قصيدة يا تين يا توت يا رمان يا عنب ونسبتها للشاعر حافظ جميل

قصيدة يا تين يا توت يا رمان يا عنب ونسبتها للشاعر حافظ جميل

رفعة عبد الرزاق محمد

..بدأت اولى تجارب حافظ جميل الوجدانية اباّن دراسته الجامعية في الجامعة الاميركية في بيروت ، ففي عام 1927 احب زميلته الطالبة الدمشقية ( ليلى تين). وقد اوحت هذه التجربة له بمجموعة من القصائد الرقيقة سماها ( التينيات)، اشتهرت منها القصيدة : ياتين يا توت ، التي ذاعت شهرتها مغناة بين الناس. والقصائد التينية ، كما وردت في ديوانه هي : يا تين ، التينة العاشقة ، في الطريق الى جلق ، تين الشام ، تين وزيتون .

صدر لحافظ جميل ديوان الاول باسم ( الجميليات ) عام 1923 وهو يضم شعره المبكر . اما شعره للسنوات التالية حتى 1932 فقد ذكر انه ضاع منه ( لقاء اجري معه في جريدة البلد عام 1965 اجراه معه خالد الحلي ) .

ومن اثاره المفقودة الاخرى ، ديوان مشترك مع اصدقائه في بيروت ابراهيم طوقان وعمر فروخ ووجيه البارودي ، وكان قد نشر شذرات منه في مجلة ( الزهراء) عام 1945 . وما بقي من شعر تلك الفترة نشره في ديوانه ( نبض الوجدان ) عام 1957 .

جاء في احدى الصحف : ان الشاعر وبينما كان واقفا ذات يوم في بهو الكلية مع عدد من زملائه اذا بالانسة تين تمر امامه ، فلم يتمالك نفسه وصاح باعلى صوته : ياتين ، لكنه احس انه وقع في الفخ ، وانها ستشكوه الى العميد ، وان هذه الكلمة ستجر عليه الويلات ابعدها الفصل من الدراسة ، وزاد من احساسه هذا تعليقات زملائه الذين كانوا يحيطون به ، فما كان منه الا ان الفّ قصيدة من ثلاثة عشر مقطعا ، يبدأ كل بيت بكلمة ( يا تين) ، حتى يبعد التهمة عنه ، ويقنع العميد انه يلقي قصيدة في الفاكهة !!. ( جريدة الجمهورية القاهرية في 6 مايو 1970) .

لقد كشف حافظ جميل عن وجه الحقيقة في تعليقه على  قصيدة ياتين في ديوانه ( نبض الوجدان ) ، فقال : لقد كثر الجدل واللغط منذ سنوات خلت حول عائدية هذه القصيدة ، فمنهم من زعم ان ناظمها هو زميلي في الجامعة الاميركية ببيروت الشاعر المرحوم ابراهيم طوقان ، ومنهم من زعم ان ناظمها هو زميلي في الجامعة المذكورة الدكتور وجيه البارودي الحموي . واخرون رووها لنا الثلاثة .

والحقيقة التي لا مراء فيها هي ان ناظم القصيدة هو انا لاغيري ، وان ما يروى للمرحوم طوقان وللدكتور البارودي من قصيدة مماثلة اشتركا سوية في نظمها بعنوان ( حديقة العشاق ) انما كانت قصيدة معارضة لقصيدتي ليس الاّ . فالمرحوم ابراهيم والدكتور وجيه لم تكن لهما ادنى صلة او حتى ادنى تعرف على التي اوحت الى اليّ نظم هذه القصيدة وغيرها من القصائد التينية المتفرقة والتي ورد بعضها في هذا الديوان وضاع بعضها الاخر مع ما ضاع من شعري الجامعي . والذين كانوا معنا في الجامعة الاميركية وقتئذ يذكرون جيدا ان شيطان شعر المرحوم ابراهيم كانت الانسة الفلسطينية ( م.ر )التي نظم فيها الشيء الكثير واشتهر ما نظم فيها انذاك كانت قصيدته المعنونة

( في المكتبة ) والتي يقول في مطلعها:

وغريرة في المكتبة بجمالها متنقبة

ثم يشرح حافظ جميل المناسبة التي نظم فيها قصيدته الشهيرة فيقول :

كنت ذات يوم اتحدث الى زميلي الكتور وجيه البارودي في عمارة كوليج هول من الجامعةالاميركية واذا بالانسة تين ولكنني سرعان ما ادركت انني قد وقعت في الفخ وان الانسة تين سوف لا تغفر لي هذه الزلة المكشوفة سيما بعد ان وعدت عميد الجامعة بانني سوف اقلع عن التشبيب بها وبعد ان بعثت اليها بقصيدتي ( التينة العاشقة ) المثبتة في هذا الديوان . اقول انني وقد شعرت بانني وقعت في الفخ سرعان ما عدت والتفت ثانية الى زميلي الدكتور وجيه متمما ( يا تين يا توت يا رمان يا عنب ) .

 فلم يتمالك الدكتور وجيه من الضحك وقال :لله درك ، كيف استطعت ان تتخلص من ورطتك هذه ، قلت :يا وجيه والله لاجعلن منها قصيدة ستسمعها عن قريب ان شاء الله . وبعد اسبوع واحد او يزيد سلمت الدكتور وجيه ستة مقاطع من القصيدة وبعد نحو شهر او يزيد كنت قد اتممت القصيدة والقيتها في مدرسة ( الفريندز) في قرية برمانا في حفلة ترحيبية اقامتها لي هيئة المدرسة انذاك . هذا مجمل تاريخ نظم قصيدة يا تين ، وكان ذلك في سنة 1927 ... اما الان وقد صدر ديوان المرحوم ابراهيم طوقان الذي هيأه الشاعر نفسه وأعده للطبع قبيل وفاته ... لايجد فيه أي ذكر او اشارة الى قصيدة يا تين او المعارضة لها التي اشترك في نظمها مع الدكتور وجيه البارودي .

ويذكر جميل في لقاء صحفي معه اجراه المرحوم رشيد الرماحي في مجلة الف باء سنة 1977 : في سنة 1925 التحقت بالجامعة الأمريكية ببيروت ، وتعرفت خلال سني دراستي على طلبة ينظمون الشعر منهم المرحوم إبراهيم طوقان ود. وجيه البارودي.د. عمر فروخ.. كنا اربعة ننظم قصائد مشتركة حتى تجمعت على شكل ديوان سميناه (الديوان المشترك) ولكنه فقد ولم يطبع مع الاسف الشديد.. في هذه الفترة كان عمري لايتجاوز التاسعة عشرة استهوتني الحياة الجامعية الجديدة وبدات استوحي منها القصائد الغزلية والوجدانية واشهرها (يا تين. ياتوت. يارمان. يا عنب) التي غناها المرحوم ناظم الغزالي والقصيدة قيلت في زميلتي (ليلى تين) وهي دمشقية من الشام تعلقت بها. ونظمت فيها العديد من القصائد فقد معظمها ولم يسلم من الضياع الا ما كنت قد نشرته في بعض المجلات والصحف (المهم ان ليلى تين اشتكت إلى عميد الجامعة من أن الطلاب يضايقونها في قصائدي عندما كانت تمر من امامهم وكدت اطرد بسببها خصوصا وان تلك السنة التي نظمت فيها هذه القصيدة كانت بداية تعليم الجنسين في هذه الجامعة. وعندما تخرجت اتممت القصيدة وصرخت باسم صاحبتها فتوطدت علاقتي معها وزادت معرفتنا بعد تخرجنا وتخرجها هي الأخرى حين عملت كمدرسة في دار المعلمات ببغداد.. ــ ان قصيدة ياتين لغزليتها الرقيقة فقد اختار المطرب الكبير ناظم الغزالي ابياتا منها ليلحنها له الموسيقار الفذ( ناظم نعيم )من مقام الدشت فقام الغزالي بغنائها .