عطا أمين.. بين الريادة الأدبية وزواجه الملكي

عطا أمين.. بين الريادة الأدبية وزواجه الملكي

رفعة عبد الرزاق محمد

عطا أمين ، اسم منسي من تاريخنا الادبي والاجتماعي ، وما أكثر هذه الاسماء في تاريخنا! أسماء كانت ملأ السمع والبصر ، غير ان للايام قولها وللزمن فعلته في طغيان النسيان ، ولا اقول العقوق ، فهو امر مفروغ منه . هذا الرجل من رواد الادب العراقي الحديث في ايامه الاولى ، غير ان عالم الوظيفة حرمنا من كاتب قدير كان معروفا في العشرينيات من القرن الماضي ، ثم اسدل على اسمه النسيان ، على الرغم من زواجه من احدى كريمات الاسرة المالكة في العراق بحكاية مثيرة .

 

الحياة العامة

ولد عطاء بن محمد امين القاضي في 15 كانون الاول 1897 ببغداد وقد ذكرت بعض المصادر انه حفيد احد علماء بغداد ومن مدرسي مدرسة الامام الاعظم، وهو الشيخ حسين البشدري، بينما اكد لي الاستاذ وليد الاعظمي، مؤرخ مدينة الاعظمية ورجالها )توفي سنة2003 )ان امه هي ابنة الشيخ حسين البشدري ودرس في المدرسة السلطانية ببغداد، وعند الاحتلال البريطاني دخل دورة للتعليم ليعين بعدها معلماً في دار المعلمين وبعد شهور نقل معلماً في مدرسة المأمورين وهي مدرسة انشئت لتخريج الموظفين، كما انتدب للتدريس في مدرسة التجارة حتى نقل سكرتيراً لناظر المعارف سنة 1919 ، اضافة الى دخوله مدرسة )كلية( الحقوق والتي تخرج منها سنة . 1923 وبعد تخرجه انخرط في السلك الخارجي لقابلياته في الترجمة والكتابة ونقلت خدماته من الديوان الملكي الذي عين فيه كاتباً عام 1921 ، الى وظيفة سكرتير في الممثلية العراقية في لندن ثم انقرة عام 1930 ، واعيد الى لندن بعد سنتين ورقي الى درجة السكرتير الاول في المفوضية العراقية في روما عام 1934 ولندن عام 1935 ثم الى درجة المشاور في السفارة العراقية في لندن ثم باريس ثم قائماً بالاعمال فيها، ونقل مشاوراً للسفارة في برلين وروما قائماً بالاعمال فيها عام 1939 ثم لندن في السنة التالية.

وفي الاول من تشرين الثاني 1943 عين مديراً للخارجية العامة في وزارة الخارجية ثم اعيد الى الخدمة الخارجية مشاوراً وقائماً بالاعمال في انقرة عام1944 وباريس 1949 ، وفي سنة 1952 احيل الى التقاعد من الخدمة الخارجية، وعين مديراً لمصافي النفط الحكومية فرئيساً لمجلس ادارتها في ايلول 1955 . وعندما قامت ثورة تموز 1958 وانتهى العهد الملكي، كان عطا امين يصطاف في تركيا فبقي خارج وطنه الى نهاية عام 1961 ، اذ وافقت الحكومة العراقية على عودته فترك زوجته الاميرة سارة بنت الشريف الحسين في بيروت، ولم يحصل على اذن بعودة زوجته الى بغداد باعتبارها من افراد الاسرة المالكة السابقة، فآثر الاقامة في جنيف الى ان توفاه الله يوم 25 ايلول 1971 ودفن في مقبرة الاعظمية.

الزواج الملكي

تذكر الوثائق ان عطا امين تزوج سنة 1929 ، وله من زوجته هذه بنت هي السيدة ابتهاج عطا امين، وفي صيف عام 1933 تزوج في تركيا ثانية من احدى شقيقات الامير زيد بن الحسين وزير العراق المفوض في انقرة وتدعى الاميرة سارة والمعروف ان الشريف الحسين بن علي، كان قد تزوج من امرأتين، الاولى عربية وتدعى عابدية وهي والدة الملوك عبد الله وعلي وفيصل، والثانية تركية هي والدة الامير زيد وسارة وفاطمة وقد تم زواج عطا امين بالاميرة سارة بموافقة الملك فيصل الاول وارسل بذلك برقية تهنئة. غير ان اعتراضات على هذا الزواج بدرت من بعض افراد الاسرة المالكة، فقد عارض الملك عبد الله والملك علي هذا الزواج، وقد لعب نوري السعيد وجعفر العسكري دوراً في ايصال التهديدات الى عطا امين وزوجته واختها المقيمة معها.

موقف نوري السعيد

لقد عين عطا امين بعد زواجه هذا بمنصب وكيل وزير الخارجية، وكان الوزير يومذاك نوري السعيد وقبل ان يلتحق بوظيفته ابلغ بان تعيينه قد الغي وانه نقل كقائم باعمال السفارة العراقية في جدة، وادرك عطا امين ان قراراً قد أُتخذ ضده في بغداد وان الامر يتعلق بزواجه، فاتصل تلفونيا يوم 26 ايلول 1933 بعد ايام من وفاة الملك فيصل بنوري السعيد فأجابه هذا بان الامر خطير وذكر بمصير عبد الله الصانع الذي قتل بمكتبه في وزارة الداخلية لانه تزوج بكريمة عبد المحسن السعدون، فاعتبرت الاسرة السعدونية ذلك الزواج غير متكافئ فقام كبيرها عبد الله الفالح السعدون بقتل زوجها.

وتضيف الوثائق البريطانية التي نعتمدها في هذه التفاصيل، ان جعفر العسكري ابلغ عطا امين ان الامير عبد الله بن الحسين اقسم بان يرسل الى لندن من يقوم بقتل عطا امين وزوجته واختها.. واتصلت وزارة الخارجية البريطانية بدائرة (سكوتلنديارد) لتوفير الحماية لهم، ويذكر تقرير بريطاني آخر في 16 تشرين الاول 1933 ، ان جعفر العسكري قد ابلغ الحكومة البريطانية ان ترتيبا لتفريق الاثنين قد قرر، وان الامير زيد، شقيق الاميرة سارة، سيأتي الى لندن لتنفيذه ونقل الاميرتين الى تركيا، غير ان كل هذه الجهود لم تقف امام العلاقة الزوجية الوثيقة بين عطا امين والاميرة سارة فأسدل الستار على القضية كلها، غير ان محاولات صحفية غربية حاولت اثارة القضية سنة 1936 بعد الازمة التي حدثت جراء زواج الاميرة عزة شقيقة الملك غازي من شخص غير مسلم، وهذا ما دفع عطا امين الى ان يحتج على ما نشرته بعض الصحف البريطانية.

اديب اولاً

كتب عطا امين قبل دخوله مدرسة الحقوق عدداً من المقالات الادبية في جريدة )العرب( البغدادية سنة 1919 ، وفي مجلة ) دار السلام( ومجلة )اللسان( سنة 1920 ، وكما نشرت له جريدة ) العراق( بعض المقالات ، وتعد اسهاماته الادبية وما ترجمه عن الفرنسية والانكليزية من المحاولات الريادية في حركة اليقظة الفكرية في العراق الحديث، وقد اصبح هذا الكاتب ضمن الطبقة )العالية( من كتّاب العراق كما جاء في مقال )حملة الاقلام في بغداد دار السلام( الذي كتبه عبد الاحد حبوش في مجلته ) الزنبقة( في عددها الاول في تشرين الاول . 1922

وقد ذكر مؤرخو القصة العراقية ان من المحاولات الاولى لكتابة القصة في العراق، كانت قصص الرؤيا، ويحاول كاتبها بث الاراء الوطنية والاجتماعية حول مستقبل وطنه وتقدمه من خلال حلم يراه في المنام.. ولعل السبب في توجه هؤلاء الى هذا النوع من القصة، هو خيبة الامل التي اصابتهم عقب اعلان الدستور في الدولة العثمانية من انقلاب الحكام على ما رفعوه من شعارات واهداف براقة. ولا ننسى هنا الايمان الواسع بالاحلام والاستعانة بها وبتفسيرها في حالات اليأس ففي سنة 1909 نشرت ببغداد رواية )الرؤيا في بحث الحرية( للاديب التركي محمد نامق كمال ترجمة الشاعر الكبير معروف الرصافي فأثرت بوضوح على الحركة الفكرية في العراق فأخذ عدد من الكتاب الكتابة على منوالها كعطا امين ومحمد فائق الكيلاني ومحمد بسيم الذويب وسليمان فيضي.

رأي النقاد

ويذكر الدكتور عبد الاله احمد في كتابه القيم “نشأة القصة في العراق» عن عطا امين ورؤياه: قدرة الكاتب على صياغة العبارة القصصية فأسلوبها رغم ما اعتمده من ايراد بعض السجعات والعبارات الانشائية الخطابية، اسلوب مرن قصصي، كما ان الكاتب وفق في نقل احاسيسه الخاصة الى القارئ وجوها تعبق بهذا الشذا الذي يتلمسه القارئ في عمل اصيل، ويحار في تعليل مأتاه، ولا يخفي الكاتب غرضه الاجتماعي من كتابة هذه الرؤيا، فقد جعل عنوانها «رؤيا صادقة» وهو عنوان لا يصلح لقصة.. وليس الكاتب ملوماً في ذلك فلم يكن بالرجل القادر على ان يمنع التعليقات التي تضعف من رؤاه، فقد كان يرمي الى غرض واضح، ويريد ان يصل اليه من اقصر طريق.. ويظهر من محاولة عطاء امين هذه، ان الرجل يدرك انه يعالج فناً جديداً غير المقالة الاجتماعية، وهو فن القصة.

ولم تقتصر محاولات عطا امين القصصية على ذلك فحسب، فقد كتب قصة )لوحة من الواح الدهر او فصل من رواية الحياة( سنة 1920 وقصة )عاقبة الحياة(، نشرتها المجلة نفسها، وهي مجلة )دار السلام( البغدادية التي صدرت بأشراف الاب انستاس ماري الكرملي. ويذكر الدكتور عبد الاله احمد ان هاتين القصتين اول محاولة جادة في القصة العراقية، وان كاتبها هو الرائد لهذا الشكل في الادب العراقي الحديث، وكان مؤملاً له ان يرفد القصة بنتاج ذي قيمة كبيرة لو كان استمر في الكتابة ولم يهدر موهبته القصصية التي تجلت فيما كتب.