بين المس بيل ونقيب بغداد 1920 ــ 1921..البحث عن مصير العراق ومستقبله

بين المس بيل ونقيب بغداد 1920 ــ 1921..البحث عن مصير العراق ومستقبله

د صباح الناصري

بـيـنـمـا كـانـت الـقـوى الأوربـيـة الـكـبـرى الّـتي انـتـصـرت في الـحـرب الـعـالـمـيـة الأولى تـستـعـدّ في عـام 1919 لـلـمـشـاركـة في مـؤتـمـر الـسّـلـم في بـاريـس، صـرّح الـرّئـيـس الأمـريـكي وودرو وِلـسـن  Woodrow Wilson أنّـه يـأمـل أن يُـمـنـح لـلـشّـعـوب الّـتي خـسـرت دولـهـا الـحـرب الـحـق في تـقـريـر مـصـيـرهـا. ولـم تـسـتـطـع الـدّول الأوربـيـة إلّا أن تـظـهـر احـتـرامـهـا لـقـرار الـرّئـيـس الأمـريـكي.

ولأنّ الـحـكـومـة الـبـريـطـانـيـة كـانـت تـجـهـل كـلّ مـا يـتـعـلّـق بـسـكّـان الـولايـات الـعـثـمـانـيـة الـثـلاث : بـغـداد والـبـصـرة والـمـوصـل، الّـتي كـانـت تـنـوي تـوحـيـدهـا في دولـة، فـقـد طـلـبـت مـن الـكـولـونـيـل الـسّـيـر أرنـولـد وِلـسـن Sir Arnold Wilson

الّـذي كـان قـد عـيّـن عـام 1918 مـنـدوبـاً لـلإدارة الـمـدنـيـة الـبـريـطـانـيـة في بـغـداد خـلـفـاً لـلـسّـيـر بـرسي كـوكـس Sir Percy Cox، أن يـسـتـفـتي آراء الـنّـاس في هـذه الـولايـات الـثّـلاث. ولـم يـكـن الـكـولـونـيـل ولـسـن مـتـحـمّـسـاً لـمـبـدأ حـقّ تـقـريـر الـمـصـيـر، وكـان يـفـضّـل عـلـيـه اسـتـعـمـار الـعـراق وربـطـه بـحـكـومـة الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة، فـتـكـلّـفـت جـرتـرود بـيـل  Gertrude Bell ، سـكـرتـيـرة الـشّـؤون الـشّـرقـيـة في بـغـداد بـتـنـفـيـذ الإسـتـفـتـاء.

وكـانـت الـمـس بـيـل ضـدّ فـكـرة اسـتـعـمـار الـعـراق. وكـانـت تـدافـع عـن مـشـروع إنـشـاء دولـة مـوحّـدة لـلـولايـات الـثّـلاث لـهـا اسـتـقـلالـهـا الـذّاتي ولـكـن تـحـت الإنـتـداب الـبـريـطـاني.

وقـررت الـمـس جـرتـرود بـيـل أن يـجـري الإسـتـفـتـاء بـاخـتـيـار 75 مـنـدوبـاً تـنـتـخـبـهـم الـمـدن الـكـبـرى والـجـمـاعـات الـدّيـنـيـة الـرّئـيـسـيـة، ثـمّ تـطـرح عـلـيـهـم ثـلاثـة أسـئـلـة : هـل يـرتـضـون بـإنـشـاء دولـة مـوحّـدة مـن كـردسـتـان شـمـالاً وإلى الـبـصـرة جـنـوبـاً ؟ وأن يـتـرأسـهـا أمـيـر عـربي ؟       وهـل لـديـهـم مـرشـحـون لـهـذا الـمـنـصـب ؟

وكـانـت أجـوبـتـهـم مـتـعـارضـة مـا عـدا إجـمـاعـهـم عـلى ضـرورة إنـشـاء دولـة واحـدة تـضـمّ الـولايـات الـثـلاث. وكـان عـلى جـرتـرود بـيـل أن تـكـتـب تـقـريـراً مـفـصّـلاً عـن نـتـائـج الإسـتـفـتـاء عـنـونـتـه : “حـقّ تـقـريـر الـمـصـيـر في مـا بـيـن الـنّـهـريـن Self-Determination in Mesopotamia”. ولـتـكـمـل مـلـفّ الإسـتـفـتـاء فـقـد قـررت أن تـبـادر إلى الإلـتـقـاء بـوجـهـاء الـعـراق ورجـالـه الـمـهـمّـيـن لـتـسـتـشـيـرهـم في مـشـروع إنـشـاء دولـة مـوحّـدة. وفي 6 شـبـاط 1920 كانت زيارة المس جرترود بيل لـلـسّـيّـد عـبـد الـرّحـمـن أفـنـدي الـكـيـلاني، نـقـيـب أشـراف بـغـداد، في داره . قـد سـجّـلـت جـرتـرود بـيـل تـفـاصـيـل مـحـادثـتـهـمـا في الـمـلـحـق الّـذي أرسـلـتـه إلى مـؤتـمـر الـسّـلـم في بـاريـس، والّـذي مـا زال في أرشـيـفـات الـخـارجـيـة الـبـريـطـانـيـة.

وكـانـت الـمـس جـرتـرود بـيـل قـد تـوصّـلـت إلى إقـامـة عـلاقـات ودّيـة مـع الـنّـقـيـب، وعـرفـت بـذكـائـهـا وفـطـنـتـهـا نـقـاط ضـعـفـه وكـيـفـيـة اسـتـعـمـالـهـا لـلـتّـوصـل إلى أهـدافـهـا.

والـمـشـكـلـة الّـتي تـواجـهـنـا هـنـا هي أنّـه لـيـس لـديـنـا مـصـدر آخـر لـلـحـوار الّـذي دار بـيـنـهـمـا في هـذا الـلـقـاء لـنـتـأكّـد مـن صـحـة كـلّ مـا سـجّـلـتـه الـمـس. ثـمّ أنّ الـحـديـث دار بـيـنـهـمـا مـن غـيـر مـتـرجـم. ورغـم أنّ الـمـس بـيـل كـانـت تـحـسـن الـلـغـة الـعـربـيـة (2) وتـتـكـلّـم الـعـامـيـة الـبـغـداديـة فـهي لـم تـكـن تـتـمـلـكـهـمـا تـمـلـكـاً تـامّـاً لـتـسـتـطـيـع الـتّـعـمـق في أمـور الإسـتـفـتـاء الـمـعـقّـدة وتـحـلـيـلـهـا بـصـورة دقـيـقـة. ولا شـكّ في أنّ نـقـيـب أشـراف بـغـداد لـم يـكـن يـتـقـن لـغـة شـكـسـبـيـر. وعـلى كـلّ حـال فـنـحـن نـفـهـم مـمـا ذكـرتـه الـمـس أنّ الـحـوار دار بـيـنـهـمـا بـالـعـربـيـة.

ونـقـرأ في نـصّ الـمـس جـرتـرود بـيـل أنّ عـبـد الـرّحـمـن الـنّـقـيـب كـان ضـدّ فـكـرة “اسـتـفـتـاء آراء الـنّـاس عـن مـا يـودّونـه في الـمـسـتـقـبـل”، ويـعـتـبـرهـا “فـكـرة غـريـبـة سـبـبـت هـذا الـهـيـجـان الّـذي لـم يـهـدأ بـعـد في الـمـدن”. وقـد كـان الـنّـقـيـب أصـلاً ضـدّ مـبـدأ “حـقـوق الـشّـعـوب في تـقـريـر مـصـيـرهـا Self-determination” :

“مـا كـلّ هـذا الـهـراء، ومـا قـيـمـتـه ؟ أنـا أُرجـع هـذا لأمـريـكـا، ومـصـدره ولـسـن. فـهـل يـعـرف الـشّـيـخ ولـسـن shaikh Wilson  الـشّـرق وأهـلـه ؟ وهـل يـعـرف طـرق عـيـشـنـا وعـاداتـنـا الـفـكـريـة ؟ وأنـتـم يـا إنـكـلـيـز، تـحـكـمـون مـنـذ ثـلاثـة قـرون في آسـيـا، وحـكـمـكـم مـثـال يـنـبـغي أن يـقـلّـده الـكـلّ. تـابـعـوا طـرقـكـم في الـحـكـم ولا تـتـبـعـوا إرشـادات الـشّـيـخ ولـسـن أو نـصـائـح آخـر غـيـره. ولـتـرشـدكـم الـمـعـرفـة والـتّـجـربـة”.

وكـان الـنّـقـيـب مـقـتـنـعـاً، مـثـل كـثـيـر مـن أهـل زمـانـه ومـن أهـل زمـانـنـا هـذا، أنّ الـقـوي يـسـتـحـقّ أن يـحـكـم الـضّـعـفـاء ويـسـود عـلـيـهـم :

“الإنـكـلـيـز فـتـحـوا هـذا الـبـلـد، وأنـفـقـوا أمـوالـهـم وسـكـبـوا دمـاءهـم عـلى أرضـه، وارتـوى تـرابـه بـدمـاء الإنـكـلـيـز والأسـتـرالـيـيـن والـكـنـديـيـن والـهـنـود الـمـسـلـمـيـن وعـبـدة الأصـنـام. أ فـلـيـس لـهـم الـحـقّ بـالـتّـمـتـع بـمـا كـسـبـوه ؟ وقـد سـيـطـر غـزاة آخـرون في الـمـاضي عـلى هـذا الـبـلـد. وكـمـا وقـع تـحـت سـيـطـرتـهـم فـسـيـقـع تـحـت سـيـطـرة الإنـكـلـيـز، وسـتـمـتـدّ سـيـطـرتـهـم عـلـيـه. قـومـك يـا خـاتـون قـوم عـظـيـم، واسـع الـثّـراء، شـديـد الـقـوّة. وأيـن قـوّتـنـا نـحـن ؟ فـإن أردنـا مـثـلاً أن يـحـكـمـنـا الإنـكـلـيـز ولـم يـقـبـل الإنـكـلـيـز أن يـحـكـمـونـا، فـهـل لـنـا أن نـجـبـرهـم عـلى ذلـك ؟ وإن أردنـا أن يـحـكـمـنـا آخـرون غـيـرهـم وقـرر الإنـكـلـيـز أن يـبـقـوا لـيـحـكـمـونـا، فـكـيـف يـمـكـنـنـا أن نـطـردهـم ؟ وأنـا أعـتـرف لـكـم بـأنّـكـم انـتـصـرتـم. أنـتـم الـحـاكـمـون ونـحـن الـرّعـيـة. وإن تـسـألـيـني عـن رأيي فـسـأجـيـب أنـني أرتـضي أن أكـون مـن رعـيـة الـمـنـتـصـر”.

وفي شـهـر تـشـريـن الأوّل مـن ذلـك الـعـام، أي بـعـد تـسـعـة أشـهـر عـلى لـقـاء جـرتـرود بـيـل بـعـبـد الـرحـمـن الـنّـقـيـب، عـاد الـسّـيـر بـيـرسي كـوكـس إلى بـغـداد كـمـنـدوب سـامي لـبـريـطـانـيـا في الـعـراق.

وقـررت بـريـطـانـيـا بـعـد أن ثـار الـعـراقـيـون ضـدّ الإحـتـلال أن تـغـيـر ســيـطرتـهـا عـلى الـعـراق إلى شـكـل غـيـر مـبـاشـر.

واسـتـطـاع الـمـنـدوب الـسـامي بـمـسـاعـدة جـرتـرود بـيـل إقـنـاع الـسّـيـد عـبـدالـرّحـمـن الـكـيـلاني الـنّـقـيـب بـتـشـكـيـل حـكـومـة انـتـقـالـيـة مـؤقـتـة كـان الـهـدف مـنـهـا إنـشـاء مـجـلـس تـأسـيـسي وتـنـظـيـم انـتـخـابـات نـوّاب لـه. وذلـك لـتـمـهـيـد قـبـول الـعـراقـيـيـن بـالأمـيـر فـيـصـل بـن الـحـسـيـن مـلـكـاً عـلـيـهـم. بـعـد تـسـعـة أشـهـر عـلى لـقـاء جـرتـرود بـيـل بـعـبـد الـرحـمـن الـنّـقـيـب، أي في شـهـر تـشـريـن الأوّل مـن عـام 1920، عـاد الـسّـيـر بـيـرسي كـوكـس إلى بـغـداد كـمـنـدوب سـامي لـبـريـطـانـيـا في الـعـراق.

وقـررت بـريـطـانـيـا بـعـد أن ثـار الـعـراقـيـون ضـدّ الإحـتـلال أن تـغـيـر ســيـطرتـهـا عـلى الـعـراق إلى شـكـل غـيـر مـبـاشـر. واسـتـطـاع الـمـنـدوب الـسـامي بـمـسـاعـدة جـرتـرود بـيـل، كـمـا سـبـق أن رأيـنـا، إقـنـاع الـسّـيـد عـبـدالـرّحـمـن الـكـيـلاني الـنّـقـيـب بـتـشـكـيـل حـكـومـة انـتـقـالـيـة (مـؤقـتـة).

وفي شـهـر آذار مـن عـام 1921، عـقـد في الـقـاهـرة مـؤتـمـر تـرأسـه ونـسـتـون تـشـرشـل، وزيـر الـمـسـتـعـمـرات الـبـريـطـانـيـة. ووصـلـت جـرتـرود بـيـل إلى الـقـاهـرة في 12 آذار، لـتـشـارك في أعـمـالـه مـع بـعـض الـعـراقـيـيـن، ومـن بـيـنـهـم جـعـفـر الـعـسـكـري.

وكـان تـشـرتـشـل يـأمـل في أنّ يـسـهـل وضـع فـيـصـل، إبـن شـريـف مـكّـة، عـلى عـرش الـعـراق عـلاقـات بـريـطـانـيـا بـالـحـجـاز ويـوفـر لـدافـع الـضّـرائـب الـبـريـطـاني حـلّاً رخـيـصـاً يـتـحـاشى الـحـلـول الـعـسـكـريـة الّـتي تـكـلّـفـه غـالـيـاً. وكـانـت نـتـائـج مـؤتـمـر الـقـاهـرة انـتـصـاراً لآراء لـورنـس وجـرتـرود بـيـل. وكـانـت جـرتـرود قـد أقـنـعـت بـرسي كـوكـس بـتـرك مـشـروع ربـط الـعـراق بـحـكـومـة الـهـنـد الـبـريـطـانـيـة كـمـسـتـعـمـرة تـحـت هـيـمـنـتـهـا، وبـجـمـع ولايـات الـعـراق الـعـثـمـانـيـة الـثّـلاث : بـغـداد والـبـصـرة والـمـوصـل لـتـكـوّن مـمـلـكـة تـتـمـتـع بـالـحـكـم الـذّاتي ولـكـن تـحـت إشـراف مـنـدوب سـامي بـريـطـاني.

وبـعـد أن حـصـل تـشـرتـشـل عـلى مـوافـقـة الـحـكـومـة الـبـريـطـانـيـة بـنـصـب فـيـصـل عـلى عـرش الـعـراق وبـقـبـول الـفـرنـسـيـيـن لـه عـلى شـرط أن لا يـطـالـب بـعـرش سـوريـا، بـدأ الـبـريـطـانـيـون الـمـفـاوضـات مـع فـيـصـل. وقـبـل فـيـصـل بـعـرش الـعـراق وبـإنـشـاء إمـارة مـا بـعـد الأردن لأخـيـه عـبـد الله مـقـابـل تـنـازل أبـيـه حـسـيـن، شـريـف مـكـة، عـن مـطـالـبـتـه بـفـلـسـطـيـن.

ولـتـمـيـهـد قـبـول الـعـراقـيـيـن بـالأمـيـر فـيـصـل، تـشـكّـلـت الـحـكـومـة الإنـتـقـالـيـة، وتـرأسـهـا عـبـد الـرّحـمـن أفـنـدي، نـقـيـب أشـراف بـغـداد. وكـان الـهـدف مـنـهـا إنـشـاء مـجـلـس تـأسـيـسي وتـنـظـيـم انـتـخـابـات نـوّاب لـه. واسـتـمـر بـرسي كـوكـس في نـفـس الـوقـت بـإرسـال طـائـرات الـقـوات الـجـويـة الـمـلـكـيـة RAF  لـقـصـف الـعـشـائـر الـثّـائـرة عـلى الـسّـيـطـرة الـبـريـطـانـيـة في جـنـوب الـعـراق وشـمـالـه.

وارتـقى الأمـيـر فـيـصـل بـن الـحـسـيـن عـرش الـعـراق في فـجـر الـثّـالـث والـعـشـريـن مـن آب 1921 تـحـت اسـم : “فـيـصـل الأوّل .

مستل عن مدونة الدكتور صباح الناصري

( بين دجلة والفرات ).