التحقيقات الجنائية وموقفها من حزب الاتحاد الوطني

التحقيقات الجنائية وموقفها من حزب الاتحاد الوطني

د. زينة شاكر سلمان

اسهم عبد الفتاح إبراهيم في الحياة السياسية منذ أن كان طالباً وعمل في بيروت في العشرينيات مع الطلبة العراقيين على تأسيس جمعية النهضة العراقية عام 1921-1922 ونادي النشء العراقي عام 1926 للطلبة العراقيين، وعند عودته إلى العراق في عام 1930 اسهم في تشكيل جماعة الأهالي واستمر في العمل فيها حتى عام 1936 حيث انسحب منها، بسبب ميوله الماركسية، أصدر مع بعض الشباب مجلة «العصر الحديث» في 1936،

وفي شباط 1941 أصدر كراساً بعنوان «كلمة في المنهج القومي» أوضح فيه أفكاره الاشتراكية وقال «يجب على المجتمع الذي يريد أن يحفظ كيانه أن يسيطر على الشؤون الاقتصادية ولايجعلها أداة لفئة ضئيلة تُسخّر المجموع لمنفعتها»، وأوضح «أن النظام الاقتصادي إذا أصبح تحت رهن إرادة الدولة زالت الفوضى التي تنخر كيان المجتمع»، طبقاً لتقارير دائرة التحقيقات الجنائية التي أخذت تتبع تحركات عبد الفتاح منذ عام 1930 نظراً لأفكاره المعارضة للسلطة والتي هي أفكار الحزب الشيوعي، ففي تقرير لدائرة التحقيقات أشارت من خلاله إلى نشر عبد الفتاح إبراهيم أفكار الشيوعيين بين التلاميذ بشتى الطرق.

أسس عبد الفتاح إبراهيم جمعية الرابطة الثقافية عام 1944 التي تضم في عضويتها عدداً من اليساريين ممن انشق عن الأحزاب الشيوعية السرّية أو كان يحمل العقيدة الماركسية من دون أن ينضم إلى مؤسسة من المؤسسات السرّية أو العلنية أمثال كامل قزانجي وناظم الزهاوي وعبد الجبار عبد الله، ومحمد مهدي الجواهري وخدوري خدوري وغيرهم، وكان هدفها مكافحة النزعات النرجسية وبث الثقافة القومية الديمقراطية والبحث في أمور العراق الاجتماعية والاقتصادية، كما أصدرت هذه الجمعية مجلة الرابطة والتي أصبحت فيما بعد أساساً لفلسفة حزب الاتحاد الوطني الذي تأسس مع بقية الأحزاب العلنية في نيسان 1946 والذي ضمت قيادته عناصر مثقفة أمثال الناظم الزهاوي و موسى صبار (محامي) وادور قليان (محامي) وجميل كبة (محامي) وموسى الشيخ راضي (معلم) إضافة إلى الشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري الذي ذكر تقرير أمني خاص صادر عن الشعبة الخاصة أنه من العاملين في الحقل الشيوعي رغم كونه لايعترف صراحةً بذلك، وإنما يعترف هو بانتسابه لما يسمى بحركة أنصار السلام التي

هي في الحقيقة ليست إلا وجهاً من الوجوه التي تتستر تحتها المبادئ الشيوعية، كما ضم الحزب في صفوفه الطبقة المتوسطة من التجار وقلة من العمال أمثال التاجر عطا البكري، فقواعد هذا الحزب كحزب الشعب مؤلفة من الشيوعيين وأكثرهم من المثقفين سواء منهم من انشق عن الأحزاب الشيوعية أو من رجح العمل العلني على السرّي أو من كان يحمل العقيدة الماركسية من دون أن ينضم إلى مؤسسة من المؤسسات السرّية، فقرر الانضمام إلى هذه الجماعة لأسباب شخصية وغير شخصية. وبما أنّ قيادة الحزب مؤلفة من جماعة أغلبها من الماركسيين وبعضها من الأحرار، وفي مقدمتهم زعيم الحزب عبد الفتاح إبراهيم الذي كان قد تأثر بالفكر الاشتراكي والفلسفة المادية منذ أن عاد من الولايات المتحدة عام 1935، فكان لابدّ أن يأخذ حيزاً من عمل التحقيقات الجنائية إلا انها غضت النظر عنهم لكونها دائرة مسيرة لرغبات الحكومة لاسيما بعد أن أظهر الإنكليز رغبتهم في مكافأة العناصر الشيوعية التي انقلبت على المانيا النازية وعلى القوميين العرب وأعلنت عن مساعدتها للحلفاء بعد انحياز الاتحاد السوفيتي اليهم، إلا ان ذلك لم يكن إلا مدة وجيزة، فقد عاودت نشاطها في مراقبة الحزب، إذ اتخذ الحزب من صحيفة الرأي العام التي يصدرها محمد مهدي الجواهري منبراً للحزب لتوضيح آرائه وأفكاره الفلسفية فنشرت الجريدة منهاج الحزب الأساسي ونظامه الداخلي وبعض المقالات لأعضائه.

أصدر الحزب نداءً في الرابع عشر من نيسان 1945 إلى حزب الشعب والحزب الوطني الديمقراطي دعاهما إلى تحقيق فكرة الحزب الديمقراطي الواحد وقدم عدداً من المقترحات بهذا الشأن كما أصدر نداءً ثانياً أكد من خلاله ماورد في البيان الأول، إلا ان محاولاته باءت بالفشل.

عقد الحزب مؤتمره الأول في الثامن والعشرين من نيسان 1946 في بناية مدرسة التفيض الأهلية لانتخاب أعضاء اللجنة المركزية التي فاز فيها عبد الفتاح إبراهيم وناصر الكيلاني والزهاوي وغيرهم، إذ بلغ عددهم خمسة وعشرون عضواً وله مكتب سياسي يتكون من خمسة أفراد وهم أعضاء في اللجنة ذاتها، ولم يكن الحزب يؤمن بالقيادة الفردية وإنما كانت قيادته جماعية، وعلى الرغم من ذلك عُدّ عبد الفتاح إبراهيم رئيساً للجنة السياسية وبما ان الحزب قد تبنى الفكرة الماركسية وكان الحزب الشيوعي العراقي السرّي قد أوصى المنتسبين إليه أن يتقدموا بطلبات انتماء لحزب الاتحاد الوطني، مما يدلل على علاقة الحزب بالحزب الشيوعي والدليل الرسالة التي بعث بها فهد إلى عبد الفتاح إبراهيم وعزيز شريف حول انتقاده الجادرجي وانعطافه يميناً في أوائل كانون الأول 1946.

من البديهي لدى مديرية التحقيقات الجنائية أن كل حزب مجاز هو حزب مراقب من قبلها سواء أكان يمينياً أو يسارياً وبحسب الوضع العام للبلد، إلا ان الأحزاب ذات الطبيعة الماركسية تكون مراقبة أكثر، نظراً لمواقفها المعارضة للدولة وبالتالي كان لحزب الاتحاد الوطني مواقف جريئة في انتقاد أعمال الحكومة، ففي الثلاثين من آب دعا إلى اجتماع له مع حزبي الشعب والوطني الديمقراطي ورفعوا احتجاجاً ضد سياسة حكومة أرشد العمري وممارساته القمعية ضد المواطنين مطالبين بتنحي العمري وإقامة حكومة دستورية، الأمر الذي أدى إلى تعرض قادة حزب الاتحاد الوطني للمطاردة متهمين بالإخلال بالأمن العام وقد أوقف كل من عبد الفتاح إبراهيم وناظم الزهاوي وموسى الشيخ راضي وأطلق سراح عبد الفتاح وراضي، في حين حوكم الزهاوي وسُجن لمدة ستة أشهر، وقاطع الحزب انتخابات نوري السعيد وساهم مع بقية الأحزاب في المطالبة بحل المجلس وإجراء انتخابات نيابية حرة.

عقد الحزب مؤتمره الثاني في السابع والعشرين من آذار 1947 لانتخاب أعضاء لجنة مركزية جديدة نظراً لوقوع خلاف بين أعضاء اللجنة السياسية والتي ضمت أعضاء اللجنة المركزية السابقة، اتهمت دائرة التحقيقات الجنائية أحد أعضائها وهو جورج حبيب الخوري بالشيوعية وبأنه شكّل جناحاً يسارياً متطرفاً داخل الحزب، وفي الوقت ذاته أخذت تراقب نشاط واجتماعات الحزب، ففي تقرير أمني ذكر اجتماع الحزب الأسبوعي بتاريخ الثامن والعشرين من شباط 1947 من دون ذكر المكان وأشارت إلى ان الاجتماع افتتحه عبد الرزاق البارح بكلمة عنوانها «الجامعة العربية وتأثيرها» أشار فيها إلى كثرة الأيدي العاطلة في البلاد العربية على الرغم من وجود هذه الجامعة وتكوينها لتوحيد الشعوب العربية... الخ، وتلاه فاضل الطائي بكلمة عنوانها «الكلاب تنبح والقافلة تسير» تطرق فيها إلى كتابة الجرائد والمجلات المأجورة عن الوطنيين واتهامهم بالخونة... الخ. أما جورج حبيب الخوري فقد تحدث بكلمة حول «تطاحن العالم والسياسة البريطانية الأمريكية» تطرق فيها إلى محاولة بريطانيا تقييد الشعوب العربية بمعاهدات استعمارية... الخ وطالب في الوقت ذاته بمكافحة الاستعمار وخلق شعب واعٍ بالاعتناء بالثقافة والريف العراقي، كما انتقد الحزب سياسة الشدة التي اتبعتها حكومة صالح جبر بمقاومة الأحزاب السياسية وتعطيل الصحافة الحزبية، الأمر الذي دفع الحزب إلى إعادة تنظيم نفسه على وفق تنسيق جديد أشبه بتنظيم الأحزاب السرية، وأشارت تقارير دائرة التحقيقات الجنائية قيام عبد الفتاح إبراهيم في اجتماع عقد في الرابع من تموز 1947 بتوضيح الأسباب التي أدت إلى تدهور الأحزاب السياسية ونسبها إلى السياسة البريطانية الاستعمارية التي اكتسبت النازية من المانيا خلال الحرب وأخذت تطبقها على الشرق والمستعمرات ومعاونة ساسة العراق لهذه السياسة وتفانيهم في سبيل تنفيذها فضلاً عن وجود الإقطاع والنفوذ المالي الكبير في العراق الذي مهّد له الاستعمار وشجعه بشتى الوسائل.

عارض الحزب المعاهدتين العراقية-الأردنية والعراقية-التركية وكافة المشاريع الاستعمارية التي تهدف إلى إيجاد تكتلات في الشرق الأوسط، لذا قررت حكومة صالح جبر إبطال رخصته مع حزب الشعب، ففي التاسع والعشرين من أيلول 1947 أبلغت وزارة الداخلية الهيئة المؤسسة للحزب بأنها قررت إبطال رخصته لخروجه عن أهدافه التي أُجيز من أجلها ولأنه عمد إلى تشكيل نظام خلايا خطرة وحثّه على الثورة وخلق الاضطرابات كما اعتمد في إيراداته على مصادر مجهولة، والواقع إنّ تهمة الحصول على أموال من جهات مجهولة تهمة غير ثابتة، إذ كانت هنالك بعض التبرعات من بعض الأشخاص وهم أعضاء في الحزب أو مؤيدون له بأسمائهم وأسماء زوجاتهم، ومهما يكن من أمر حلّ الحزب نفسه بصورة رسمية ولم يمارس العمل السرّي أو العلني بعد ذلك وتفرق أعضاؤه وانضموا إلى أحزاب وحركات مختلفة خاصة الحزب الشيوعي والحزب الوطني الديمقراطي.

يتضح مما سبق أنّ حزب الاتحاد الوطني تعرض للمراقبة الأمنية من التحقيقات الجنائية شأنه شأن الأحزاب الأخرى وما كانت إجازة الحزب من السلطة إلا مرحلة وقتية تسعى من خلالها التحقيقات الجنائية إلى جمع المعلومات الكافية لحجة قوية تضاف إلى توجههم الماركسي وموقفهم المعارض للحكومات المتتالية لغرض تشتيتهم ومن ثم القضاء عليهم وعدم السماح لهم بممارسة نشاطهم العلني مرة أخرى.

 

عن رسالة (التحقيقات الجنائية في العراق وموقفها من الاحزاب الوطنية)