طاق كسرى ..إنهيار قسم منه في 15 نيسان 1887

طاق كسرى ..إنهيار قسم منه في 15 نيسان 1887

يعقوب سركيس

مؤرخ عراقي راحل

يشهد بقاء قسم كبير من هذا الاثر الذي كان يسمى ايوان كسرى في تأريخنا والذي نسميه اليوم طاق كسرى، ما كان عليه فن الريازة من رقي عال في تلك العصور البعيدة. ولست بصدد الكتابة عن تلك العمارة الا ما طرأ عليها في ربيع سنة 1887 من رسوم هذا الاثر التي صورت قبل ربيع تلك السنة رسم لديلافوا في كتابها (الفن القديم الفارسي) ، وهي يرينا انه كان على غير ما عليه الان ، فمتى طرأ عليه ما جعله في حالته الحاضرة؟

 

ان من الذين تكلموا على هذا الاثر المس بيل في كتابها (من مراد الى مراد) (ص129 ح) فذكرت حالته التي رأتها ديولافوا من دون ان تذكر ما طرأ عليه بعدئذ، ولا يعني سكوتها عن ذلك اغفال غيرها لهذا الامر. فقد جاء في كتيب لروتر (ص18) ان السقوط كان في سنة 1888. اما بدج فيظن ان انهيار احد جناحي هذا الاثر كان في نحو 1883 (كتابه على ضفاف النيل ودجلة ).وقد وجدت في كتاب الفرات ودجلة لساري وهرسفلد (2:68) قولهما: “لقد شاهد كولدوي في سنة 1887 واجهة طاق كسرى بحالة كاملة (وقال انظر اللوح 42) وان الجناح الايمن لهذه الواجهة انهار في سنة 1888 وتداعت الواجهة كلها. ونرى اليوم الجناح الايسر يهدده السقوط والانهيار”.

ويظهر ان اقدم من اعلمنا بهذا الانهيار مع بيان السبب هو الاب انستاس الكرملي فانه قال ذلك في مجلة المشرق (5 “1902” 840) في اخر نبذة له عنوانها “سلوان الاسرى في طاق كسرى” وهذا كلامه.

“اما المائل الباقي منه (من هذا البناء) فهو جزء من الطاق وجناح واحد من الحائط ماسك بيد العقد. واما الجناح الاخر فقد انهار في 15 نيسان 1888 وتزعزعت بعض الاركان وجرت المياه جانبا عظيما من حجارة ذلك البنيان...”.

لقد صدق الاب في قوله ان الانهيار كان في 15 نيسان ولكن لم يكن في السنة التي نوه بها وهي التي ذكرها منه ساري وهرسفلد عن كولدوي فان التاريخ الصحيح للسنة 1887 . فان كانت زيارة كولدوي لهذا الاثر في سنة 1887 كما قال هذان الاثاريان – ساري وهرسفلد – فهي قبل 15 نيسان. وكان هذا الانهيار في السنة نفسها على ما هو مدون كتابة غداة يوم الحادثة كما سنرى. ولعل تعيين كولدوي سنة السقوط منقول عن كلام الاب الوارد في المشرق. واظن ان هذا الاب لم يكن في بغداد في تلك السنة بل كان في بيروت لاتمام دراسته عند الاباء اليسوعيين ثم للسفر الى اوروبا فيكون هو ناقلا للخبر بعد رجوعه الى بغداد عن راو او عن مصدر مكتوب لكنه مغلوط فيه بيان السنة كما سيتضح الامر جليا.

اكتفيت بهذا التحقيق لاقول الكلمة الصحيحة على السنة واليوم الذي انهار فيه قسم من هذا الصرح نقلا عن جوزيف زفوبودا كما سيجئ واذن بعد مراجعتي لكتاب بدج كما مر بنا وكنت استرشدت فهرسته فهداني الى الصفحات التي ذكر فيها الانهيار، اجده امامي بعد ذلك بايام معدودة في مكتبة “المتحف العراقي” ورافق في فتحي اياه ان وقعت مقدمته تحت نظري وفيها قول المؤلف انه بعد وصفه لطاق كسرى طلب من المستر هولن وزوجته ان يحققا في بغداد زمن ما سقط منه مع بيان السبب وكان الجواب ان المتوفي زفوبودا كان قد ابان انهيار نصف هذا الطاق في ربيع 1887 بسبب فيضان دجلة فيضانا مفرطا وقد غمر الطاق (ارض الطاق) فسقطت جهة منه.

سبق اني قلت صدق كلام الاب ان الانهيار في 15 نيسان واقول الان صدق ما عرفه بدج عن زفوبودا ان ذلك كان في ربيع سنة 1887 وها انذا اسند هذه الصحة الى الكلام جوزيف زفوبودا المدون في يومياته.

كان جوزيف زفو بودا كاتب (مجيدية) احدى بواخر شركة الفرات ودجلة لسير البوخر المحدودة المعروفة عند الاهلين بـ “مراكب بيت لنج” ، وكان هذا الكاتب يختلف بمقتضى وظيفته بين بغداد والبصرة ويدون يوميا تصرفاته الذاتية بتفاصيل كثيرة دقيقة مملة جدا وكل ما يحدث له وما يسمعه ويطلع عليه ذلك حتى 17 كانون الثاني 1908. وكانت وفاته بعد ذلك بيومين. ومجموعة يومياته واحدة وستون دفترا بشكل سفينة صفحاتها بقطع الكف وهي الوف كثيرة. ومما رواه فيضان دجلة فيضانا مفرطا في نيسان 1887 واحاطة المياه ببغداد حتى ابوابها من غير ذلك من تفاصيل الغرق. هذا وبينما كانت باخرته راسية في بغداد قدمت اليها الباخرة “خليفة” وهي كذلك لهذه الشركة فاخبره كاتبها اخوه بانهيار قسم من هذا الايوان. وقد دون ما يلي في يومياته وهي مكتوبة كلها بالانكليزية..

“16 نيسان 1887 يوم السبت، قدمت الباخرة خليفة بعد الزوال بربع ساعة وجاء الى باخرتنا هنري ونقل لي انهيار طاق “طيسفون” . وقد رأى اليوم صباحا واجهته والجدار كله من المدخل الى البهو فالشمال قد سقط على الارض. وسبب انهيار هذا القسم المتداعي فيضان النهر ووصول الماء اليه وهطول الامطار الخ... ان المؤسف حقا ان نخسر هذا المنظر الجميل والاثر القديم الوحيد الباقي في ما بين النهرين. ولكن مما يسرني ان عندي صورة لجبهته وللخلف صورت في سنة 1871. واظن ان فتح خياط كان معي”. ثم قال بعد ان بارحت الباخرة بغداد في اليوم التالي:

“في 17 منه يوم الاحد انزلنا في الساعة الثامنة اربعة نوتية ونجارا عند طاق كسرى ليذهبوا اليه ويحاولوا الحصول على قطع الخشب من القسم المنهار.. وفي الساعة الثانية والدقيقة 55 وصلنا الى “الصافي” وانتظرنا الرجال الذين انزلناهم فجاؤا سورنا في الساعة التاسعة والنصف وقالوا انهم رأوا قطعتين كبيرتين من الخشب طول كل منهما نحو 12 قدما وان العرب منعوهم من اخذهما لانهما محفوظتان للمدير (مدير الناحية) والمتولي لقبر سلمان الفارسي.. ويقول العرب ان الانهيار كان يوم الجمعة ليلا في نحو الساعة 11 وسمع له صوت مريع”.

“في اول ايار يوم الاحد. في الساعة الخامسة والدقيقة 35 انزلنا حسن افندي واخاه عند طيسيفون ووعدنا بالحصول على قطع من خشب الطاق”.

“20 ايار يوم الجمعة. انزلنا في الساعة السادسة بعد الزوال في البستان نوتيين وكتب الى حسن افندي بشأن الخشب ثم وقفنا عند الطاق بقرب حذيفه (اليماني) وقد قدم النوتيان ومعهما قطعة كبيرة من الخشب طولها نحو عشرة اقدام وثخنها نحو عشرة انجات وشكلها غير منتظم وعلى ان اقسمها بيني وبين الربان كاولي..”.

“26 ايار (وهو في بغداد) يوم الاربعاء.. عهدت الى عيسى القفه جي ان يذهب غدا صباحا الى طاق كسرى راكبا حمارا لجلب قطعة من الخشب وزودته برسالة الى حسن افندي.”.

فالظاهر ان صاحبنا زفو بودا لم يكتف بالقطعة التي كانت وصلت اليه قبلا وانه طلب المزيد. وليس في يوميته ما ينبيء بالنتيجة التي عهدها الى عيسى. وكان بلغني من ذويه انه عمل من هذا الخشب ادوات صغيرة. هذا ما اردت بيانه بصدد لتاريخ الذي انهار فيه قسم من هذا الاثر القديم مع بعض التفصيلات.

عن كتاب (مباحث عراقية ) ج3