هل تذكرون شركة نيرن للنقل عبر الصحراء؟

هل تذكرون شركة نيرن للنقل عبر الصحراء؟

د. سعد الفتال

كانت البداية فى سنه 1919 عند افتتاح معرض لبيع السيارات من قبل الاخوين نيرن وبمساعدة عائلة عربية فى مدينه بيروت ولكن المشروع لم ينجح لعدم وجود سوق لتجارة السيارات آنذاك حيث ان القليل من الاهالى لهم معرفه فى كيفية عمل السيارات ناهيك عن تصليحها,

ولذلك فى نهاية سنة 1920 قرر الاخوان تعديل الخطة التجارية والبدء فى خدمة جديدة وهى النقل البرى للركاب اى التاكسى وذلك باستعمال السيارات التى لم تباع وتسيرها على طريق بيروت-حيفا فى فلسطين حيث تبلغ المسافة حوالى 70 ميل. وقد ادت هذه الخدمة الى اختزال وقت الرحلة من ثلاثه ايام الى يوم واحد حيث أدى الى زيادة الاقبال على استخدام السيارات للتنقل، وبالتالى ازداد عدد الركاب تدريجيا واصبحت الرحلات يومية ولسد حاجة الطلب على وسائل النقل الجديدة باشر الاخوين فى شراء عدد آخر من السيارات واستخدام عدد اكبر من السواق.

ولكن ظهرت بوادر النجاح فى سنة 1923 عندم طلب القنصل البريطانى فى دمشق السيد بالمر من الاخوين نيرن امكانية نقل البريد عبر الصحراء بين دمشق وبغداد ولهذا قيل ان خدمة نقل الركاب عبر الصحراء كان صدفة محضة لم يخطط لها الاخوين فعليا, ولو ان هذه الفكرة ليست جديدة حين زار اللورد اللنبى مدينة تدمر الاثارية والواقعة فى منتصف الصحراء باستخدام سيارة رولزرايس وفى مرة ثانية فى سنه 1919 حاول اجتياز الصحراء السورية بين دمشق ونهر الفرات فى قافلة تشمل عشرة سيارات نوع فورد ولكن العطل اصاب ستة منها فى اثناء الرحلة, كذلك طلب احد شيوخ البدو وهو الشيخ محمد البسام من الاخوين باستخدام السيارات بدلا عن قوافل الجمال لنقل البضاعة عبر الصحراء حيث ان هذه الوسيلة تأمن سرعه النقل وسلامه البضاعة.

شرع رئيس المهندسين فى الشركة السيد تيد لوفل باختبار عدد من السيارات والقيام برحلة عبر الصحراء بين دمشق وبغداد حيث تكللت بالنجاح التام واوصى بانه بالامكان تحقيق ذلك وفى وقت قياسى آنذاك مما شجع الاخوين نيرن الى القيام بستة رحلات تجريبية عبر الصحراء بين دمشق وبغداد وكان اولها فى 2 نيسان 1923 حيث استخدموا ثلاث انواع من السيارات وهى بيوك,لانسيا واولدزموبيل .

وفى احدى هذه الرحلات اقترح الاخ نورمان على االمندوب البريطانى فى بغداد السير برسى كوكس امكانية استخدام السيارات لنقل البريد عبر الصحراء بين دمشق وبغداد وبصورة منتظمة وبذلك اختصار مدة نقل البريد الى عشره ايام فقط بدل الستة اسابيع عبر قناة السويس المتعارف عليها, وذلك بتنظيم نقل البريد البرى مع وصول البواخر فى ميناء بورسعيد, ولكن المسؤولين اعربوا عن شكوكهم فى نجاح هذه الخدمة بالاضافة الى تردد المسؤولين الفرنسيين لنفس السبب, ولحسن الحظ وبعد فترة وجيزة وافقت الحكومة الفرنسية على الفكرة وحتى منحت شيوخ البدو مكافات مالية وعينية على شكل قطع من الذهب لتامين نقل البريد والبرقيات عبر الصحراء خاصه بعد التوسع الذى شمل الخط وامتداده الى العراق, بالاضافة الى استخدام سيارات حديثة ومتينة مثل سيارات الكاديلاك المشهورة.

تم توقيع عقد بين الاخوين نيرن والمسؤولين والذى يشمل نقل البريد اسبوعيا بين حيفا وبغداد بحيث لاتزيد الفترة المحددة عن 60 ساعة واذا حصل اى تاخير فهناك غرامات مالية يجب دفعها ولو ان هذا لم يحصل. وفى 18 تشرين الثانى 1923 أى بعد ستة أشهر من اول رحلة قام بها الاخوان عبر الصحراء افتتح الخط رسميا وتحت اسم شركة نيرن للنقل وكانت البداية ناجحة تماما بحيث ذكرت الصحف البريطانية آنذاك بأن خدمات الاخوين نيرن قد احدثت أنقلابا وثورة فى وسائل النقل فى منطقة الشرق الاوسط .

وقد ذكرت مصادر ووثائق الشركة بان عدد المسافرين قد بلغ 1476 فى السنة الاولى بالاضافة الى نقل حوالى 35000 باوند من البريد العالمى. أستمرت خدمات الشركة فى التوسع لتشمل رحلتين فى الاسبوع بدل الرحلة الواحدة وأصبحت تنقل البريد لسفارات الدول الغربية وتشمل بريطانيا, فرنسا, أيطاليا, ألماني, أمريكا وروسيا حيث حازت على ثقة هذه الدول فى نقل بريدها الدبلوماسى والسرى . ومن الشخصيات المشهورة التى استعملت خدمات الشركة للتنقل أمثال الرحالة والكاتب فلبى الاب والرحالة فريا ستارك والخاتون مس بيل وفى فترة لاحقة وبعد تسيير الباصات استعملتها الكاتبة البوليسية الشهيره أجاثا كريستى حيث ذكرت فى احدى كتبها بانها ساعدت جيرالد نيرن فى تحضير وجبات الطعام للرحله.

وبعد النجاح الذى لاقته الشركة أزدادت المنافسة مع شركة محلية وهى شركه كتانة آخوان للنقل البرى ومن المعلوم بان الاب كتانة كان مدير فرع شركه توماس كوك فى لبنان ولهذا كان اهتمام اولاده بالنقل البرى واضحا حيث أضافت شركة كتانة زيارة ميدانية لمدينة تدمر الاثارية فى الصحراء ولكن شركة نيرن أختصرت وقت الرحله الكلى الى 24 ساعه فقط.

ومع التطور الكبير لشركة نيرن أصبحت الحاجة الى سيارات وباصات أكبر واكثر لنقل الركاب, وبالرغم من أن سيارات كاديلاك قد ادت مهمتها بامتياز ولكن فى سنه 1925 استخدمت الشركة باصات جديدة وهى سيفوى صالون المصنوعة فى مدينة فلاديلفيا الامريكية, ويحتوى الباص على 1 6 مقعد للركاب ذات مسند عالى ومقعدين فى الامام لتناوب السواق ليلا ونهارا على قيادة الباص وبذلك أختزل وقت الرحلة الى 20 ساعة فقط,ولهذه الباصات محرك ذات ستة اسطوانات سلندر وقوه سحب 110 حصان وصندوق لثمانية تحويلات للسرعه وتبلغ سرعتها 55 ميل فى الساعه وتزن سبعة اطنان وتحمل 2 طن من الامتعة على سقف الباص وتقدر تكاليفها 17,500 دولار وقد أطلق الملك فيصل الاول فى 26/5/1927 اسم بابيلون على هذا النوع من الباصات.

وفى سنه 1936ازدادت اهمية الشركة وذلك بعد نجاح التنقيبات عن النفط وزيادة الطلب عليه حيث انه يدخل فى كثير من الصناعات ولذلك قدمت شركة نيرن خدمتها الى شركة نفط العراق فى نقل العمال لمد انابيب النفط من مدينة كركوك الى حيفا وطرابلس وتزويدهم بالطعام ومواد التموين وبعد اكمال المشروع وفرت شركة نيرن خدمة نقل الموظفين من والى محطات الضخ واللانتاج حيث زادت العائدات االماليه للشركه وادى ذلك الى ازدهارها.

استمرت خدمات الشركة الجيدة حتى بداية الحرب العالمية الثانية ولكن بسببها اصبحت فترة هدوء للشركة وتقلصت مواردها للاسباب المعلومة ثم ازدهرت مرة اخرى بعد انتهاء الحرب ولو لفترة محدوده حيث ان دخول الطيران المدنى لنقل المسافرين مع تعقيد الامور السياسية فى المنطقة ادى الى انحسار فى خدمات الشركة ولذلك قرر الاخوين نيرن ترك الشركة لاصحاب الاسهم والتقاعد.

فى سنه 1947 غادر جيرالد المنطقة الى بلاده نيوزلندا لينعم بحياة هادئة مع عائلته وابنائه، وقد توفى فى سنة 1980, اما بالنسبة الى اخوه نورمان فانه فى سنة 1948 فضل البقاء فى المنطقة والتقاعد فى بيروت بعد ان باع اسهمه فى الشركة حيث كان له علاقات اجتماعية مع كثير من شخصيات المجتمع اللبنانى.

أستمرت خدمات الشركة تحت ادارة مالكى الاسهم ولكن فى سنة 1956 قررت الحكومة العراقية زيادة الضرائب على الشركة مما تسبب الى توقف خدمات الشركة بين بغداد ودمشق, وفى سنه 1957 اوقفت الشركة اعمالها كليا وباعت ممتلكاتها والتى تشمل15 باص وشاحنة من مختلف الاحجام والمناشئ و12 شاحنة خمسة منها درجه اولى وشاحنتين درجه ثانية وخمسه درجة ثالثة بالاضافة الى خمسة باصات صغيرة للنقل تعمل فى منطقة الشام فقط الى شركة تجارية فى مدينه دمشق. وبالرغم من توقف العمل بالشركة فقد ذكر بانه فى سنة 1970 لايزال هناك باص يعمل لخدمة النقل بين بيروت ودمشق وبالطبع ان هذا الباص سيتوقف مع مرور السنين ولكن قصة الاخوين نيرن وشركتهم ستبقى فى ذاكرة الشرق الاوسط .