أشهر مشفى للامراض الصدرية .. مستشفى (التويثة) وجنودها المجهولون

أشهر مشفى للامراض الصدرية .. مستشفى (التويثة) وجنودها المجهولون

د .حيدر حميد رشيد

نور عبود كنبر

كانت باكورة أعمال جمعية مكافحة التدرن وثمرة جهودها الأولى هي تأسيس أول مستشفى للأمراض الصدرية في العراق، حيث بدأت الهيأة الإدارية لمجمعية بعقد الاجتماعات لمنظر في نوع النشاط الذي يجب البدأ بهو، فاتصلت بوزارة الشؤون الاجتماعية للسؤال عما يجب القيام بو في باكورة أعمال الجمعية.

 

فأجابت الوزارة بأنه يجب تأسيس مستشفى في بغداد لمعالجة المصابين بمرض السل الفتاك ويكون في ذات الوقت مستشفى تصفية لإرسال من يحتاج من المصابين الى المصحات، حيث كانت الوزارة ترسل بعض المرضى الى مصحات لبنان قبل تشكيل الجمعية ، من ىنا بدأت قصة بناء مستشفى الأمراض الصدرية )التويثة( وفي أثنائه مالا يعد من العبر، فلما كان هذا الأمر يحتاج مبالغ كبيرة من المال لإنجازه، شمر أعضاء الجمعية وعلى راسهم السيد تحسين علي عن سواعد الجد وأخذوا يراجعون الأغنياء من التجار وغيرهم للتبرع بالمال، و حين وصل ما جمعوه الى الأربعين الف، قرروا البدأ بإنشاء المستشفى ولم يتبق لديهم سوى الحصول عمى قطعة ارض في اطراف بغداد على أن تكون صالحة لإقامة هكذا مشروع ، فتم العثور عمى قطعة ارض تابعة للحكومة في الزعفرانية عند ملتقى نهري دجلة مع نهر ديالى، فأعطيت لهم بمساحة خمسة عشر دونما وصدرت الإرادة الملكية بذلك.

وقبل الانتهاء من رسم الخرائط ، حدث فيضان في عام 1949 الذي أغرق اطراف بغداد ومعسكر الرشيد والأرض المخصصة للمشروع، وعليه تم صرف النظر عن هذا الموقع خشية حدوث فيضانات مشابهة، قام بعده السيد حامد الجادر )مدير الطابو العام ( بإرشاد تحسين علي الى وجود قطعة أرض أميرية على ساحل نهر دجلة مقابل مصب نهر ديالى قريبة من الشارع العام بعد جسر ديالى، وبجهود السيد تحسين علي، ومساعدة اكرم زينل مدير الأملاك الأميرية، صدرت الارادة بمنحها وتمليكها للجمعية ، إلا أن هذه القطعة ومساحتها ثمانية دوانم غير كافية لأنشاء مستشفى كبير مع ملحقاته، ولحسن الحظ كانت هذه القطعة متصلة باراضي السيد منعم الخضيري ، الذي وافق ودون تردد على منح مساحة من أ راضيه المتصلة بالقطعة المخصصة للمستشفى، وفي يوم تحديد الاراضي التي قرر الخضيري التبرع بها، أخذ المهندسون يذرعون حتى وصلوا الى حد طبيعي وهو سدة كبيرة فتوقفوا عندها، وبلغت حوالي الخمسة والعشرين دونماً على شاطئ نهر دجلة، سجلها السيد عبد المنعم الخضيري باسم الجمعية، وضعت بعدها الخرائط لأنشاء عشر ردهات في بادئ الأمر تحتوي الردهة الواحدة على ثلاثين سريرا مع قسم الإدارة وجناح للأشعة وصالة للعمليات الجراحية واحدى عشرة غرفة للمرضى الخصوصيين وجناح للأطباء المقيمين وجناح خاص للممرضات وجناح المخازن والمطابخ ووضعت في المناقصة فرست على المهندس الكُفُؤ علي رأفت .

أنشأ بعدها مشروع للماء، وقامت مديرية كهرباء بغداد بمد المستشفى بالكهرباء من مدخل معسكر الرشيد، وكان للسيد محمود الدرة دور كبير في ذلك، وعند المباشرة بإنشاء المستشفى كان على أعضاء الجمعية تأمين مواد البناء التي تعد مكلفة في حساب ذلك الوقت، إلا أن السيد سيمون كريبيان التاجر الأرمني أمن لهم الكمية المطلوبة من الإسمنت بأسعار زهيدة، كما قام بإحضار الشيلمان لتسقيف الردهات من بلجيكا وهو المصدر الوحيد آنذاك دون أن يأخذ عليها أي أرباح ، كما تبرع أصحاب معامل الطابوق بما يقارب الخمسة ملايين طابوقة، وعندما بدأ البناء يرتفع وشاهد الناس جدية الجمعية في بناءمستشفى للمسلولين بدأت التبرعات تنهال على الجمعية حيث قام بعض المحسنين بالتبرع لأنشاء ردهة ذات ثلاثين سرير على حساب كل واحد منهم بكلفة ستة الأف دينار، وتبرعت مديرية السكك الحديدية العامة بملبغ سبعة الالف دينار لبناء ردهة خاصة لعمالها، وتبرع السيد عبد الحميد الدهان بتكاليف ردهة خاصة للأطفال .

أنشأت المستشفى في ثلاث سنوات وجرى افتتاحه في اليوم الأول من شهر أب عام 1951 باحتفال رسمي كبير حضره الأمير عبد الاله الذي وافق أن يطلق اسمه عليه فسمي )مستشفى الأمير عبد الاله للامراض الصدرية ( وبقي محتفظاً بيذا الاسم حتى نهاية العهد الملكي، اصبح يعرف بعدها )مستشفى التويثة للأمراض الصدرية( . بهذه الجهود انجز هذا الصرح العظيم والأول من نوعه في العراق، بسواعد من حمل هم العراق ،وهم أبناؤه ولم يقف مكتوفاً في زمن كان جميلا، ولكم في التاريخ عبرة.

مثل مستشفى التويثة الخطوة المهمة في طرائق الكفاح ضد مرض السل واضافة نوعية للارتقاء بالواقع الصحي في العراق، لعدة اعتبارات ترتبط في كونه المستشفى المتخصص الأول في معالجة التدرن الرئوي في العراق، فقبل ذلك كان مرضى السل يرسلون الى خارج البلاد للعلاج أو يودعون في مستشفى العزل بانتظار الموت واحداً تلو الأخر ، كما ارتبطت أهمية المستشفى كذلك بحداثة وروعة التصميم ومطابقته المواصفات العالمية لمصحات التدرن الرئوي وكفاية التجهيزات الطبية التي زود بها، ووسائل الترفيه والراحة التي جهز بها من إنارة وأجهزة تبريد وتكييف، ومكتبة واذاعة داخلية ودار للسينما كما وألحق بالمستشفى مكتب للبريد، ومركز للشرطة ومعامل للغسيل، والتعقيم، ومحرقة، ومولدة كيربائية، وغيرىا من مستلزمات المستشفيات المماثلة في العالم حتى وصفته صحيفة الزمان في عددها الصادر في الثامن عشر من كانون الثاني 1949 بأنه )أية في تنظيمه واستيعابه لجميع المرافق) .

يتكون المستشفى من جناحين أحدىما للرجال والأخر للنساء وضم كل جناح على عدد من الردهات الواسعة، ولكل ردهة قاعة واسعة للتشميس وجناح للتمريض الخاص، فضلاً عن غرف خاصة للأطباء والممرضين والمضمدين . وتوسط الجناحين بناية واسعة تحتوي على المختبرات وصالات العمليات الجراحية ة وأقسام الأشعة الحديثة، وأقسام المكتبة والمخزن والمطابخ. ولما كانت مالية الجمعية والتبرعات التي تصلهاغيركافية

لإدارة مثلهذا المستشفى العتيد، أ رتات الجمعية أن تدع هذا الأمر الى وزارة الشؤون الاجتماعية ببدل إيجار سنوي قدره ستة الآف دينار ، اختارت الجمعية احد أعضائها للاضطلاع بمهمة إدارة المستشفى، بالاتفاق مع وزارة الشؤون الاجتماعية، فتم تعيين الدكتور محمد حسن سلمان مديرا لمستشفى الأمير عبد الاله بدرجة مدير صحة مع بعض الصلاحيات تسهيلا لمهمته .

كان إنشاء مستشفى خاص بالأمراض الصدرية حلماً يخالج مخيلة الدكتور محمد حسن سلمان، حيث يذكر انه حال عودته مندراسة الاختصاص في الأمراض الصدرية في إنكلترا عام 1934 تقريرا عن الخطوات التي ي راها ضرورية لمكافحة السل في العراق، وكان بناء مستشفى خاص بالصدورين من جملة ما اقترحه في التقرير، إلا أن التقرير اهمل لسبع عشرة سنة، حتى قام مستشفى الأمير عبد الاله ليلبي جزءا من ذلك الحلم.

م . التراث العلمي العربي ع 37 لسنة 2018 .