وزارة الشؤون الأجتماعية ومراقبة دور السينما والملاهي في الخمسينيات

وزارة الشؤون الأجتماعية ومراقبة دور السينما والملاهي في الخمسينيات

خالد خلف داخل

عبد الرسول الخالصي من الشخصيات السياسية والقانونية في العراق دخل المعترك السياسي وهو في العقد الثالث من عمره عين قائممقاماً ثم رفع إلى متصرف وعين في أخريات العهد الملكي وزيرا لكفاءته وحسن سيرته ثم عين وزيرا للشؤون الاجتماعية في حكومة نوري السعيد الثالثة عشر التي الفت في 1955

 

وخلال فترة استيزاره قام بإصلاحات اجتماعية عديدة فاليه يرجع تشريع إلغاء البغاء والقضاء عليه في العراق، فمن إصلاحاته خطط الإنعاش الريفي والحد من سيل الهجرة من الريف إلى المدينة وكذلك قوانين الضمان والإعالة المسمى بقانون الضمان الاجتماعي ومشاريع الإسكان وتشييد العديد من الدور السكنية، ومن إصلاحاته التي أثارت جدلا هي خطط إصلاح دور السينما والملاهي وقيامه شخصيا بدراسة نظام مراقبة السينما والملاهي بغية تعديله بما يوافق الوضع الاجتماعي للبلاد فقد أخذت وزارة الشؤون الاجتماعية تقديم لائحة قانونية لفحص الرقوق السينمائية وتحديد الأجور وتحديد الأفلام على وفق الأعمار وحماية الأطفال والأحداث من احتمالات التأثير بالسلوكيات المنحرفة التي تعرضها الأفلام البوليسية وألزمت الوزارة أصحاب دور السينما والملاهي بوجوب الاهتمام بالنظافة والإيعاز إلى أصحاب دور السينما توجيه أنظار المشاهدين إلى الإقلاع عن التدخين، وفي جلسة مجلس الوزراء حصلت الموافقة على تعديل قانون مراقبة الرقوق السينمائية وباركت جهود وزير الشؤون الاجتماعية بهذا الجانب وخولت له المسؤولية على تشديد الرقابة على دور السينما والملاهي فاصدر الوزير الخالصي عدة قرارات منها موضوع منع الأحداث عن مشاهدة الأفلام البوليسية والجنسية التي لا تتناسب مع أعمارهم وقد تألفت لجنة متعددة من وزارة المعارف والداخلية والشؤون الاجتماعية والخارجية والدفاع ودوائر أمانة العاصمة وبأشرت دور السينما في تنفيذ قرارات الوزير الخالصي وكانت أصداء هذا العمل طيبة، لكن القوانين التي طالت الملاهي كانت نتائجها معكوسة على قرارات الوزير الخالصي فقد كانت أوامره بوجوب غلق بارات الشرب والملاهي في الساعة ( 12 ) ليلا وبعدم جواز استمرار العرض الفني بعد الساعة ( 12,5 ) ووجوب إخلاء الملاهي من روادها في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل حتما ففي مذكرات عبد الرسول الخالصي الذي ألفه الدكتور عماد الجواهري يذكر فيه تلقى الناس هذا الخبر بالغبطة والسرور لكن كانت ردود الفعل في أوساط اللهو غاضبة وعنيفة فقد أخذت خمسة ملاهي مشهورة في بغداد بإيقاف أعمالها وإلغاء عقودها مع الفنانات العاملات فيه وأقام أصحاب هذه الملاهي برفع عريضة إلى الوزارات قالوا فيها انهم تكبدوا خسائر فادحة بسبب هذا الإجراء وان قرارهم غلق هذه الدور جاء نتيجة فشل وساطاتهم بحمل الوزارة على إعادة النظر في القرارات ومن جانب آخر كانت الضغوط مستمرة على الوزير الخالصي وفي اجتماع مجلس الوزراء في 7/5/1956 قال رئيس الوزراء نوري السعيد انا لن أتدخل في موضوع الضجة التي عملها أصحاب الملاهي فالأستاذ الخالصي بعد ان ضبط الدوام في دوائر الشؤون صار الى ضبط الدوام في الملاهي وسنرى كم بوسع الأستاذ الخالصي ان يصمد باستمرار العمل بقراراته هذه وعندما حاول الوزير الخالصي التعليق على كلام نوري السعيد مضى نوري السعيد قائلا أستاذ يوجد من هو أعلى سلطة مني في هذا الموضوع فقال الوزير الخالصي من هو يا باشا قال نوري السعيد هي سليمة باشا يا عبد الرسول بيك وسليمة هي المغنية المشهورة آنذاك عندها ضج المجلس بالضحك ويذكر الدكتور عماد الجواهري في نفس المذكرات فيقول الطريف ان نهاية هذه القضية كانت حسب ما توقعه الباشا ( نوري السعيد ) ففي أواخر تموز 1956 تدخل نائب الملك الأمير زيد لدى نائب رئيس الوزراء احمد مختار بابان طالبا منه إبلاغ وزارة الشؤون غض النظر عن تعليماتها الخاصة بالملاهي وقد ابلغ الوزير الخالصي برغبة الأمير في الجلسة التي تراسل احمد مختار نيابة عن رئيس الوزراء نوري السعيد وفعلا غضت وزارة الشؤون الاجتماعية النظر عن الموضوع خلال فترة نيابة الأمير زيد وعند عودة الملك فيصل الثاني وإنهاء فترة النيابة عادت وزارة الشؤون الى نشاطها السابق في متابعة تعليمات الملاهي وفي الوقت نفسه استمرت الضغوط على الوزير الخالصي وعلى المسؤولين في الوزارة وكانت آخرها الحملة القوية التي شنها العديد من الأعيان في البرلمان في آذار 1957 فقد انتقدوا الوزارة لتشددها الزائد عن اللزوم وزعموا ان سياسة الوزارة هذه من شانها الأضرار بإيرادات البلاد من السياحة ودعوا إلى وجوب فسح المجال للأجانب والعراقيين لقضاء أوقاتهم في الملاهي والكباريهات لان العراق بلد متقدم وان وجود أماكن اللهو هذه دليل على تقدمه ومواكبته للحضارة المعاصرة فضلا ان بغداد عاصمة الأدب والطرب والمجون في عصورها العباسية المزدهرة وكان رد الوزير الخالصي قويا على أعضاء البرلمان غير ان الموقف حسم نهائياً لصالح الملاهي وانتصارهم على الوزير الخالصي..