ما سر انقلاب احمد شوقي على الشاعر عبد المحسن الكاظمي؟!

ما سر انقلاب احمد شوقي على الشاعر عبد المحسن الكاظمي؟!

د. ابراهيم العاتي

عبد المحسن الكاظمي (1870- 1935) شاعر العراق الكبير، بل شاعر العرب، كما لقّب، وداعية الاصلاح والحرية التي أخلص لها، وتحمل بسببها الغربة والفقر، وتغنى بها في شعره منذ مطلع شبابه، وحينما التقى برائد النهضة الحديثة في الشرق، والثائر على الاستبداد والمستبدين السيد جمال الدين الحسيني الافغاني،

 

عندما نفي من ايران الى العراق، احتفى به الكاظمي وناصره، فتنبهت له الاجهزة الامنية ايام الاستبداد الحميدي، وكان من اكثر عصور الدولة العثمانية تكميما للافواه وتقييدا للحريات، فبدأت السلطة بمراقبته والتضييق عليه، ثم حاولت اغتياله، فاضطر الى الخروج من العراق الى ايران فالهند ليصل بعدها الى مصر التي كانت تشهد نهضة ادبية وثقافية كبيرة، كما لجأ اليها الكثير من الاحرار من مشرق الوطن العربي ومغربه.

كان مجتمع القاهرة الفكري آنذاك حافلا بالاحرار والمفكرين والأدباء والشعراء، فمنهم محمد عبده وسعد زغلول وعلي يوسف وعبد العزيز جاويش، وفيهم البارودي بعد عودته من المنفى، وأحمد شوقي وحافظ ومطران والمنفلوطي والرافعي، ثم العقاد والمازني وشكري وغيرهم. وكان الكاظمي موضع الاهتمام والعناية من كل حر وكل مفكر وكل أديب، وخاصة الإمام محمد عبده تلميذ الافغاني، ورائد الحركة الوطنية الدينية في مصر.

وقد بدأت الصحف المصرية الشهيرة تنشر شعره، وخاصة جريدة (المؤيد) التي كان يصدرها الشيخ علي يوسف، الذي نشر له قصيدته العينية التي اوضح فيها كيف استقبل مصر وكيف استقبلته، وهي التي لفتت اليه الانظار ورسخته كشاعر له اسلوبه الخاص ومتمكن من ادواته اللغوية والفنية، ويحفظ آلاف الابيات من اشعار العرب. يقول في قصيدته تلك:

إلى كم تُجيل الطَّرف والدار بلقع

أما شغلت عينيك بالجزع أدمعُ

أأنت مُعيري عبرة كلما ونت

يحفزها برح الغرام فتسرع

وهل عريت أرض كسوت أديمها

بماء شئوني فهْي زهراء ممرع

ولما تبيَّنت السويس وسار بي

إلى النيل سيَّار من البرق أَسرع

هرعت إليه عاطفًا من حشاشتي

وقُلت لصحبي هذه مصر فاهرعوا

***

وهكذا بدأ شعر الكاظمي ينتشر، وقصائده تتردد، ويرتجلها ارتجالا، والناس مندهشة من هذا الحوار الداخلي بين الشاعر ونفسه، وبين الشاعر والعالم الخارجي. وصار مقصداً لكبار الكتاب والشعراء أمثال رائد النهضة الشعرية في مصر الحديثة الشاعر محمود سامي البارودي باشا (ت 1904) أحد القادة البارزين للثورة العرابية والذي نفاه الانجليز الى جزيرة سيلان. كان يجل الكاظمي ويحترمه جداٍ ويقول عنه: (إنه أمة في الشعر وحده)، وكان يقرّ له بالأستاذية !! ولما توفي البارودي رثاه الكاظمي بقصيدة فيها خشوع المحب ولوعته،كما قامت صداقة بينه وبين حافظ ابراهيم (شاعر النيل ت 1932م) ، وقدم لديوانه فقال:

اما الشاعر والاديب مصطفى صادق الرافعي (ت 1937) فقد تأثر بالكاظمي وارتبط معه بعلافة جدّ وثيقة، وكتب مقالا جعل فيه اعلام الادب في مصر من معاصريه على ثلاث طبقات: الاولى وعلى رأسها الكاظمي ثم البارودي فحافظ، والثانية: تضم اسماعيل صبري وشوقي وخليل مطران، والثالثة: تضم المنفلوطي وآخرين. الخلاصة انه جعل الكاظمي على رأس الطبقة الاولى من شعراء مصر، أما شوقي فهو في الطبقة الثانية!! وقد تحسس شوقي من ذلك المقال ووجد في الكاظمي منافسا خطيرا قد يهدد مكانته عند الاسرة الخديوية التي تحكم مصر، فلربما تؤثره عليه، وكانت تلك مجرد ظنون، كما سيتضح!

لكن شوقي قد أشاد بالكاظمي في البداية وتحمس لشعره وشاعريته، خاصة حينما علم ان اقامة الكاظمي في مصر مؤقتة وسوف يغادرها الى بلد آخر، فقال:

(( قدم هذا الفاضل مصر وكأنه ابن هانئ جاء من بغداد الى البلاد، فجعلها موضع الانشاد، وملأها ادبا ثم عاد. سخر الله له من (المؤيد) رواية، لم تسخر لشاعر في العصور الخالية، فما القى عصاه حتى اخذت هذه الصحيفة تجلو لنا شعره، مديحه وفخره سلافه وسحره فاذا نحن بحكمة ابي الطيب، وبالوليد ينسب، وابن ابي ربيعة يشبب وابن زريق يشتاق الى الاهل والبلاد، ويحن الى قمر له في بغداد…اما مثل سلطان الشعر على هذا الشاعر فاني ما سمعت ولا رأيت فهو كما يتمثله اصدقاؤه من قراء هذه السطور نظرته شعر، ومنطقه شعر، وضحكته شعر، ….وهو في كل ذلك يحبب الى النفس الشعر))!

قال شوقي ذلك وهو يحسب أن إقامة الكاظمي هي مؤقتة في مصر لأنه سيغادرها الى أوروبا كما كان مخططاً بالفعل، لكن الشهرة التي حظيت بها قصائده في مصر، والدعوة الاصلاحية التي كان يقودها الشيخ محمد عبدة، ومودته له، وحبه لمصر من أول ما رآها، كل تلك أمور جعلته يغير رأيه ويقرر البقاء في ارض الكنانة. وعندها بدأت مشاعر شوقي تتغير نحو الكاظمي، فهو منافس حقيقي له على الزعامة الادبية، وقد يهدد منزلته كشاعر الاسرة الحاكمة في مصر، او الخديوي عباس (1874-1944) شخصيا، حيث يرى انه (شاعر العزيز)!! فقال:

شاعر العزيز وما بالقليل ذا اللقبُ!!

وقد حاول الكاظمي تبديد تلك المخاوف، فحياه بقصيدة ردا على تحيته التي اشاد فيها بالكاظمي، كما ابدى له مشاعر المودة لكنه تجاهلها، وبدأ يمارس الضغوط على طريقة احراجه لإخراجه، ولو وصل الأمر الى قطع الأرزاق! وجاءته الفرصة السانحة حينما توفي مفتي الديار المصرية الشيخ محمد عبده (ت 1905). وكانت الحرب مستعرة بين المفتي والخديوي عباس، بسبب وقوف المفتي ضد محاولات الخديوي للاستيلاء على اراضي الاوقاف.

وكان ما ادخره الكاظمي من مال منذ ان غادر بلده العراق، قد نفد، فخصص له الشيخ محمد عبده راتبا شهريا يصله الى بيته دون علم أحد، وبعد وفاة الشيخ سعى اصدقاء الكاظمي، وخاصة الشيخ علي يوسف صاحب جريدة (المؤيد) لدى الخديوي عباس ان يخصص له راتبا ثابتا من الاوقاف، وبعد عدة محاولات استطاع اقناعه ووافق الخديوي، وما ان خرج حتى دخل عليه (بعض الناس) ، وسأله عما كان يفعل صاحب المؤيد هنا، فاخبره الخديوي انه قرر تخصيص راتب للشيخ الكاظمي، وهنا راح ذلك (البعض) الذي لم يسمّه الشيخ علي، يوغر صدره قائلا: انسيت انه شاعر المفتي؟- وكانت العلاقة جد متوترة بين الشيخ محمد عبده والخديوي- وقد قال فيه من الشعر كذا، وعرّض فيك بكذا وكذا؟ فما كان من الخديوي إلا الشحّ برفده والنكول عن وعده!!… هذا ما رواه الشيخ عبد القادر المغربي، رئيس المجمع العلمي العربي بدمشق في تقديمه للجزء الثاني من ديوان الكاظمي بعنوان (صديقي الكاظمي)، واكمل قائلا: فرجعت الى الشيخ الكاظمي وأخبرته الخبر، فتأثر جدّ التأثر وقال: أتعرف من هو (بعض الناس)؟ قلت: لا، قال: هو احمد شوقي!!

ثم ورد ما يؤكد صحة الحرب التي شنها أحمد شوقي على الكاظمي من شاعر النيل حافظ ابراهيم (ت 1932) الذي نقل عنه ان شوقي قد خشي منافسة الشاعر العراقي فسدّ عليه الباب وقطع عليه كل رجاء، ووجد الكاظمي في الاستاذ الامام (الشيخ محمد عبده) حمى، ولكن الحمام لم يمهله، وهنا تهدج صوت حافظ ودمعت عيناه، ولم يستطع ان يتم حديثه!

وتذكر الدكتورة رباب الكاظمي ابنة الشاعر أن أحمد شوقي زارهم عندما توفيت والدتها سنة 1927، وطلب من والدها الاشتراك في حفل تكريم شوقي اميرا للشعراء، وان هذا ليس تكريما لشخصه وإنما هو تكريم للشعر، وان ما بينهما من جفاء يجب أن ينتهي، وأنا أجهر من الان أنك انت (الامام)، ويعني بها إمامة الشعر، ثم اخرج مظروفا وقال هذه هدية لرباب خمسمائة جنيه ودسها تحت الوسادة. فضحك الكاظمي وقال لشوقي: لقد ظننت انك جئت لتعزيتي والسؤال عن صحتي، وما كنت اظن انك اتيت لشرائي، ثم طلب من ابنته ارجاع الظرف الى شوقي، ومرافقته الى الباب، ملقنا إياه درسا في الإباء والشمم، على الرغم من قساوة الظروف المادية التي كان يمر بها!

وكان الكاظمي قد نظم في احمد شوقي قصيدة وارسلها اليه قال فيها :

تعالى الله ما صورك الله وكم صـــــــوّرْ

ولهفي لك من هادٍ غواه الدهر فاستكبرْ

لقد كنت ارجّيه ليوم في الورى يذكـــرْ

وكنتُ أخال(زيد الخيل) في الغايات لا يعثر

اذا بالسابق الكرار ما ان كرّ حتى فرْ!

حقا إن المرء ليذهل من تصرفات احمد شوقي وتعامله القاسي مع أي شاعر فضلا عن أن يكون الكاظمي نفسه، هذا الذي قال فيه الشيخ مصطفى عبد الرازق (ت 1947) شيخ الازهر ووزير الاوقاف المصري: (وشعر السيد عبدالمحسن الكاظمي من الطراز الأول في روعة اسلوبه وفي سلطانه على القلوب. والسيد عبد المحسن الكاظمي من شعراء الطبقة الاولى بين دعاة الحرية وشهداء الحرية في بلاد الشرق. في سبيل الحرية هاجر الرجل من وطنه، وفارق اهله وماله، وفي سبيل الحرية عاش غريبا فقيرا بعد العز والغنى) .