فؤاد شاكر.. كائن العدسة البري

فؤاد شاكر.. كائن العدسة البري

عبد الستار البيضاني

على مقربة من اليوبيل الفضي لتجربة فؤاد شاكر الفوتوغرافية سيكون الوقوف صعباً لجهة توصيف وعنونة تمظهرات الضوء والظل في خطاب بصري يمتد على هذه المساحة الزمنية، وستزداد المهمة صعوبة مع قصدية القبض على اللحظة، ليس بوصفها الزمني ، وإنما بكونها أصغر حركة في تحولات وتطورات الحياة، مثلما هي الخلية اصغر وحدة بالجسم يمكن ان تمدنا بالزمن الفائت من عمرها وقدرة التوقع للمقبل من زمنها.

ربما كانت هذه الفلسفة حاضرة في ذهن اي فوتوغرافي سواء من عاش زمن الصندوق الخشبي الأسود والباحث باسراره، او ذلك الذي تتقد مخيلته في (الدارك روم) وصولاً الى التصوير الرقمي الذي سلب اهم صفات المبدع على الإطلاق إلا وهو قلق اللحظة،الذي أُستبدل بسعة الخيارات التي يحصل عليها في زمن لقطة واحدة مما كان يحتاجه المصور سابقاً لأنتاج صورة واحدة.

بهذا المدخل اصل الى تبريرٍ لقولي ان توصيف التجربة على مدى نحو نصف قرن سيكون ناقصاً بالرغم من ان التصوير الفوتوغرافي هو نوع من تحنيط الزمن، وللمصور رؤيته وقدرته الإبداعية وادواته الفيزيائية والكيميائية لتحقيق ذلك، بمعنى ان الحديث عن زمن محنط سيكون ممكناً لسهولة استحضاره، لكن الصعب هو زئبقية الرؤيا التي تنفعل بالواقع وهذه من سمات فؤاد شاكر واحسبها له كما سنرى لاحقاً.

ينتمي فؤاد شاكر المولود في بغداد 1949 الى جيل من المصورين الذين سعوا وبدأب على جعل الصورة نصاً بصرياً يوازي في حضوره النص الأدبي، وقد كان اول تبلور لهذا الهاجس في السبعينيات على يد المصور الراحل جاسم الزبيدي ، وكان فؤاد شاكر وعبد علي مناحي من ابرز الذين اقتربوا من هذا التوجه وحاولا الأستمرار به وتطويره ، وقد عبرا عن هذا التبني حتى بعد رحيل الزبيدي من خلال المعرض المشترك الذي أُقيم في بداية التسعينيات على- ما أذكر- وضم صوراً لجاسم الزبيدي اضافة الى صور فؤاد شاكر وعبد علي مناحي، فبالرغم من انهم من المصورين الذين عملوا في الصحافة، إلا ان الصورة لديهم لم تتوقف عند وظيفتها الصحفية التوثيقية او الجمالية بل تعدت ذلك الى الأفق الفكري والتعبيرى ـ وقد لايكون هذا الأمر خصيصة لفؤاد او زميليه، لكنه تكرس بفعل العلاقات المتينة التي يتمتع بها فؤاد شاكر مع الوسط الثقافي، والأمر ينطبق كذلك على عبد علي مناحي وجاسم الزبيدي إذ كانت علاقاتهم مع محرري الأقسام الثقافية في المطبوعات التي عملوا فيها امتن من علاقاتهم مع محرري الأقسام الأخرى.

ويتعمق هذا التوجه لدى فؤاد شاكر أكثر من زميليه، فكان هو من أبرز الذين نظرّوا للفوتوغراف، ليس بالوصف التعليمي والنظري لخطوات التصوير واجزاء الكاميرا، وإنما بالوصف النقدي، فهو من أكثر المصورين سعياً لخلق خطاب نقدي فوتوغرافي وكان لصفحته الفوتوغرافية التي كان يحررها في مجلة حراس الوطن نهاية الثمانينيات الأثر البالغ في اشاعة وعي نقدي فوتوغرافي.

هذه الثقافة وظفها فؤاد لإغناء مساحة التأويل في الصورة لتقترب من معطيات اللوحة، كما انه حاول تقليص المسافة بين الصورة واللوحة، وكان خير طريق سلكه الى ذلك هو جعل الصورة عملاً كرافيكيا بواسطة تطبيقيات مختبرية كيمياوية بالتلاعب بنسب المثبتات والمظهرات تارة،أو فيزياوية باستعمال الفلاتر والرقائق تارة أخرى، وقد نجح في ذلك الى حد جعل المتلقي يفكر كثيراً قبل ان يتأكد ان مايراه هو صورة فوتوغرافية للقطة من الطبيعة ،او صورة للوحة رسم أو عمل كرافيك،خاصة ان بعض تلك الصور حملت مداليل رمزية اقتربت كثيرا من محمولات اللوحة،واذكر هنا مجموعة الصور التي مثلت لقطات لأشجار جرداء او مورقة، استطاع ان ينتج لنا من اللقطة الواحدة عدة لقطات بمضامين مختلفة حتى وإن كانت وحدات الكادر ثابتة ويمكن الرجوع الى البومه الأخير(مدارات الضوء) وخاصة الصور المعنونة (الجمال الغامض والمخيف للطبيعة) و(اشجار باسقة(.

هذه التجربة التي هي بالأسود والأبيض طرحها فؤاد قي وقت كان المشهد الفوتوغرافي العراقي منبهراً بتجارب جديدة اعتمدت تقنيات جديدة في التصوير الملون واعتقد ان هذه التجارب بمجملها كانت ستؤثر كثيرا في المشهد الثقافي العراقي وخلق حركة فوتوغراقية نشطة لولا ظروف الحصار الذي فُرض على العراق بعد غزو الكويت وشحة اوفقدان مواد التصوير في الأسواق وارتفاع كلفة اقامة اي معرض.

فؤاد شاكر صائد لقطات ومواضيع من طراز خاص، وهذا الأمتياز ناجم عن إرتباطه الوثيق ببيئته العراقية، ومن المفارقات انني لم اصادفه يوماً في الشارع وهو يعلق كاميرته على كتفه كما يفعل الكثير من المصورين، وإنما متنكب بها يلف كفه عليها بوضع يجعلها قريبة من صدره وكأنه يختصر المسافة بين العين والعدسة للأمساك بنبض الحياة ليقينه ان اللقطة حاضرة امامه ابدا، فهو باحث ابدي في المدينة التحتية التي لايتلمسها إلا المبدعون في المدن العريقة مثل بغداد،وهو بهذا ليس مصورا سياحياً يبحث عن توثيق الأثار والجمال في اي مدينة يصادفها ، وإنما يتحرك بهذا الأتجاه على وفق علاقة خاصة ببيئته ومدينته بغداد، لذلك نجد انه ليس من المصادفة ان فؤاد الذي عاش في عمان ومدينة او هايو الأميركية لم يقدم لنا اي صور منهما تضيف الى تجربته شيئاً مهماً، برغم ما توفرانه من خزين صوري جديد وسياحي للمتلقي العراقي، وأذكر انني عندما التقيته في عمان وعرض لي نتاجه الجديد لم اجد فيه غير مجموعة من الصور المنفردة والمشتركة للشاعرين سعدي يوسف وجان دمو، اي كانت صور عراقية ايضاً ولاتخلوا من التعبيرية فهي لم تكن بورتريهات لشاعرين معروفين.

ومثلما هو ليس مصورا سياحياً فأن ارتباطه ببيئته ليس من باب الإنجذاب للفلكور او لكونها تمثل مصدرا ثريا للصور والموضوعات، وإنما هو طريق للوصول الى قلب الفقر في الأحياء الشعبية، فالفقر قضية تؤرقه كثيرا لذلك نجد هذه المفردة تتكرر في البومه أنف الذكر مثل: (أحياء فقيرة من شمال العراق)،(نساء الأحياء الفقيرة)،(اطفال فقراء)،(العاب الأطفال الفقراء) فضلاً عن العناوين غير المباشرة الدالة على الفقر، وهذه القضية تشده اليها بقوة الى الحد الي جعلته يجد صعوبة في العيش خارجها،- وهنا اقصد العيش بمعناه العام وليس الإبداعي، مما خلق لديه حساسية كبيرة إزاء كل مايقع خارج هذا الهم، واعتقد انه ليس صور فؤاد فقط تعبر عن ذلك وإنما هيئته ونمط حياته التي تجعله مثل كائن بري يعيش بين العدسة والفقر.