حكاية أول قصة كتبها وحيد حامد

حكاية أول قصة كتبها وحيد حامد

الجو كان محتدمًا للغاية بين عامى 1964 و1967 فى مصر، صراعات سياسية معلنة ومستترة بين الأجهزة السياسية وبالتالى الثقافية والفنية، لم تتوقف الصراعات بين الأجهزة والتيارات والمؤسسات فقط، بل امتدت للقيادات عامر وناصر، وكانت الحركة الأدبية تعمل على قدم وساق،

 والأسماء الجديدة الشابة بدأت تبرز، ونشر إبراهيم أصلان ومحمد البساطى وجمال الغيطانى ويحيى الطاهر عبد الله، وغيرهم قصصهم الأولى، وكان يوسف إدريس المسئول الثقافى فى مجلة الكاتب الطليعية، ونشر قصة "المظاهرة" لبهاء طاهرة فى مايو 1964، وقدمها بشكل حماسى بالغ، كذلك قال بأن قصة هذا الشاب بهائية طاهرية جدا، واحتفى بها كما لم يحتف بكاتب آخر، وكان هذا الاحتفاء فى محله، وفى موقعه تماما، بينما قدّم يحيى الطاهر عبد الله فى أغسطس عام 1965 عندما نشر له قصة "محبوب الشمس" بقدر من الريبة والانتقاص من شأن يحيي، ربما لأن قصة يحيى الطاهر عبد الله كانت صفارة الإنذار الأولى لبداية جديدة للقصة القصيرة، ومن ثم كان إدريس يرى بأن يحيى الطاهر كان متعجلا،

وهنا خالفه الصواب، لأن يحيى شقّ طريقه بقوة شديدة، وبرع أسلوبه، ولمع بين أبناء جيله كله فى ذلك الوقت، وتفوق على كثيرين، ومن بينهم بهاء طاهر "مرشح يوسف إدريس الأول"، ولكن بهاء طاهر كان مستغرقا فى الكتابة لنقد المسرح، وبالتالى فى إخراج مسرحيات البرنامج "الثانى"، وكانت القصة القصيرة تأتى فى المرتبة الثانية أو الثالثة، ورغم هذا كانت هناك عوامل وحدة وصراع بين كتّاب القصة، الوحدة التى كانت شبه مفروضة على الكتّاب الطليعيين الجدد فى مواجهة الجيل الأسبق، وهيمنته على نوافذ النشر الكبرى، والصراع بينهم على تجويد الكتابة السردية، وفى هذا الجو والمناخ جاء وحيد حامد، الطالب فى كلية الآداب، والذى نجح فى تمرير نشر بعض قصصه وهو فى العشرين من عمره، وكذلك حصل على وظيفة حكومية إلى جانب دراسته الجامعية، حيث أنه كان مغتربا، وبالتالى كان يبحث عن منافذ رزق كريمة، وانعكس كل ذلك على كتابته، وكان قد فاز فى مسابقة قصصية عام 1963.

حكايته مع يوسف إدريس

هناك حكاية يحكيها الكاتب والسيناريست الكبير وحيد حامد، عندما بدأ طريق الكتابة فى منتصف الستينات، وتعرّف على الكاتب والمبدع الذى كان اسمه يهزّ الآفاق، أقصد الدكتور يوسف إدريس، كاتب القصة القصيرة الأول فى مصر والعالم العربى، وبعدما قرأ إدريس بعض نماذج من قصص وحيد حامد، لم يقل له رأيه بشكل مباشر، ولكنه أشار له بإصبعه من نافذة مؤسسة الأهرام قائلا: "هل ترى هذا المبنى الذى أمامنا؟"، وعندما أجاب وحيد حامد بـ"نعم"، قال له إدريس بثقة، وربما بمحاولة للتخلص من أن يقول رأيه بوضوح: "مكانك هناك يا وحيد!".

كان ذلك المبنى الذى أشار إليه إدريس للكاتب الشاب وحيد حامد، هو مبنى الإذاعة والتلفزيون، ولم يكن إدريس يمدح الكاتب الشاب الذى مازال كاتبا مبتدئا للقصة القصيرة، ولكن يوسف إدريس كان يريد أن يقول لوحيد: "أنت لا تصلح لكتابة القصة القصيرة، ولكنك تصلح لكتابة التمثيليات"، وبالطبع كان إدريس ينزّه فن القصة تماما، عن فن السيناريو والتمثيليات والحواديت، ورغم أن الحكاية كانت مجرد موقف عابر، إلا أن وحيد حامد صدقّها وآمن بها، واتجه بالفعل إلى كتابة السيناريو، وكانت النتيجة هذا الانقلاب الذى أحدثه ذلك الفنان الكبير فى فنّ السيناريو، وتبقى حكايته مع فن القصة القصيرة، وكأنها خبر مجهول، ومطوى فى صحائف قديمة، ولا يريد أحد أن يتذكره، رغم أنه كان حدثا هاما فى حينه، ويعتبر وحيد حامد أحد المؤسسين الأوائل لظاهرة كتّاب جيل الستينات فى القصة القصيرة.

بدايات الكتابة القصصية

إذن متى بدأ وحيد حامد كتابة القصة القصيرة، نستطيع أن نلتقط الإجابة من مجلة المجلة، وفى عدد أغسطس عام 1966، وكان وحيد قد بلغ توّا الواحدة والعشرين من عمره، إذ أنه من مواليد 1 يوليو عام 1945، فى منيا القمح، وكان مازال طالبا بكلية الآداب، جامعة عين شمس، وكان قد نشر قصصه من قبل فى صحف ومجلات "المحرر" و"الجمهور الجديد"، و"الشبكة"، و"الحرية اللبنانية"، وهذا ما أنبأتنا به مجلة "المجلة" التى كان يرأس تحريرها رفيع المقام الكاتب يحيى حقى، واستطرد محرر "المجلة" فى تعريف الكاتب الشاب بأنه :" فاز بإحدى جوائز نادى القصة عام 1963، وترجمت قصته (التمثال) إلى اللغة التشيكية!، وكان المسرح الحديث سيقدّم له مسرحية (ديك عجوز فى قفص)، كما كان قد شرع بالفعل فى كتابة بعض التمثيليات التلفزيونية، والمدهش أنه كان يعمل_رغم أنه كان طالبا_ بلجنة المساعدات الأجنبية بوزارة الحربية، وهذه وظيفة غريبة جدا فى هذا العمر المبكر.

لم تكن هذه المعلومات منشورة فى المجلة بشكل مجرد، ولكنها كانت مصحوبة بإحدى قصص الكاتب الشاب، وكانت القصة ضمن عدد كامل رصدته المجلة للجيل الجديد، وقد نشر فى ذلك العدد يحيى الطاهر عبد الله وإبراهيم أصلان ومجيد طوبيا ومحمد حافظ رجب وغيرهم، وحظيت كل قصة بنقد رصين لناقد كبير، وكان من حظّ وحيد، الناقدة وأستاذ الأدب الانجليزى الدكتورة فاطمة موسى، والتى قدمت قراءة موضوعية للقصة، وكانت القصة تحمل عنوان "آخر الليل"، وهى تتحدث عن موظف صغير جدا، لا يكاد راتبه يكمل نصف الشهر، وفى آخر يوم من الشهر، تبقى سبعة قروش ونصف، ماذا يفعل بهذا المبلغ، كان بطل القصة يحب السينما، فدخل أحد الأفلام العنيفة، وظل داخل السينما حتى ما بعد منتصف الليل، وعندما خرج من السينما، كانت المواصلات العامة قد توقفت عن العمل، وكان جيبه كذلك خاوى الوفاض، ولا يحمل أى نقود، فاضطر أن يسير على قدميه حتى مسكنه الذى ينزوى فى ميدان السيدة زينب، وفى الطريق صادفته مفاجآت عجيبة للغاية، حتى وصل إلى محل سكنه، حيث كانت مياه المجارى طافحة لدرجة جعلته "يشمّر عن بنطاله"، ورصدت الدكتورة فاطمة موسى ذلك التناقض الذى يبرز فى القصة، حيث إن البطل كان يحلم بجلب هدايا إلى خطيبته، وتراوده أحلام سعيدة كذلك، فى الوقت الذى يغوص فى مياه قذرة، هذا التناقض الرمزى الذى كان يواجه الموظفين بضراوة، وكافة الطبقات الفقيرة التى تدهسها الحالة الاجتماعية.

لم تكن القصة تكرّس كتابة قصة اجتماعية سطحية، بل كان الأديب الشاب يستخدم أساليبه الفنية التى كانت جديدة فى ذلك الوقت، ونستطيع أن نقول بأن تلك الأساليب كانت تعمل على الوقوف أمام القصة الخمسينية، وبالتحديد القصة الإدريسية، لذلك برع وحيد حامد فى استخدام تيار الوعى الذى كان جديدا آنذاك، وكان الجيل الجديد متأثرا بمدرسة الرواية الجديدة الفرنسية، تلك الرواية التى رفع لواءها آلان روب جرييه وكلود سيمون وناتالى ساروت، وراجت أفكار تقنياتهم فى العالم كله، وبالطبع تبناها كتّاب مصريون وعرب، وكان وحيد حامد من أبناء هذه المدرسة الجديدة بامتياز.

وجاء نص المقالة:

مازال موضوع الموظف الصغير يشغل بال كتاب القصة عندنا منذ خرج الرعيل الأول منهم من كم معطف جوجول، على حد تعبير أستاذنا الدكتور حسين فوزى، براتبه الذى بتبخر فى الأيام الأولى من الشهر، وآماله العريضة التى لا تتناسب وإمكانياته المحدودة، وتأنقه بما لا يطابق واقعه الفقير، نموذج صوَّره عديد من كتاب الرواية وخلده نجيب محفوظ فى ذلك الجمع من صغار الموظفين الذى تحفل به قصصه فى مرحلته المتوسطة، حسين وحسنين فى بداية ونهاية، ومحجوب عبد الدايم فى القاهرة الجديدة، وغيرهم كثيرون، إلا أن مثل هذا "البطل ما زال قرة عين القصة القصيرة وخاصة من الشباب – وقد يتخذ أحيانا سمة الطالب الغريب النازح من قرية يعيش بجنيهات قليلة وسط مدينة غنية زاخرة بالمغريات – وقد تختلف نظرة الكاتب إلى هذه البطل من تقمص صريح لشخصيته وتحمل لعب متاعبه على تفاهتها، إلى رثاء له أو سخرية طفيفة من ضيق أفقه وانحباسه فى دائرة – (وهذا نادر ومرتبط غالبا بنضج الكاتب وقدرته على فرض مسافة كافية بينه وبين موضوع قصة) إلا أنهم جميعا يرونه جديرا بالاحتفال، ويتوسمون فى شخصه وفى تجاربه – على فقرها – مادة غنية بالإمكانيات الفنية.

وقد اختار كاتب القصة التى بين أيدينا "لقطة" بارعة فى حياة هذا الشاب الموظف مغامرة فى آخر ليلة فى الشهر، وهى تمثل فى حياته قرار عودة الإحباط التى يتردى فيها بعد فوات الأيام الأولى من الشهر، بينما الغد المرتقب من قمه أماله، ومعقد أحلامه "بذلة كاملة وتليفون لسناء، وجلسة فى كازينو النهر" وهو حلم على تواضعه بعيد المنال قليل التحقيق، فكما أن أول الشهر آت لا ريب فيه، فآخره يتبع أوله بنفس الرتابة والنظام. 

وتجربة البطل فى هذه الليلة تؤكد تلك الخصائص التى قدمنا ذكرها: وحدته وعربته والتناقض بين مظهره المتأنق وحقيقة إمكانياته (قميص لينوه وارد من الخارج، وجيب مفلس ليس به إلا خمسة قروش تعريفة وخمس سجائر فرط).

ورحلة آخر الليل ليست مجردة "مشوار" من الجيزة إلى السيدة زينب مشيا على الأقدام لأنه لا يجد اتوبيسا ولا يمكك أجرة تاكسى، ولكنها رحلة من دنيا الأحلام التى يعيش فيها الملايين، فى عالم السينما حيث كل شىء رائع باهر، والبطل قوى ممتاز، والبطلة رقيقة تنتظر نتيجة المعركة فى (صدرها يعلو ويهبط)، والخير ينتصر ابدا والقصة تنتهى بقبلة طويلة رائعة إلى حارة السادات حيث ماء المجارى يغمر الأرض والبطل يضطر إلى خلع حذائه وجوربه والخوض فى الماء حافيا، وزوجان يتشاجران بعد منتصف الليل شجارا روتينيا وجموع الصراصير فى الشقة الصغيرة المتربة.

والرحلة بهذا المعنى نموذج مصغر لنمط حياة هذا الشاب فى تأرجحها بين قطبى الحلم والواقع والظاهر والباطن.

على أن ما يصيب القصة خلوها من من الحركة progression وبالرغم من براعة "اللقطة" فهى تنتهى من حيث بدأت، فلم يطرأ على البطل تغير يذكر، ولم يخرج من رحلته بجديد فى نفسه، وقد يقع له نفس الحادث غدا أو بعد عام ويسير فى نفس الطريق ويفكر فى نفس الأشياء ولا فرق بينه واليوم والغد.

وليس هذا عيبا فى حد ذاته لو أن الكاتب قد جعل بيننا وبين البطل من المسافة، ما يسمح بأن نراه فى ابعاده، ونتأمله ككل، ونفهم من تجربته ما لا يفهم فيشرق ذهننا بمعنى للقصة يخرج بها عن مجرد حادث مزيف وقع لموظف مفلس فى آخر الشهر.

وقد صدرت له بعد ذلك عام 1971، مجموعته القصصية "القمر يقتل عاشقه"، وأهداها إلى "جيل من الشبان يسعى بجهد وإصرار.. إلى جيل هو الأمل .. أقدّم (القمر يقتل عاشقه)"، واحتوت المجموعة على ثلاث عشرة قصة، وهى "مجرد قرش، آخر الليل، الخطر، الفرس، وجبة بعد منتصف الليل، الإنسان والدنيا، التمثال، لن يفتر قلبى، باقة الورد، ذكريات فردة حذاء، مرحبا أيها الموتى، القمر يقتل عاشقه، قابيل فى نزهة"، ولاقت المجموعة ترحيبا جيدا، حيث أن نقّادا كبارا كتبوا عنها فى ذلك الوقت، ولكن كان وحيد حامد قد سمع نصيحة يوسف ادريس، وهى الاتجاه إلى كتابة السيناريو، وبذلك أهدانا يوسف إدريس دون أن يدرى، كاتبا عظيما للسيناريو، وهكذا لم نخسر كاتبا للقصة القصيرة، ولكننا كسبنا كاتبا للسيناريو هو مدرسة قدّمت الكثير والثمين للسينما المصرية.

من الارشيف