من ذكرياتي الطبية

من ذكرياتي الطبية

د. عبد الهادي الخليلي

لقد فتحت عيني على الحياة وأنا في محيط طبي أعيشه بكل تفاصيله من الصباح الى المساء، حيث كان والدي يتعاطى الطب العربي الاسلامي والذي ورثه من الآجداد خلال خمسة أجيال. فلقد ورث آل الخليلي مهنة الطب من الطبيب الأول الخليل بن علي الرازي أبو الاسرة.

كان له من الاولاد أربعة أخذ اثنان منهم طريق الطب وهما محمد حسن (جدي الأكبر) ومحمد باقر ونبغوا فيه كوالدهم الخليل. وأخذ أحد الاولاد حسين طريق الدين والفقه ونبغ به هو الآخر فأصبح مرجعا أعلى للطائفة  والرابع الملا علي الذي اشتهر بتقاه وورعه. وتفاصيل هؤلاء وبقية عائلة الخليلي مفصلة في فصل عائلة الخليلي.

في تلك الحقبة كان هناك من أقران الوالد ومن أفراد العائلة ممن مارس الطب العربي الاسلامي اخيه حسن الخليلي في مدينة السماوة وأبناء عمومته محمد بن صادق الخليلي ومحمد صادق بن جعفر الخليلي وصهر أل الخليلي جميل الجواد (والد الدكتور خليل جميل) وكانوا جميعا في النجف الاشرف أماخليل بن صادق الخليلي أخ محمد الخليلي كان في الكاظمية وكنت أتردد عليهم جميعا عند سنوح أية فرصة. 

كان والدي يعالج المرضى في “دار حكمته” في جانب من بيت سكنانا. وكنت أنا وأخوتي نهيء المكان من حيث التنظيف وأكمال المتطلبات من الأوراق والاقلام والسيكاير وغيرها. وكنت أقضي معظم وقتي في معيته وأنا أعيش معه ومع مرضاه. ولقد شدني كثيرا ماأحسست به ومن أعماقي بالعلاقة السحرية بينه وبين مرضاه من طفل ورجل وامرأة وعجوز حيث كان يضفي على العلاقة الطبية معهم بما يتصف به من بشاشته ولطفه واستخدام النكتة العفوية للتخفيف من ألم وخوف المريض. أقول لقد بهرت بتلك المشاعر والعلاقة وردود فعل المرضى وحبهم وتقديرهم له مما جعلني أفكر بما أحب أن أكون عليه في مستقبلي وأنا في تلك السن المبكرة. 

وبالرغم من حداثتي وقلة خبرتي ولكن بعد انغماس في التفكير ولاأقول صراع مع النفس ولكنه الانشداد الى فكرة مسار الحياة قررت في داخلي أن أسلك هذا الطريق وأن أعمل على تحقيقه. لم أبح بهذا القرار لأحد في حينه ولكنه كان قرارا في داخلي وكان قرارا نهائيا بالنسبة لي.

ذكرت في فصل “البداية” الكثير عن المرحلة التي سبقت دخولي كلية الطب. وملخصها أني فشلت في الامتحان النهائي البكالوريا في الصف الثالث واضطررت للدخول في الفرع التجاري في الثانوية وقررت أن أعمل جاهدا لأصحح مسيرتي باتجاه الطب وعليه أعمل على أن أعفى من الامتحان النهائي كي أتمكن من التحضير للامتحان ثانية لبكالوريا الصف الثالث المتوسط كطالب خارجي. وهكذا كان وتفوقت في الامتحان ودخلت الفرع العلمي الصف الرابع وأقراني انتقلوا الى الصف الخامس ولم يؤثر ذلك بي أبدا وبكل ثقة واصلت دراستي في الفرع العلمي. ولكني أصبت بفشل آخر وهو ان معدلي في بكالوريا الصف الخامس الثانوي (النهائي) كان يقل بمجموعه  بدرجتين عما قبلت به الكلية. أصبت بهذه الصدمة الكبيرة واضطررت للدخول في كلية الهندسة. وخلال الحصة الاولى من الدراسة طرق سمعي ان الكلية الطبية فتحت باب القبول ثانية لعدم اكتمال العدد المطلوب. هرعت الى هناك وقدمت أوراقي وتم قبولي وحققت هدفي الذي رسمته منذ الصغر.  

وبدأت مسيرة الطب التي كنت أنتظرها وأستعد لها ولله الحمد على ماحصلت عليه. وفي الكلية أصبت بإحباط أخر حيث أكملت في مادة الآحياء في السنة الاولى ولكن وبمرور السنين كنت من المتفوقين وفي نهاية المطاف كنت الخريج الآول في الكلية. 

وقبيل تخرجي من كلية الطب بأربعة أشهر اجتزت إمتحان الممارسة الأمريكي الذي كان يقام في العراق. وبذا فقد أصبحت “طبيبا” في المقياس الأمريكي قبل أن أكون طبيبا متخرجا من طب بغداد العراقي.

مما أفخر به قول الاستاذ خالد القصاب عني في برنامج سيرة وذكريات الذي كانت تقدمه السيدة ابتسام عبد الله “انني كنت أفضل طبيب تخرج على يده”. وفي المملكة المتحدة ذكر استاذي مايلز كيبسون ومستشار جراحة الدماغ للجيش البريطاني في كتاب أرسله لأدارة المستشفى بأنني كنت “أفضل طبيب عمل معه في المستشفى الجامعي في ليدز خلال الخمس عشرة  سنة الماضية».

الكلية الطبية

تتميز كلية الطب بين الكليات الآخرى لكونها أنشأت على أسس قويمة ومن قبل اختصاصيين مرموقين من العراقيين والبريطانيين. وهي الكلية الثانية العريقة في العراق إذ سبقتها كلية الحقوق التي استحدثت في العام 1908. أصبحت الكلية الطبية في العقود التالية لإنشاءها من أفضل الكليات الطبية في المنطقة تتنافس مع الجامعة الامريكية في بيروت التي تأسست عام 1885  والقصر العيني في مصر والتي تأسست كمدرسة للطب في النصف الأول من القرن التاسع عشر. 

كنت ولاأزال أفخر أن العديد من أساتذة الكلية معروفون على مستوى العالم في الحاضر والماضي فقد نشر مثلا الكتاب الشهير “المرافق للدراسات الجراحية» (A Companion in Surgical Studies)  تأليف الجراح البريطاني المعروف إيان أيرد (Ian Aird) والذي كان جراح القائد مونتكمري في معركة العلمين في الحرب العالمية الثانية.  والكتاب غريب في إصداره حيث أن المتعارف عليه أن الكتب الجراحية تكون مملوؤة في العادة بالصور التوضيحية لتسهيل الاستيعاب، ولكن هذا الكتاب كان يخلو من الصور بتاتا ماعدا صورة توضيحية واحدة لعمية مبتكرة لتقويم شق اللهاة الولادي للأستاذ وواردل (Wardell) استاذ الجراحة في كلية طب بغداد. 

كذلك الاستاذ دونالد دوكلص(Donald Douglas)  الذي كان أحد أساتذة الجراحة في بداية الاربعينات وبعدها غادر العراق في 1945 وعاد الى جامعة سانت اندروز وجامعة دندي في اسكتلندا وتدرج حتى أصبح رئيسا لكلية الجراحين الملكية البريطانية في ادنبرة , ومنحته ملكة بريطانيا لقب فارس (Sir). التقتيته خلال تدريبي في دندي حيث كان رئيس قسم الجراحة هناك وكنا نتحدث عن العراق وأيامه الخوالي . كان العديد من الاساتذة الأجانب وغالبيتهم من البريطانيين من خيرة المتخصصين في جيلهم. لذا كان الاطباء العراقيون خريجو كلية طب بغداد من المتميزين في أي مكان قصدوه في العالم.. 

بناية الكلية:

حينما تتوجه من الباب المعظم باتجاه دجلة الخير تشاهد على يسارك قاعة الشعب (قاعة الملك فيصل سابقا) ومن بعدها بهوالأمانة ومن خلفهما وزارة الدفاع التي تمتد الى ساحة الميدان. وعلى اليمين تقع الجدران الخلفية لسجن بغداد المركزي وسجن النساء. تذهب عند بهوالامانة نحو اليمين باتجاه بناية كلية الطب فترى على يمينك بناية كلية الصيدلة وبعدها عيادة الصحة النفسية ومن ثم المعهد الباثولوجي وعلى اليسار معهد الاشعة.  وتقابلك بناية الكلية وعلى يسارك تشاهد مكتبة الكلية الطبية. وإذا اتجهت الى اليمين عند المعهد الباثولوجي يكون المعهد البكتريولوجي والمصولات على يمينك. وباستمرارك الى الخارج تصبح في الشارع حيث يقع على يمينك معهد الطب العدلي.   ويقع بجانب معهد الطب العدلي سجن النساء والملاصق لسجن بغداد المركزي  ومقبرة باب المعظم.   ينتهي ذلك الشارع الفرعي عند شارع الامام الاعظم مقابل وزارة الخارجية.