في اللغة العربية.. وليلى فتاة دلوعة مشبوبة العواطف دائما وهي تتظرف مع الاستاذ حمام فيخطئ تظرفها الطريق ويصيب قلب الاستاذ المحطم العجوز فيهواها ويتعلق بها،

وتستفيد ليلى من هذا العاشق في مغامراتها فتهرب معه لكي تتزوج من حبيبها الشاب أنور (محمود المليجي) الذي يلعب بعقول الفتيات ويكتشف الاستاذ حمام ذلك فيحاول انقاذ ليلى ولكنه يفشل ويطرد من الكباريه الذي تلتقي فيه ليلى بأنور وعندئذ يستنجد بالضابط الطيار وحيد (انور وجدي) الذي ينقذ ليلى ويحبها ويخرج الثلاثة من الكباريه فيلاحظ حمام ان وحيد يغازل ليلى فينزل في منتصف الطريق ويحاول ان يهرب بها من هذا العاشق الجديد فيدخل بها احد المنازل فاذا به منزل يوسف وهبي وهناك يجد عبد الوهاب الذي يغني اغنية ليعيد العجوز العاشق الى صوابه فيخلي الطريق لوحيد وليلى وتنتهي القصة.

ويقول يوسف بك وهبي في احد مشاهد الرواية الختامة من قصة حب الشيخ للفتاة انها قصة مطروقة تناولها الكثيرون من الكتاب وكانت موضوعاً لبعض مسرحياته.. وانا اشارك في الرأي يوسف وهبي بك تماما.. ومع ذلك فهذا الفيلم فيلم الموسم.. انه آخر ما نراه لنجيب الريحاني، واذا ألغيت عشرات الوجوه اللامعة التي ظهرت في الفيلم غير وجه نجيب الريحاني فسيظل الفيلم آية..

وإذا الغيت نمر الرقص وليتك تستطيع ان تلغي جزءاً كبيرا منها، ومن بينها الكباريه الانيق والراقصات اللواتي يتلوين بدور مناسبة، اذا الغيت كل ذلك فسيظل هناك فيلم يجب ان تراه.. وان تبكي كما بكيت انا، وان تضحك وفي نفسك الحسرة على الضحكات التي لن تعود، الضحكات التي لا يملك ان يطلقها من الحناجر غير نجيب الريحاني.. الضحكات الغالية لا الضحكات الرخيصة.. ويحدث العكس اذا اخرجت نجيب من الفيلم.. انك ستجد عندئذ.. نجوما نعم ونجوما لامعة، نعم ايضا، وموسيقى ورقصا وغناء نعم مرة ثالثة... واخراجا فيه بذخ واسراف وترف.. نعم مرة رابعة..

ستجد كل ذلك ولكنك ستجد ايضا.. نجوما قامت بدور الكومبارس خير قيام، وموسيقى وغناء.. غناء بديعا لليلى مراد غناء يجيش بالعواطف لا تكاد تستبقه حتى تصدمك طريقة المخرج في تقديم الاصناف.. طريقة غنى الحرب الذي يلبس البدلة الانيقة ورباط العنق البديع.. ثم يفسد ذلك كله بعشرة خواتم ملونة يكدسها فوق اصابعه، كل اغنية في الفيلم.. ثوب انيق تفسده عشرات الخواتم المزيفة. ولا اريد ان اسوق الكلام هكذا دائما.. من امثلة الفصوص المزيفة مثلا ان تغني ليلى مراد في مشهد عاطفي مع نجيب وفي حجرتهن فنجد عشر راقصات يظهرن بدون مناسبة.

مثل آخر من امثلة اخراج أغنياء الحرب.. النجوم اللامعة التي حشرت في الفيلم حشراً يوسف وهبي وعبد الوهاب وانور وجدي نفسه.. رأيت فعلا افلاماً قام فيها ابطال السينما بادوار قصيرة لكنها ادوار تلائمهم يخلقون منها شيئاً هاما، ادوار لا يستطيع اداءها غيرهم على صغرها.. لكن دور يوسف وهبي في هذا الفيلم.. اي كمبارس درجة رابعة يستطيع ان يقوم به ولا يضير ذلك يوسف وهبي., وكذلك دور انور وجدي، اما عبد الوهاب فقد قام بدور المطرب.. غنى لحنا رائعاً ادخل فيه الكورس في ختام الرواية.. ولحن اغاني الفيلم.. ووضع موسيقاه.. ومثل ايضا دور الكومبارس الناجح في الرواية.

ان الفيلم كما ترى فيه نجيب الريحاني.. مثل كأروع ما مثل في حياته وكأنه كان يريد ان يودع الدنيا.. مثل وكأنه يقول للناس هانذا امثل في غير موضوع. امثل وحدي بغير حاجة حتى الى فيلم خام..

آخر ساعة/ تشرين الاول/ 1949