محمد حسين آل ياسين..صوفية الأسلوب و عرفانية الفكرة

محمد حسين آل ياسين..صوفية الأسلوب و عرفانية الفكرة

ناظم ناصر القريشي

يقول الشاعر الإنكليزي صامويل تايلر كولريدج: " لا يمكن أن يكون الشاعر شاعرا عظيما إلا حينما يكون فيلسوفاً في نفس الوقت لأن الشعر هو عطر وبراعم المعرفة الإنسانية والفكرية والعاطفية واللغوية" ونضيف نحن ويكون عاشقا عظيما أيضا ومحبا للجمال ؛

وهذا ما سنجده في ديوان الشاعر محمد حسين ال ياسين(أسرار الحب ) والصادر في عام 2010 عن دار المأمون للترجمة والنشر والمترجمة قصائده الى الانكليزية في نفس الكتاب من قبل الأستاذ سعد الحسني , و مراجعة د . محمد درويش .

ان الشاعر محمد حسين ال ياسين من الشعراء الذين يتمثل الشعر في وجودهم فهو سره المعلن في حضوره وغيابه .

يقول آل ياسين في احد لقاءاته (الشاعر خلق متخيلا، متصورا، حالما، غارقا في تشكيل الحياة ) وأرى ان تشكيل الحياة يبدأ أولا من الحب ,لذا نجد انحياز شعره التام للجوهر الإنساني و الجمالي و الروحي .

وهنا لا نتكلم عن طقس او مناخ شعري ولكننا نتكلم عن نسيج وبناء فكري وحضاري لشاعر مخلص لشعره و لفكره و لحضوره الذي أصبح جزءاً أساسياً من المشهد الثقافي و الأدبي .

فإذ تأملنا في هذا الاتجاه سنجد ان الشاعر يهيم في أفقٍ روحي جوهره الحب الذي هو جوهر الحياة وفلسفتها التي فطرت عليها الكائنات على الدوام ، الحب الذي تفيض به الروح فتمزق حجب الكلام لتعبر عن جوهرها الجميل بلغة مرهفة و التي يحرص الشاعر على أن تكون كلماته هي نثار روحه , لذا نجد الشاعر دائما جميلا جوهريا , ساعيا الى العشق المطلق فيصبح هو ذات كلماته يفنى ويولد فيها من جديد , والشاعر يجعل من القصيدة معراج روحه الى أفق رحيب و فضاء فسيح من التأمل في الجمال

( كلما أوغل في سر حياته وجد المحنة في أعماق ذاته فاذا شاد بشعر حلما أيقظته ضحكة من كلماته أو شكا من رمية قاتلة فاذا كفاه من بعض رماته ) وكلما أمعنا النظر في شاعرية ال ياسين من الناحية اللغوية او الأسلوبية او الجمالية و الروحية أدركنا أنه يجعل من الشعر مظهرا من مظاهر العشق العرفاني والتجليات الأخذة بالإنسان نحو معرفة الجمال المطلق , وهذا التوصيف الشعري يليقُ بتحديه، الذي افترضه كحامل لأسرار الحب

فهو يصف الشعر ويقول :

( يامطيفاً في خاطري وفمي ونديما أسقيه كأس دمي

كلما حام في العيون دُجاً اشرقتْ منه صحوة الحلم)

فهو حين يتحدث، يرسم الجمال في القصيدة فتتدفق الصور والأفكار في الكلمات والجمل التي يدجنها الشاعر ويمضي مؤسساً عالمه ، بلغة شعرية حالمة , وسنجد كلماته التي تهمس بالعشق والهيام هي ذاتها التي تعبر عن جوهره الشعري وروحه تكمن هناك ليس بعيدا خلف كلّ صورةٍ أو استعارة أو جملة ، فتتحول رومانسية اللحظة الشعرية من تعبير لغوي إلى تعبير صوفي بفكر عرفاني والسعي الدائم نحو العشق المطلق ،ومن هنا يمكننا تفسير ما يذكره في شعره من كلمات : الدموع , الصمت , الصمت الناطق محاولا أفناء الذات في الذات الآخر ليتسامى في ذات الكون , فقلبه النابض بالعشق قدم صورا مشرقة وخلاقة لما جال في خاطره وجاشت به قريحته ,و لذا تأخذ تجربته الشعرية في كثير من الأحيان منحى التصوف ، فتستجيب الكلمات بصدق لرؤيته ومشاعره ونداء روحه .

من هذا نستشف الكثير من خصائص هذا الأفق الشعري لدى ال ياسين , فالنص لديه مؤثر يعلن عن غنائيته وشاعريته وإيقاعاته وتناغمه مع أفكاره و لغته الغنية وأسلوبه و رؤيته و قوة الأداء وجزالة التركيب التي ينسج بها قصائده والصور الذهنية التي يبتكرها من خلال خياله الإبداعي الذي يعتمد على تجربته و تفاعله الشخصي والثقافي والفكري , وقد أظهر الشاعر قدرته الشعرية , فقلبه النابض بالعشق قدم صورا مشرقة وخلاقة لما جال في خاطره وجاشت به قريحته

لقد قرأ الكثير عن شعراء الماضي ولم يتقبل فكرة انه لا يمكن أن يكتب كما كتبوا بل تجاوز ذلك الى ابتكار حداثته التي رسمها لنفسه بقوله : أنا ابن هنا و الآن .

فالمعاني لديه متموجة ومواربة خلف الكلمات الناصعة وبقلبها الذهبي رهينة القصيدة مع الأحلام في فضاء لغة اللحظة مفعمة بالحياة فاذا توقف الزمن يطوي الكلمات والمعاني ويجعل الليل يغفو على ذراعيه كالذكريات :

(لو كنت تعلمين ما اكتب يا رباب

اكتب آهاتي حروفا , ودمي

اغمس فيه قلمي

واسكب القلب على القرطاس

شعرا يفيض بالهوى

واسفح الروح لهيبا وهوى)

يبدأ الشاعر برسم طريقه للسمو والعلاء, من خياله الخافق الذي عاش له روحا وفكرا ورؤى , الى زمنه المطلق في القصيدة ليبحث عن هذا السر الدفين و يسأل ذات السؤال

(ما هو العمر و الحياة وماذا بعد أن ينقضي وتفنى _ يكون

من سكون جئنا الى صخب الد نيا ونمضي ليحتوينا السكون )

أرى ان آل ياسين شاعر مفعم بالحياة والحب يحاول جاهدا أن يبحر بشراع من كلمات في بحر تعبث فيه الرياح و الأمواج ليكتب الى حبيبته في ضوء القمر قصيدته ( هنا المرسى ) :

( وعدت لوحدتي أشدو

فللموج شراعاتي

و للنجم مسافاتي

ويا زورقي الأعمى ويا من لم تر اليأسا

تساءلت وقد أرهقك الأبحار

تساءلت عن الشاطئ والمرسى

لأنت الأن لا شيء سوى حضنك لي مرسى)

وفي قصيدة( تنويمة )يدون أحلام الفجر على مقام النهاوند التي تعزفه موجات دجلة الخالدة و هي تقبل ضفافها :

(نامي فوق ذراعي ...

وعلى كتفي

و أريحي رأسك في صدري الدافئ

خلي عينيك المتعبتين تنامان بعيني

في شوق .. وشغف

فترودان مراعي ..

وتجوبان شواطئ

وفي لحظة .. لم تكن في الزمان

تلاشى الهوى .... وتناءى المكان)

فالقصيدة هي الحبيبة ساحرة الروح وخطوتها كبرياء . والانتظار لديه قصيدة خريف طويلة ينتظرها الشتاء قصيدة من صمت و دموع لذا هو يتمرد على الانتظار والشتاء والمساء الكئيب والضياع و يجعل من ليالي الشتاء ربيعا :

( و لما الح الضياع المرير

وجدت على الدرب روحا رحيب

ودفئا تدفق منه الأمل

وقلبا كبير

فأنساك قلبي برد الشتاء

وحزن الدروب)

والشاعر هنا قصائده تشير اليه فهو من يجعل الصمت ينطق , فأفق الديوان الشوق والهيام والوله والسمو والتسامي في الذات الأخرى و قصائد تعي بيئتها الروحية التي انبثقت منها و التي تسجلها أحاسيس الشاعر محمد حسين آل ياسين ,وهي تجربة تدل على سياق جمالي متفرد في المشهد الشعري العراقي و العربي , و دفقاته الشعرية المميزة جعلت منه شاعرا عاشقا تتلألأ روحه بشغفها الباحث عن النقاء وسمو الفكرة .