اول ترجمة للشاعر العراقي الكبير..الرصافي يترجم لنفسه سنة 1912

اول ترجمة للشاعر العراقي الكبير..الرصافي يترجم لنفسه سنة 1912

رفعة عبد الرزاق محمد

ما ان اقرأ في الكتاب الباذخ الثمين ( الاعلام ) لخير الدين الزركلي ، وهو الكتاب الذي لا يستغني عنه احد ، حتى تستوقفني عبارة ذكرها في حاشية ترجمته للشاعر العراقي الكبير معروف الرصافي ، ولم يتنبه اليها الكثيرون ، وهي حاشية مصادر الترجمة ، يذكر فيها : من ترجمة له بخطه تلقيتها منه سنة 1912 .

كنت اعتقد ان رفائيل بطي في كتابه ( الادب العربي في العراق العربي ــ قسم المنظوم ) هو صاحب اول ترجمة للشاعر العراقي الكبير ، فكتابه صدر في العام 1923 ( رفائيل بطي جاء لبغداد سنة 1919 ليكون طالبا في دار المعلمين )، ولم اعثر على تعريف بالرصافي قبل هذا الكتاب النفيس . غير ان النص النادر في مقالنا هنا كتب قبل هذا باكثر من عشر سنين ، فالرصافي ترجم لنفسه في وقت مبكر ، وهو سنة 1912 ، وقد احسن الاستاذ الزركلي بنشر صورة واضحة للصفحة الاولى من هذه الترجمة النادرة .

دفعني فضول البحث عن هذه الوثيقة المهمة ، فالمعروف ان الرصافي كان في تلك الفترة من حياته قليل الحديث عن نفسه قبل ان يستدرجه صديقه كامل الجادرجي للحديث عن بعض ذكرياته ، فحفظ للاجيال التالية وثيقة جديرة بالتقدير .

كتب الاستاذ الرصافي هذه الترجمة ، وهو عضو في مجلس المبعوثان في الدولة العثمانية ، وكان مقيما في الاستانة ، اذ انه ترك العراق في اواخر سنة 1909 ولم يعد الى العراق الا في التاسع من نيسان 1921 . ومن الطرائف ان الكثيرين كانوا يعتقدون ان الرصافي توقيع مستعار لشاعر كبير اراد التخفي لجرأة شعره من اعين السلطات العثمانية 

حدثني الاستاذ عبد الحميد الرشودي رحمه الله ، وهو الامين المؤتمن على تراث الرصافي عن وثيقة خير الدين الزركلي ، ففوجئت بقوله ان هذه الوثيقة كانت لدى الاستاذ رفائيل بطي ، الصحفي العراقي الكبير ، كان قد حصل عليها من الاستاذ الزركلي ، وانه ــ اي بطي ــ نهد الى نشرها قبيل وفاته في جريدته الذائعة ( البلاد ) .. فبدأت رحلة البحث ، وكان توقعي صحيحا من ان رفائيل بطي المتوفى سنة 1956 قد نشرها في جريدته في ذكرى الرصافي لتلك السنة ( توفي الرصافي يوم الجمعة 16 اذار 1945 ) ، فوجدتها في العدد (4600 ) ليوم 16 اذار 1956 . ولا يخامرني الشك في ان هذا النص النادر جدير بالتذكير و التحقيق ، لاقدمه اليوم لمن يعنيه امر الرصافي والفكر العراقي الحديث في نهضته الاولى . 

البلاد ( العدد 4600 ) السنة 27 ، الجمعة 19 اذار 1956 في ذكرى معروف الرصافي .. بقلم (الرصافي) نفسه وجدت عند الاستاذ خير الدين الزركلي مؤلف ( قاموس الاعلام) في القاهرة ترجمة موجزة لمعروف الرصافي الشاعر الخالد مكتوبة بخط الرصافي نفسه وقد ارسل بها الى الزركلي بدمشق سنة 1912 ، اثبتها في ذكراه :

هو معروف بن عبد الغني البغدادي الرصافي ، ولد ببغداد سنة 1294 هجرية ونشأ في الجانب الشرقي منها ، المسمى بالرصافة ، واليه نسبته ، وهو ينتمي من جهة ابيه الى السادة الحسنية ، ومن جهة امه الى قوم من عرب العراق ، يقال لهم اليوم ، الكراغول . وهم بطن من قبيلة شمر بعضهم متحضرون يسكنون المدن واكثرهم من القبائل الرحل يسكنون البادية .

نشأ في عائلة من الطبقة الوسطى ، وبعد ان تعلم القراءة والكتابة في الكتاتيب الاهلية ، دخل في المكتب الرشدي العسكري ، الكائن انذاك في بغداد ولم يكن يومئذ مكتب للحكومة في بغداد غير هذا المكتب الرشدي ، ومكتب اخر اعدادي عسكري ايضا ، فوظب على الدرس في المكتب المذكور ثلاث سنوات ، غير انه خرج منه قبل ان يحوز الشهادة ، وهو انذاك في اواسشط العقد الثاني من عمره.

ولما انقطع عن المكتب المذكور اخذ يتردد على المدارس العلمية الاسلامية في بغداد ، فتتلمذ للعلامة الشهير السيد محمود شكري الالوسي ، وهو مدرس المدرسة الداودية الكائنة في حارة الحيدرخانة في بغداد ، فقرأ عليه العلوم العربية باجمعها ، والعلوم الاسلامية كالاصول والكلام واصول الحديث . وكذا قرأ عليه ايضا المنطق وطرفا من العلوم الحكيمية والرياضية ، على الاصول القديمة . وكان يتردد الى غيره من المدرسين ايضا لدرس الفقه الحنفي بيد انه كان منقطعا الى العلامة الالوسي المشار اليه ، الذي هو اعلم علماء العراق على الاطلاق ، ولاسيما في العلوم العربية فانه وحده ابن بجدتها في تلك الديار .

وقد كان العلامة المشار اليه يعني بالمترجم اعتناء خاصا ، ويقدمه على سائر الطلاب عنده لما يرى فيه من الذكاء والاستعداد لتلقي الدروس حتى انه بذل له جميع كتبه ، فانتفع بعلمه درسا وبكتبه مطالعة ، وقد لازمه وواظب على الدروس عنده زهاء عشر سنوات لم ينقطع عن الدروس فيها يوما واحدا . 

اما ابتداؤه نظم الشعر فكان كما يأتي :

لما اخذ مترجمنا يدرس مباديء العلوم العربية ، وحصل له بعض الالمام بالصرف والنحو ، شرع يقرأ على استاذه المشار اليه شرح ارجوزة ابن مالك في النحو للامام السيوطي ، وصار يحفظ ابياتها ويستظهرها ، وبسبب ذلك تحركت فيه السليقة الشعرية ، فلم يلب ثان صار يحذو حذو ارجوزة ابن مالك فينظم ابياتا نظمها ، كانت الرجز تتضمن مسألة من مسائل النحو ايضا ، وقبل ان يتم شرح الالفية قراءة خطته السليقة على النظم من سائر الابحر ، اذ1 كان يجد في نفسه ميلا الى الشعر ، ولجهله آنذاك بعلم العروض ، كان يعمد الى ابيات من الشعر من اي بحر كانت فيحذو حذوها ، وينظم على مثالها ، وهو لا يعرف من اي بحر هي ، فينظم على هذا النحو مقطعات كثيرة في مواضيع مختلفة ، غير انها لم يكن فيها ما يتضمن تغزلا ، او نسيبا او مدحا ، وانما كان ينظمها في امور تقع له . كما نظم ابياتا في مشاحنة وقعت بينه وبين بعض خلانه او وصف شيء كأبيات نظمها آنذاك في وصف مأذنة بعض الجوامع في بغداد منها هذان البيتان :

وتروق فيه الناظرين منارة خضراء تحسبها عمود زبرجد

وقعت الى جو السماء كأنها كف تشير الى احتقار الفرقد

ولم يكن يجمع ما ينظمه من الشعر ، فلذا ذهب اكثره بل كله ضياعا , وكان في اثناء درسه علم النحو مولعا بحفظ الشواهد ، فلا يمر بيت مما يستشهد به النحويون في كتبهم الال واستظهره مع ما قبله وما بعده من الابيات ، فحفظ بذلك شعرا كثيرا سهل عليه معرفة كثير من مفردات اللغة .

ولم يكن في اوائل نظمه يطلع استاذه الآلوسي على ما ينظمه من الشعر لما انه يخشى ان يظهر زيفه فيخجل . ولما اخذ يقرأ عليه المطول كتب ذات يوم ابياتا ضمنها مدح شيخه الالوسي وعرضها عليه بعد الدرس عليه فأستحسنها وحثه على نظم الشعر وارشده الى بعض ما تلزم الشاعر معرفته ، واعطاه بعض الكتب العروضية لينظر فيها ، فأخذ يطالعها فهو لم يقرأ في العروض درسا وانما اكتفى فيه بالمطالعة ، ومراجعة استاذه فيما يشكل عليه منه ، وهكذا صار يتدرب بالشعر ويتدرج اليه غير اننا لم يتيسر لنا الوقوف على شيء من اوائل شعره لضياعه كما تقدم سوى قصيدة واحدة تعد من اوائل شعره قرظ بها كتاب بلوغ الارب في احوال العرب لشيخه العلامة المفضال السيد محمود شكري الالوسي ، وهي موجودة في آخر الجزء الثالث من الكتاب المذكور .

وبالجملة ، فهو لم يشتهر في الشعر الا بواسطة مجلة المقتبس ، اذ كان يرسل اليها شعره منذ كانت تصدر في مصر قبل اعلان الدستور بسنوات .

اما حياته السياسية ، فليس له شيء كبير منها اللهم الا من حيث انه شاعر فانا نجد له من الشعر السياسي قبل الدستور وبعده ، ما يدل على انه قد خاض غمار السياسة ، فتحزب لبعض الاحزاب السياسية وضرب على قيثارته الانقلاب العسمري ، وترنم في شعره بدعوة القوم الى النهوض سياسيا وادبيا واجتماعيا .