في ذكرى رحيله ( 7 كانون الثاني 1947 ).. الاب الكرملي واعلام عصره

في ذكرى رحيله ( 7 كانون الثاني 1947 ).. الاب الكرملي واعلام عصره

كريم عبد الحسن الفرج

كان الاب العلامة انستاس ماري الكرملي موضع تقدير عدد من الهيئات العلمية العربية والدولية. إذ أنتخب عضواً في مجمع المشرقيات الألماني عام 1911، واختاره المجمع العلمي العربي في دمشق عام 1920 عضواً شرفياً، وقد قبل ذلك وظل فيه حتى وفاته، ونشر عدد من البحوث والمقالات في مجلة المجمع المذكور.

كما أختير عضواً في المجمع العلمي السويسري في جنيف، وفي العام 1920 منحته الحكومة الفرنسية وساماً علمياً (Officier D'Academie) يمنح لمن يقدم خدمة جليلة في البحوث والدراسات العلمية.

كذلك أهدته الحكومة البريطانية وسام الخدمة الإمبراطورية مع لقب (M.B.E) ، وكان الكرملي من المؤسسين الأوائل للمجمع العلمي العراقي منذ المحاولة الأولى لتأسيسه حسب صورة الكتاب المرقم 437 في 28 أيلول 1926، الذي بعث به وزير المعارف عبد الحسين الجلبي إلى الأستانة معروف الرصافي والأب انستاس ماري الكرملي وفيما يلي نصه: 

"إلى حضرة الأستاذ معروف أفندي الرصافي المحترم

إلى حضرة الأب انستاس ماري الكرملي المحترم

-لقد قررنا تأليف مجمع لغوي وفقاً للتعليمات المربوطة وانتخبناكم عضوين لهذا المجمع لما نعهده فيكما من التضلع في اللغة ونرجو أن تجتمعا لأنتخاب بقية الأعضاء نظراً إلى المادة الخامسة من التعليمات المذكورة، نتمنى لكما وللجميع النجاح.

وزير المعارف/ عبد الحسين الجلبي . واختيرا عضواً في مجمع اللغة العربية في القاهرة (مجمع فؤاد الأول) منذ تأسيسه في السادس من تشرين الأول عام 1932وقد اختير من بين اول عشرين عالماً ولغوياً في مصر والبلدان العربية والأوربية يدخلون المجمع وكان من بين أعضائه البارزين ويحضر جلساته التي تعقد في القاهرة ويبحث ويناقش في كثير من الموضوعات اللغوية، وبقى عضواً فيه حتى وفاته. 

وفي عام 1940 اختير كأحد كبار العصر للغة العربية وعُين من لدن مديرية إدارة الشخصيات البارزة في مصر. كما اختير عضوا في اللجنة التي تولت توحيد المصطلحات العربية في العلوم الطبية وذلك في 18 حزيران 1940، حيث وضع الأب أسماء عربية لبعض المسميات والمصطلحات العلمية والفنية وهي أسماء استخرجها من نصوص قديمة فصيحة، أو أختارها هو لصلة معناها بالمعاني الحديثة.

أنتخب عضواً في لجنة التأليف والنشر العراقية التي ألفتها وزارة المعارف (التربية حالياً) في بغداد عام 1945، ولبث في تلك العضوية حتى وفاته. وكانت له مراسلات ومساجلات أدبية وعلمية مع كبار الأدباء من العرب والمستشرقين، يقول:" كان قد جرى بيني وبين الآلوسي، مكاتبات علمية وتاريخية ونحوية ولغوية في مدة ثلاثين عاماً. وثمنت جريدة العرب جهوده اللغوية فقالت بأنه "أفنى عمره في خدمة لغة الضاد، باحثاً منقباً في أصول الألفاظ". كما أعترف بفضله العديد من العلماء والأدباء، فكان شكيب أرسلان يقول له:"أنت يا أخي علمتني حروفاً فكيف لا أكون مديناً لك؟ والله لو بحثت عشرين سنة، ما كنت أجد هذه الجمهرة من الألفاظ". كما خاطبه أحمد زكي باشا قائلاً:"أنا أيها الصديق أدرى الناس بفضلكم الجم ويدكم على الأدب وجهادكم الكبير في سبيله". 

ومثلما أرتبط الأب انستاس بعلاقات مع رجال العلم والأدب، فقد كانت له علاقات صداقة مع عددٍ من كبار الشخصيات الوطنية والعربية، فكانت علاقته طيبة مع الملك فيصل الأول، وفيما بعد مع أبنه الملك غازي، ومع رئيس الوزراء عبد المحسن السعدون، كذلك مع صالح جبر وزير المعارف ورئيس الوزراء فيما بعد، وغيرهم من كبار المسؤولين في الدولة. كان الأب دائم الحضور في المناسبات الوطنية والعربية، الرسمية والاجتماعية في داخل القطر وخارجه. ومن مآثره مجلس الجمعة الأسبوعي، الذي كان يعقده في صباح كل يوم جمعة من الساعة التاسعة وحتى الثانية عشر ظهراً، كان يحضره العلماء والأدباء والشعراء، يتناقشون موضوعات اللغة والأدب والتاريخ والجغرافية، ويندر أن حل عالم أو أديب أو مستشرق في بغداد دون أن يزور الأب الكرملي ويحضر مجلس الجمعة. مما تجدر الإشارة إليه أن هذا المجلس كان واضعاً لافتة يمنع فيها الحديث عن السياسة والدين ، وفقاً لرغبات الأب، الذي كان يخاف السياسة ولا يدخلها الا من باب اللغة او التاريخ في احيان ، ويخشى الولوج الى عالم الطوائف حتى لا تتهم رهبانيته "لأعتبارات معروفة ".

تجلت منزلته العلمية بأقوال الكثير من الأعلام المعاصرين له، وسأختار بعضاً منها على سبيل المثال لا الحصر، فقد أشاد الدكتور مصطفى جواد، بمنزلة الأب العلمية إذ قال: "إن الحديث عن الناحية العلمية للأب الكرملي لا يعدو أن يكون تعريفاً للمعروف ونعتاً للمألوف، ولكن الإنسان إنما يخلد ذكره أو ينطمس علمه الذي هو ملاك سيرته وقوام ذاته وزاد تاريخه من الافتنان في دراسة اللغة أساليب رائعة،تدل على سعة علم وعمق فهم وثقافة قيمة، وكان لا يجارى في معرفة الكلمات الفنية والعلمية ومزالق الكتابة وغلطات اللغويين القدماء والمحدثين. 

تحدث عنه بشر فارس فقال: "إنه علامة الأكبر، وهو ثقة في اللغة العربية ... وانه يستحق بأن ينزله الناس منزلة العالم لتبسطه في فقه اللغة". وعبّر الشيخ محمد رضا الشبيبي عن اعترافه بمنزلة الأب العلمية فقال: "نهج الأب انستاس في دراساته اللغوية طريقة علمية فذة، ومن مميزاته التي أنفرد بها البحث المقارن في اللغة وهو كما لا يخفى يتطلب سعة في العلم ومزيد إتقان لعدد من اللغات". 

وصفه المحامي والمؤرخ عباس العزاوي بالنابغة إذ قال: "سارع هذا النابغة الفذ لخدمة اللغة والتاريخ معاً، وسعى سعيه للعمل الجليل، فلم يلتفت إلى عناء أو تعب... وكان في كل أيامه فخراً للعراق" ، وعده أحمد الشايب مدرسة إذ قال: "إن النهضة في المشرق العربي كانت في مصر وسوريا والعراق، كانت تقوم على أعمدة ثلاثة، مدرسة دار العلوم بمصر، ومدارس الإرساليات في الشام، والأب انستاس ماري الكرملي في العراق"،.. ليس من المبالغة أو العصبية أن نضع الكرملي في العراق تجاه مدرسة عتيدة في مصر، وعدة مدارس سورية. ويؤرخ إبراهيم السامرائي لمكانة الكرملي إذ يقول: "ظهر الكرملي علماً من أعلام النهضة الحديثة في مطلع القرن العشرين واحتل مكانته العلمية بما سجل لنفسه من مآثر بتصانيفه العديدة. ومن حقنا نحن الذين نؤرخ للعربية والثقافة اللغوية العلمية أن نضعه في مكانته من التاريخ ونحدد هذه المكانة ونبرز أبعادها إبرازاً يضفي على المرحلة اللغوية إطارها اللغوي العلمي، ووصف المستشرق ((جب)) جهود الكرملي في مجال البحث قائلاً:"لو خيرت في انتخاب عبارة واحدة لوصف الأب انستاس الكرملي لاخترت شديد المراس". 

كما وصفت مجلة (الزنبقة) أبحاثه وتحقيقاته بما نصه:"منتقد متفنن، يخلب الألباب بسحر بيانه وقوة برهانه، فهو عالم مجيد، من أطلع على شيء من نفحات قلمه السيال، وعرف سمو درجته في سماء المدنية، وعلو كعبه في العمران". فقد كان بارز الشخصية في كل مجتمع، لما له من مظهر تلفه مسوح الرهبانية، ومع هذا فقد كان يحتفظ ببساطة نادرة وعقلية فذة حتى نهاية حياته، مما جعل المنزلة الكبيرة التي تبوأها وأثره في معاصريه على اختلاف مستوياتهم العلمية، ونتاجه العلمي الوافر الذي ما زال جانب كبير منه مخطوطاً محفوظاً في خزائن مغلقة. كل ذلك يجعله هدفاً للمزيد من الدراسات ويهيئ لكل منا مجالاً رحباً للتأمل بمكانته العلمية.

عن رسالة 

( الاب الكرملي ودوره الثقافي والفكري )