الفنان فؤاد شاكر..ربــيع الطفولة .. خريف العمر

الفنان فؤاد شاكر..ربــيع الطفولة .. خريف العمر

ناجح المعموري

الطفولة زمن وضع نفسه في جدل واضح مع زمن آخر أكثر تقادماً وعمقاً ، هو زمن المكان . وكأن فؤاد شاكر يضعنا أمام صراع سجله الفوتوغراف وحمّله رسالة واضحة كاشفة عن مجال اجتماعي بائسي ، لم يحقق غير وسيلته في التجدد والخصوبة البايولوجية ، ليضع نفسه طرفاً متعارضاً ومضاداً مع مجال لم يكن إنسانياً .

طفولة تشبه كثيراً الأطفال المشردة وكأنها ملقية سهواً في الحياة واختارت مكاناً آيلاً للاندثار ، لكن طاقة الإنسان أقوى وأقدر على إعلان مقاومة ، عبر الانبعاث والتجدد ، وزرع المجال بالطفولة الدالة على حيوية المكان المتآكل الذي هو حتماً صاغ ذاكرة الإنسان ، في تلك الأماكن التي هي أرحام حية ، امتلكت طاقتها الإنسانية للأحياء والبقاء من خلال الأطفال . الأماكن مغلقة الأبواب وسيلتها للتبادل معطلة ، الموجود بالداخل معزول عن الخارج . وسيلته التواصلية مع الخارج ، هم أطفاله الدال الرمز على الحركة والوجود المادي . زمن جديد / حاضر ، بريء في مواجهة زمن قديم ترك وشماً على المكان / البيوت ، الهدم / التآكل ، سلخ طبقته الخارجية لتكشف ما تحتها . الفنان فؤاد شاكر مهتم بالجدل في فوتوغرافياته إنها الوحيدة التي تراها وتعبر عن دهشتها .

طفولة حية وأمكنة قديمة تحمل تاريخ ذاكرة للأطفال الذين هم امتداد بايولوجي لذاكرات اختفت وزالت وتركت حضوراً جديداً ، لكنه مطارد بالزوال المعلن عنه من خلال الأمكنة .

طفولة / وشيخوخة ، هذا هو الإرسال الثاني لفؤاد شاكر ، وضعنا أما عتبة رمزية مغايرة تماماً وتبدّت عبر رجال داهمهم الزمن ، ودفع بهم الى مرتبة مثيرة للمخاوف ، مثلما مفجرة لأسئلة عن التضاد بينهم وبين الأطفال ، جدل آخر مثير ، يأخذ المتلقي لماضٍ قديم كانت الشيخوخات طفلية فيها تباينات ثقافية وهويات كاشفة عن تنوع واختلاف اجتماعي وثقافي . شيخوخات مثقلة بسردياتها الطويلة والبليغة ، تتمثل بلاغتها بجماعيتها ووحدة المشاعر بين سكان الحي وذاكرته . الفرد مكون وفاعل اجتماعي مع الآخرين ، قوته وهويته متأتية من علاقته مع الذين معه ، صوته وأصواتهم وحدة إيقاعية بالمفهوم الثقافي والاجتماعي اللذين صاغا هوية خاصة لرجال ونساء مختلفين اجتماعياً / وقومياً ، لكن الطاغي في الهوية الاجتماعية هو بغداديتهم الواضحة من خلال الزي .

في فوتوغرافيات فؤاد شاكر رمزيات تخلق بتناظرها الدلالي من توظيف المكان وموجوداته وأكثرها حضوراً هو المكان / الشيخوخة وأشجار باسقة يميزها الارتفاع فقط ، أشجار جرداء عصف الفصل البارد بها ، مثلما عصف الزمن الطويل بالرجال وأجلسهم على عتبات شيخوخة ، منهم مجانين ، لا صحبة لهم ، ومنهم من اختار مكاناً لمجاور ظل غائباً والموجود بانتظاره ، وهو لا يدري متى تحين لحظة حضوره . ذاكرة الأمكنة محكومة بالحضور ، والغياب معطل لها .

في بلوريات فؤاد شاكر حضور الطفولة أكثر شعرية ، بالعلاقة مع المكان واختارت البنات الصغيرات شرفات البيوت للإطلالة على الحرية في الزقاق .

أربعة شرفات عالية صاغت كل واحدة منها ثنائية لها ، مكونة من باب مفتوح ونافذة مكشوفة على الخارج ، وكأنها تبث شفرات الداخل نحو الخارج ، هذه الثنائية صاغت بنائية المكان بشرفاته العالية ، الممتدة نحو الأمام لتطل على الزقاق وتراقب البنت الزقاق وتسجل دبيب الحراك فيه ، بلوريات فؤاد شاكر سجلت لنا حركة الطفولة ووجودها لتعلن عن علاقتها مع الفضاء الخارجي ، الأطفال وحدهم يمارسون حرية العلاقة مع الخارج ، الأطفال والنسوة العجائز، وغير ذلك ارتضى وجوداً في البيت / الداخل / الرحم الاجتماعي الذي يصوغ كل واحد ملامحه وثقافته ويعلنها للآخر / الخارج . خمس صور للشرفات تحكمت بها ثنائية متغايرة ، أربع شرفات هي واحدة ، كررت نفسها من أجل التناظر ، وواحدة اختارت وجودها المغاير / المستقل ، تنتصب وسطها بنت مكشوفة الشعر ، تعلن عن مجلة بيديها لتومئ لنا من علوها المتعالي عن ثقافتها . هي بلورية حقاً وسط بهاء طفولتها ونظارة تطلعها وما تثيره أسئلتها ، وهي تطل من علٍّ على الزقاق الذي تراه بعينين تكتشفان فيه ما لا يراه الذي وسط الزقاق . بنت صغيرة أضاءت الشمس ساقين وفخذين من البلور، وكأنها تدنو من عتبة آتية من النضج واكتمال الأنوثة ، في سيقان ضوئية ارتسمت عليها مشتركات ، خلال الشرفة وبدت محزمة بها ، ملفوفة الساقين والفخذين . بنت واقفة بصمت لتعلن عما هو كاف لها من حجز وحجر ، ليس لها غير الإطلالة من فوق ، ممنوعة من الخارج المريب ، وصور الفتيات الأربع أكثر دقة في التعبير عن العزل . صور الفتيات معلنة عن عزل مبكر ولكن السؤال ، دائما ما يشير الى العزل ، الداخل هو مكان الأنثى التي لا تطل إلا على أحلام في رأسها ، وهي كثيراً ما تكون معطلة .

في فوتوغراف ظهيرة قائضة زقاق مختنق بالأطفال والضوء يتسرب الى وسطه ، فيه كائنان ، واحد في عمقه طفلة عرش الضوء تاجاً بلورياً دوّر رأسها المضاء ، ملتزة على الجدار محتمية به من مجهول ، تحدق به . والكائن البعيد صاغته الظلال وظهر أسود وكأنه خارج من عالم سفلي . 

ثلاث أطفال في " مقعد أمام العربة " توزعت صورهم بين عديد من شبات خشبية ساندة سقفاً آيلاً للانهيارً . هذه ثيمة فؤاد في الكثير من صوره . هناك وجود لسقوط حاصل أو قريب التحقق ، لكن أعمدة المكان سمحت لثلاثة أطفال ، أكبرهم هو الأول في المشهد الفوتوغرافي وفي " نظرة الى المجهول " قدمه اليسرى هي المعتلية ويده اليسرى متكئة على عجلة عربة للخيل . العجلة بمساحة مكبرة ليومئ بها فؤاد شاكر الى دلالتها الرمزية التي تفضي نحو الجري أو الحركة التي أشرنا لها قبلاً . استراحة العجلة تعطل للعربة والفتى حزين عليها . عجلة الحراك . مثل عجلة الفخار الأولى ، ذاتها عجلة إله الموتى اخنوم التي استعملها لخلق الإنسان ، إنها شيء يومئ ورمزي فدلالته تنضح أمام فنون ، لكن فؤاد شاكر التقطها وأمسك بها ليعلنها وسيطاً لصراع ماثل في المكان . وفي صورة " استراحة الحوذي " حقق تناظر بين " صورة على المجهول " التي هي غياب الرؤية والوضوح للمستقبل واستراحة الحوذي تعطل كامل وليس استراحة مختارة ذاتياً بل هي توقف وتعطل عن الحركة / الفعل . لم تكن استراحة بل هي مرحلة جوع وحزن على تعطل العربة ، وذكرتني هذه الصورة بلوحات للفنان إبراهيم العبدلي وانطباعية خالصة لكنها ذات دلالات خارج الرؤية الخارجية السريعة ، هي توقف / إيقاف للعمل الذي هو جوهر الإنسان ، والمعبر عن إنسانيته ، لأن علاقة الحوذي مع العربة تكشف عن يوميات ممتلئة بالوفرة أو بالتمكن من أجل يوميات الحياة البسيطة . صورة العربة المعطلة صاغها الفنان ، تلطف باستراحة الحوذي لكنها حزنه وتعطله ، وتحايل الفنان على المأساة العازلة للعمل وتعامل معها استراحة . مكنها غياب الطفل المنتج من قبل الطاقة / القوة / الإنسان ، والخسارة واضحة وحاضرة ، هي ليست استراحة بل فقدان العلاقة في المجال العام / الجماعي ، لحظة ما تكون وسيطاً لإقامة علاقة اتصالية ووصول الى مجال آخر بعيد أو قريب ، وكلاهما يوفران فرصة ثقافية واجتماعية . الكائن الغائب عن فرصته اليومية بالعمل ، فقير الذاكرة وصاحب العربة الغائب استعاض عنه فؤاد شاكر في صورة " جلسة مراجعة مع النفس " بالرجل الكهل الذي استراح فعلاً وسط عربة الحمل التقليدية الواقفة مجاورة لسيارة حديثة ، حيث صعدت بؤرة التضاد والتناقض الاجتماعي بين وسيلتين واحدة للعمل اليومي والثانية للرفاهية والتمايز الطبقي ، ولكن ماذا نقول عن استراحة الرجل الكهل وسط عربته التقليدية التي تمنحه قوت يومه ؟ استلقى مسترخياً فيها شابكاً يديه حول قدميه ، ووفرت له هذه الحالة أن يرفع رأسه كي يرى . لم تغب قدرته عن النظر ومعرفة ما يجري أمامه . العين والعقل كما قال المفكر ميروبوتني عيناه حاضرتان وعقله قادر على التفكير ومعرفة ما يجري لكنه استراح ، بمعنى تعطل . لو وجد فرصته عمل لما استلقى وسط عربة ليست مكاناً للراحة ، بل للكد والتعب المعادلة المعكوسة جعلتها هكذا .

جلسة لتصفح أيام الشيخوخة تحت شمس شتائية ، زودته بالدفء بنصف انطراحة وسط العربة ، منحته فرصة مراقبة ما يجري في الشارع ، حركته وعلى يمينه عجلة العربة مبتورة . هل أرادها الفنان هكذا أم الصدفة ؟ لأن العين الثالثة تمركزت حول الرجل وجلسته المسترخية ، تحول هذا المكرود الى حمولة استقرت وسط عربته ، لكن لا أحد يدفعها ؟ الفاعل في استراحته ولا أحد يتخذ دوره ، حتى المؤقت .

لمة صباحية ، مركزها الأطفال ودائماً ما تكون البنات في المشهد المتكرر باستمرار ، أما الذكور فهم طرف المعادلة الجنسانية في الزقاق ، كثيراً ما ظهروا جماعات ، لكنهم أقل عدداً من البنات . ويبدو لي بأن البنات يعبرن عن وجود ثقافي من خلال حضور في الزقاق . ويمارسن خرقاً للعلاقة الذكورية المتسيّدة في البيت ، في اللحظة التي تتمتع بحرية مؤقتة ، تغادر الداخل المغلق ، نحو الزقاق وينشرن الحضور أمام رجال يمرون سريعاً أو أمام عجائز أسلمن الأحلام الى عتبات البيوت في صباحات الشتاء . في صورة " الكبار يحملون الصغار " ستة بنات احتشدت بهن الصورة وتوسطتها فتاة آيلة نحو الحب . مشترك الزي وحَّد بين ثلاث بنات ، حتى الأحذية الخفيفة الصيفية واحدة تعبيراً عن انتمائهن لبيت واحد وتكاد تربيتهن أن تومئ لذلك . لهن حضور ممتلئ ، متأهب بالزي والاستعداد للعين الثالثة . ستة بنات أمام جدار مفتوح لألوان وسوادات ونتوءات . إنه ذاكرة يقظة ، للزقاق . ألوان نراها بالأسود والأبيض ، وهي غير ذلك حتماً ، تعلن لنا لوناً من الانتماء للمكان والتاريخ وكل الجدران التي سجلتها عدسة فؤاد شاكر صادمة وليست حيادية ، لها وظيفة غير منتبه لها . لكنها سجل ذاكراتي فيه هوية وأصول ، ذكريات الجدران في صوره ذاكرة اجتماعية وثقافية وذكريات وهوية لأفراد وجماعات ، يرحلون ويسلمون الذكرى للآتي المشارك بإنتاج تاريخ ربما يأخذ سياقاً مغايراً وبه اختلاف آتٍ من الوافد الجديد الذي لن يكون سلبياً ، بل حتماً سيحمل تباينه وروحيته عبر العلاقة مع المكان الجديد والناس فيه .

الجدران ذاكرة فاعلة ، يدخل إليها كل من جاء الى المكان وكان الإنسان ملزماً بمعاينة جدران البيوت أو التأشير عليها ولو سريعاً . لكن الأطفال أكثر الكائنات الحية انشغالاً بمتروكات لهم على الجدران . ومثير للتأمل الجدار بخربشاته وراء شبكة من البنات . نحن نراها صورياً وليست كتابة وكأنهم ـ الأطفال ـ استعادوا الأزل الأول الصوري للحضارات الشرقية ، لحظة تأسيسها على الصورة . حتى مرسومات الجدار صامتة . الأطفال وحدهم امتلكوا قدرة على فك شفراتها ، والإعلان عن أسرارها . إنها أسرار باح بها الأطفال للجدار وكأنهم تحاوروا معه وتركوا عليه لغزاً هو الذاكرة كما في صورة " خربشات على الجدار " ذاكرة هي الماضي كما قال أرسطو . إنها من إرث المكان / ماضيه ، لكنه حاضر ، إنه زمنهم الجديد . الآن الماضي ماثل ، ممتد ، ليتحول الى حاضر ويظل بانتظار مستقبله الذي يتراجع تدريجياً ليسترح في الحاضر وينام وسط أحضان الماضي ، أي سبق وأن كان لغز الذاكرة موشوماً على الجدار في الصورتين . مدونة صورية محفوظة بالنقش بواسطة اللون المنتمي للماضي . وعلى الجدار صور محفوظة بذاكرة المكان ، لتصير ماضياً حياً في الحاضر . انه ذكريات وجزء من هوية ذكرى طاقتها الهاربة صورة ، تفيض بالإشارات والإعلان عن ذاتها وربما عن شيء غائب ، لكنه ترك أثر باقياً لأمر لم يكن حاضّر كما قال بول ريكور الذي أكد على أن الذاكرة تقود مباشرة له ، لأنها الحاملة الأولى للتاريخ ولولاها لما كان هناك من تاريخ مدوّن ، حتى صورة " خربشات على الجدار " هي أيقونات صورية مثل الصورة التي تحدثنا عنها . خربشات ، شارك برسمها أكثر من واحد أمسكت بهما اللقطة لكن الحضور الحقيقي هو للغائب الذي لم يظهر في الفوتوغراف التدويني لفؤاد شاكر، الذي اختار صمت التدوين وخرس التصوير ليقول لنا ما لا نتفق حوله ، ونتنوع به كثيراً ويصير تأويلاً حياً .

قلنا بأن فوتوغرافيات فؤاد شاكر حافلة بالتنوع والتماثل . وكأنه لا يكتفي بلقطة واحدة ، بل يلتقط عدداً من الصور لمشهد واحد ، يطغي عليه التماثل الواضح كما في " شرفات عالية " خمس صور، الفارق بين الأولى والأربع بسيط للغاية ، هو أن البنت بازغة نحو أنوثة مبكرة وبيديها مجلة ، أما الصور الأربع فهي متناظرة ، لكن التماثل خلق إيقاعاً عند رصف الصور متجاورة . ولكن لابد من ملاحظة بسيطة هي الوحيدة المميزة لصورتين من الصور الأربع وهي مساحة الجدار والشرفة والنافذة متباينة قليلاً . وتحكم الرصف بالصور ومنحها إيقاعاً وشكل رمزاً / صليباً من البياض ليدلل على مساحة ثقافية ودينية رحبة ، مساحة الخصب والفداء والتضحية . إنه الصليب اليسوعي الأبيض انه الوحيد المشكل في هذه الصورة .