عندما انقذنا الشاعر الرصافي من الموت !

عندما انقذنا الشاعر الرصافي من الموت !

محمد بهجة الاثري

كنت أقرض الشعر و انا طالب اتلقى العلم على الاستاذ الرصافي ومربيه الاكبر الامام محمود شكري الآلوسي فنظمت قصيدة رائية ارحب فيها به وكان بين الامام الآلوسي وتلميذه ، حيث أعطيتها الى شخص القاها في الحفل بالنيابة عني ولم يعلم احد عن اسم قائلها وقد دفعني شعوري لنظم هذه القصيدة لاكبار ادب الرصافي .

 

وكنت في قرارة نفسي افتقد الجانب الشعري الذي انزع اليه بطبيعتي فوجدت في شعر الرصافي وشوقي وحافظ ابراهيم والزركلي وامثالهم من حداة الركب العربي الى المجد فتعلقت بحماسيات الرصافي وطنياته كما اكبرت شاعرية شوقي اكبارا لاحد له ، ومن هنا نشأت بيني وبين المرحوم الزهاوي خصومة ادبية اذ وجدته يتحامل على هذين الشاعرين تحاملا لا مسوغ له ولا سيما من مثله فدخلت معه في سلسلة طويلة من المناقشات الادبية كان ميدانها جريدتي العاصمة والعراق وكان ذلك دفاعا عن شعر شوقي وقد ساء الزهاوي موقفي وموقف جريدة العاصمة لصاحبها الاستاذ حسن غصيبة وكان الاستاذ ابراهيم صالح شكر يكتب فيها فهاجمنا جميعا بقصيدته :

ملؤا صدور الصحف حقدا والحقد قد سموه نقدا

فناقضتها فورا بقصيدة تسامع بها الادباء ولم ابح لنفسي نشرها لانها كانت قاسية ومطلعها:

يا شاعرا قد ساء قصدا واني لعمر الله ادا

وانتهى خبرها الى المرحوم الرصافي فاحب سماعها مني فلما انشدتها اياه طرب لها ولم يخف انكاره لمسلك الزهاوي في الاستخفاف بالادباء والشعراء وشجعني على المضي في الشعر .

وكان الرصافي لا يحب من الزهاوي دعواه وحبه للظهور ويجد في ذلك منافسة له تحد من مكانته فكان يسره ان تضعف مكانة الزهاوي ولكنه لا يطلب بلسانه من احد ولا اسمعه يذكره بسوء . وكانت الايام تباعد بينا تارة وتقرب اخرى فكنا احيانا ، نفترق على خلاف وقد يبلغ بنا احيانا الى حد الجفوة فاذا التقينا في طريق فلا اسلم عليه ولا يسلم علي ولكنا مع ذلك يحترم احدنا الاخر، وقد اتفق ان هاجمته مرة في جريدة الاستقلال بمقال مسهب في بعض الموضوعات الاجتماعية لم اخرج فيه عن حدود الذوق والادب كعادتي فيما اكتب . وكان الرصافي يومئذ يصدر جريدة الامل ولى في هذه الجريدة من قبل بعض الآثار الادبية ومنها تحيتي الشعرية لثورة عبد الكريم الريفي فكتب الرصافي كلمة عتاب رقيقة لم ينس فيها سورة غضبه والاشادة بي والاشارة الى لحمة الادب التي تجمع بينا وما يتوقعه لي من مستقبل زاهر ثم لا ادري من بعد كيف التقينا على وفاق ؟

واعتقد ان مرد ذلك فيما بيننا الى روح الاستاذية التي جمعتنا وجعلت منا اخوي مدرسة واحدة اذا باعدت بينهما بعض الآراء فتأبى طبيعتها الا ان يبقيا وفيين لمدرستهما الاولى واصولها التي جمعت بين قلبيهما.وكنا في مصر حين بدأ نوع من التقارب بين البلاد العربية ورأت السياسة يومئذ ان تستقدم اناسا من مصر يذيعون المودة بين البلدين وان توفد بعوثا عراقية الى البلاد العربية لتوثيق الآواصر وقد وقع الاختيار علي يومئذ من قبل الوزارة الهاشمية ان اقوم بقسطى من ذلك في الجانب العربي الاسلامي وان اشارك في عدة وفود اوفدتها الحكومات وكان في بعضها الاستاذ الرصافي . وكان الوفد الذي اشترك فيه الرصافي هو الوفد النيابي ولكن هذا الوفد لا يمثل النواب ولكن يمثل اخلاطا من الموظفين وبعض الوجوه ونفر من النواب وكبار الموظفين وكان الرصافي بينهم كالتائه لا يجد طمأنينة الا ان اجتمع به انا وبعض الادباء وكان غاضبا حاقدا متألما .

وعند رجوعنا كان الرصافي سببا في انقاذنا من تيه في بادية الشام قد يكون مؤداه الموت كان الرصافي معنا في السيارة وهي تخب بنا طوال الليل لا تكاد تغمض له جفن وكان جالسا بجواري في السيارة وكان لاينقطع عن التدخين والتطلع الى السماء ولم اشعر الا بصرخة تنطلق من فيه يقول للسائق قف لقد اهلكتنا فوقفت السيارة واستيقظ الركب وطفقوا ينظرون ما الامر وكان الرصافي يراقب سير السيارة واذا هي كانت تسير باتجاه معاكس وقد عرف ذلك من مراقبته للنجوم فلما نزل الركب وتطلعوا ونظروا الى السماء تحققوا صدق كلامه فامر السائق بالاستدارة واخذ يوجهه وجهة العراق حتى انتهى بنا المطاف الى الطريق العام .

م . الوادي لسنة 1959

( العدد الخاص بالرصافي )