دعوة لاستذكار أستاذنا الكبير الفنان إبراهيم جلال

دعوة لاستذكار أستاذنا الكبير الفنان إبراهيم جلال

علي كامل

كان الفنان إبراهيم جلال شخصية قلقة ومتشككة ولم يكن حبيس أفكار ثابتة وجاهزة، ففي كل مرة كان يجد نفسه في مواجهة سؤال يقوده إلى كشف جديد عن وسائل مبتكرة لا توقعه في مأزق مخالفة السائد بقدر ما تمنحه متعة الاستكشاف وعذوبة البحث. كان يرى في خشبة المسرح فضاءاً جمالياً وإنسانياً لصراع الأفكار، وكان مسعاه وضع حد لذلك الوهم الذي أفسد عقل المتلقي وحسه، وجّل جهده كان ينصّب في تحريك تلك الذهنية الآسنة الكسولة للمتفرج وجعله مشاركاً أساسياً في صنع الحدث المسرحي وتغيير مساراته. 

لقد ترك الفنان الراحل حقي الشبلي تأثيره الواضح على تلميذه الشاب جلال كممثل ومخرج فقد أسهمت جهوده من تمكين تلميذه تطوير حس الإلقاء والتلفظ ورشاقة الحركة ودقة التعبير. وقد أثارت براعته إبراهيم كممثل انتباه بعض المخرجين السينمائيين العرب الذين قدموا حينها إلى العراق فلعب أدواراً في عدد من الأفلام أمثال «القاهرة بغداد» إخراج أحمد خان وفيلم «عليا وعصام» للفرنسي أندريه شوتان و فيلم «ليلى في العراق» للمخرج المصرى أحمد كامل مرسي، وأفلام عراقية أمثال «شايف خير» و «سنوات العمر» وغيرها. 

أما في ميدان الإخراج فقد كان أسلوب إبراهيم يحاكي كثيراً أسلوب أستاذه الشبلي وإن تميز عنه باستخدام طرائق جديدة في التحليل والتعليل قبل التوصل إلى النتائج، فضلاً عن شغفه بالحوار مع الممثلين كمنهج للوصول إلى طرق مبتكرة في الأداء. وهكذا، وبتأثير من الشبلي، ورهافة حس الفنان الشاب، بدت الملامح الأولى لمنهج يكاد يقترب من منهج ما كان يسمى حينها بمنهج «الطريقة» من دون أن يعلم ذلك الفتى، على حد تعبير الفنان سامي عبد الحميد. وقد تجسد تطبيق ذلك المنهج في عرضه

المميز لمسرحية تشيخوف «أغنية التم» ومسرحية «ست دراهم» ليوسف العاني، وعروض أخرى في «فرقة المسرح الفني الحديث» التي أسسها هو ويوسف العاني عام ١٩٥٢.

التحق جلال في تلك الحقبة بمعهد الفنون الجميلة وتولى رئاسة قسم المسرح في معهد الفنون الجميلة تزامناً وعمله في فرقة المسرح الفني الحديث، ولعل أبرز نتاج مسرحي قدمه لفرقته إنذاك هو مسرحية «آني أمك يا شاكر» ليوسف العاني والتي أحدثت يومها دوياً في الوسط الفني والسياسي على حد سواء لموضوعها الجريء وأسلوبها الإخراجي المميز.

في عودته من الولايات المتحدة وبعد أن أنهائه دراسة الماجستير بإطروحته الموسومة «نظرية التغريب البريختي»، استطاع إبراهيم أن يتقن واقعية ستانسلافسكي وملحمية بريخت على حد سواء، مبتدئاً مشواره بمسرحية «الطوفان» التي كتبها أحد تلامذته وهو عادل كاظم، الذي سيصبح كاتبه المفضل إلى وقت متأخر، حيث أخرج له في البدء مسرحية «مقامات أبي الورد» و «عقدة حمار» ثم توالت الأعمال فيما بعد كمسرحية «المتنبي» و عملهما المشترك في إعداد مسرحية «دائرة الطباشير القوقازية».

إن الخيط الرابط بين إبراهيم جلال وكاتبه عادل كاظم هو إنهما لم يكونا يحفلا بهموم الناس اليومية وقضاياهم العابرة ولم تأخذهم الظواهر الحياتية الجزئية، إنما انحصر تركيزهما في العثور على العام والثابت فيما ينتظم الناس من وضع أو ظاهرة، مستشرفين من اليوم ما سينتهي إليه الغد، ومسكهما الجوهري لما ينطوي عليه الفرد من نزوات راهنة ومسارات توجه ذلك الراهن وصيرورته، دون أن 

يحملهما ذلك على تجريد نماذجهما أو فصلهما عن مجرى التيار اليومي لحركة الناس الاعتيادية. فالبعيد الذي أرادا الإمساك به وانتزاع خصائصه الجوهرية لم ينسيهما المألوف بالطبع، بل كان يفجر لديهما نسغاً حياً ينساب في عروق ذلك البعيد الذي يسعيان للوصول إليه. لذا فقد كانت نماذجهما (بعيدة ـ قريبة) إذا جاز القول، وكان قد أطلق على هذا الاتجاه حينها (مسرح التحّولات الاجتماعية أو مسرح الكشف والتغيير). ولعل ذلك يفسر تعويلهما على التأريخ والأسطورة والحكاية الشعبية وميلهما إلى استخدام الأسلوب الملحمي في الطرح.

كانت الظاهرة الإخراجية في المسرح العراقي فترة السبعينات من القرن الماضي قد شهدت بلورة أساليب وطرق الإخراج لدي المخرجين المسرحيين العراقيين، فقد سعى البعض في إيجاد خصوصيات في طرق معالجتهم للنص المسرحي، وكان في مقدمة أولئك المخرجين الفنان إبراهيم جلال الذي تميز بدقة معالجاته وطرق تطبيقاته للمنهج الملحمي البريختي في جميع النصوص التي أخرجها سواء كانت مكتوبة خصيصاً بأسلوب ذلك المنهج أو لا. وقد برز تطبيق ذلك المنهج بشكل جلي في إخراجه مسرحية «بونتيلا وتابعه ماتي» لبرتولد بريخت بعد أن حّول الشاعر صادق الصائغ حوارها إلى العامية العراقية واستبدل عنوانها بـ «البيك والسايق». 

في إخراجه ومحاولاته الدؤوبة كان إبراهيم يسعى إلى إبراز عوامل التغريب في أي نص يتناوله واتباعه منهج الميزانسين الرينهارتي في التعامل مع الممثلين وطرق تحريكم على خشبة المسرح معتبراً أن المجموعة على خشبة المسرح هي بمثابة كتلة واحدة معّبرة وليست أفراداً مختلفي التعبير. وقدوقد اهتمت عروضه تلك بجمالية المشهد وتعبيريته أكثر من اهتمامها بالتفاصيل. وكان إبراهيم يضفي على تلك العروض مسحة شعبية عراقية ذات قيمة جمالية تفتقر إليها الكثير من التجارب المسرحية العراقية وتغيب عن معظم اتجاهات مخرجينا آنذاك.

كان صياداً ماهراً يتسقط الايحاءات والرموز في ظلال النص خالقاً منها صوراً تدفع النص نحو الأمام بهدف إكمال حلقته الإبداعية التي لم يكملها المؤلف. من هنا تميزت نتاجاته قياساً بنتاجات مجايليه. فسامي عبد الحميد مثلاً، وهو الذي يشكل اسماً بارزاً في المسرح العراقي والعربي على حد سواء، كان همه محاولة توظيف النص العالمي وجعله محلياً هدفاً في أن يحقق من خلال ذلك مفهوم الجدلية في شمولية عملية الابداع، فضلاً عن سعيه إلى إيجاد وخلق ممثل محلي بسمات فكرية عالمية، إلا أن مسعى كهذا يصعب أن يجد له تطبيقاً دائم بالطبع. الممثلون لدى سامي هم أهّم من النص!، ولذا تجده غالباً ما تجده يبحث عن نص محلي جيد (معروف أن معظم النصوص التي قام بإخراجها للفرقة هي من تأليف يوسف العاني). 

مسعى سامي هو البناء الجدلي داخل النص، وتنفيذه ذلك يعتمد على إلباس المسرحية ثوباً عراقياً بحتاً وعكس ما هو محلي على المسرح. فقد كان أحياناً يسعى إلى تأليف ما يريد إخراجه على الخشبة من خلال المقترحات التي يقدمها إلى المؤلف قبل كتابة النص!. والنص بالنسبة لسامي مسألة شاقة وعسيرة، فقد كان يحّمل أحياناً نصوصاً ضعيفة تأويلات أكثر مما تحتمل فينعكس ذلك سلباً على عملية الإخراج ذاتها رغم وضوح الرؤية الإخراجية. لكن، عندما يكتشف نصاً جيداً تتحول طريقته الفنية حينها إلى شيء حسي يلامس عقل وعواطف المتفرج العراقي بشكل إيجابي. 

ولو تناولنا فناننا الراحل قاسم محمد سنجد أن قاسم كان اختصر الطريق على نفسه وفنه ببحثه الخاص الجاد والمميز عن أشكال درامية لها شعبية ثقافية وفكرية استطاع أن يحقق فيها توازناً منطقياً بين ثقافته وبين حاجة المسرح العراقي. لقد اختار الأستاذ قاسم نصوصاً وأحداثاً من الحياة وفصولاً من بطون الكتب. غار في التراث كغوره في الواقع الراهن، وفضله أنه حاول أن يكتشف فضاءه الخاص به وقوة جهده ما يجعل من ذلك الخاص عاماً!.

أما إبراهيم جلال فهو يقودك، عبر محاولاته التجريبية، إلى التنوع والغنى والسعة في الاجتهاد والتفسير، فجّل اهتمامه ينصب على إبراز العلاقات داخل النص والباسها ثوباً محلياً يجعل منها

بالتالي نموذجاً عالمي. فاللغة الفصحى بالنسبة له ينبغي أن تكون سهلة وغنية في الأداء وثرية بالموحيات صافية الجرس دالة المعنى، مستهدفاً من ذلك تحقيق أكثر من غرض وحاجة لعل أولها إغناء أداء الممثل وإعادة بناء جسده وروحه وتنشيط ما سكن في مخيلته. لذلك نجده متشدداً صارماً في حركة الممثل وطريقته نطقه.

وإبراهيم مخرجاً لا يكف في اللعب مع النص ما دام العرض متواصلاً فنجده لا يتوقف عن الحذف والاضافة بعد كل ليلة عرض، بل الأكثر من ذلك أن لديه على الدوام رغبة لإعادة إخراج النصوص التي سبق له أن أخرجها!.

عثوره على أسلوبه الخاص به جاء ثمرة لجهده وبحثه المتواصل الذي اكتشفه من خلاله أن جوهر الجدل موجود في عملية الكثارسس أو التطهير الأرسطية ذاتها، فالطقوس التي كان يمارسها الانسان قد تحولت إلى ولادة الممثل والجوقة على يد ثيسبس وأسخيلوس اليونانيين، والتي نقلت المسرح من العام إلى الخاص. هذه النقلة، التي هي ليست عابرة، يعتبرها إبراهيم نوعاً من التغريب!.

حينها وصل إبراهيم جلال إلى النقطة الحاسمة التي ستشكل أسلوبه ألموسوم بـ «الهارموني»، هذا العنصر الجمالي الذي سيكون حلقة الوصل بين التطهيرالأرسطي والتغريب البريختي.

كان إبراهيم يضع المتناقضات وجهاً لوجه لاستنباط قيم نوعية، وأكثر ما كان يشغله هو البحث عن هوية خاصة ومتميزة للمسرح العراقي. لقد كان يساءل نفسه على الدوام عما قدمّه هو ورعيله منذ أربعينات القرن الماضي وحتى سنواته الأخيرة فيما يتعلق بموضوع الأصالة في المسرح: 

«أحسب أننا لازلنا لم نأتِ بما نحلم به» هذه الجملة طالما رددها بيننا نحن تلامذته. وكان يسعى إلى تحقيق ذلك الحلم بطرق متباينة ومتنوعة تبدأ من المحاكاة، كمرحلة أولى، ثم الممازجة وانتهاءً بعملية الخلق. «الاكتشاف مهما بدا بسيطاً لكنه يحمل تميزه الخاص»، هذه الجملة التي كانت ترّن في رأسه على الدوام.