كيف ساهم الأطباء العراقيون في مكافحة (الكوليرا) في مصر؟

كيف ساهم الأطباء العراقيون في مكافحة (الكوليرا) في مصر؟

د. هاشم بركات

نعود بالذاكرة الى عام 1947 وبالتحديد خلال شهر ايلول من ذلك العام حيث اجتاحت الكوليرا القطر المصري الشقيق وكانت بؤرة الانتشار قرية القرين قرب السويس.. فعندما انتهت الحرب العالمية الثانية اخذت بريطانيا تسحب جيوشها من منطقتي الشرق الاوسط والاقصى،

كان مركز تجمع تلك الجيوش هي مدينة السويس لنقلهم من هناك الى اوروبا وانكلترا بعد انقضاء فترة الحجز الصحي والاجراءات الصحية المقتضية  ويظهر ان بين اولئك الجنود من كان مصابا او ناقلا لجراثيم الهيضة (الكوليرا) ولما كانت قرية القرين قريبة من مدينة السويس فقد كان بعض سكانها يذهبون للعمل في معسكرات الجيش البريطاني بالسويس ومن هناك انتقل وباء الكوليرا الى قرية القرين ومنها الى القاهرة.

واعلنت وزارة الشؤون الاجتماعية (وكانت مديرية الصحة العامة من المديريات التابعة لها) اعلنت عن عزمها ارسال بعثة طبية الى القطر المصري لمكافحة الكوليرا وقد تطوعت للاشتراك في تلك البعثة الطبية فوجهت لي وزارة الشؤون الاجتماعية كتاب شكر نظرا لتطوعي هذا.

وقد تالفت البعثة الطبية من الدكتور سامي شوكت رئيسا وعضوية كل من الدكاترة شريف عسيران واحمد صميم الصفار وهاشم بركات وجورج اوسي وهاشم نشأت وحسين توحله ومحمد الحمداني وقد غادرت البعثة بغداد بتاريخ 2/10/1947 متوجهة الى مصر عن طريق البر من الاردن وفلسطين (حيث كانت لا تزال تحت  الانتداب البريطاني) وذلك بالسيارات حتى الاسماعيلية ومن ثم بالقطار الى القاهرة.

وكانت عمان في تلك الاثناء قرية صغيرة شوارعها متربة وغير مبلطة وان الفندق الوحيد الذي يمكن السكن فيه هو فندق قيلادلفيا ومن عمان توجهنا بالسيارات ايضا الى فلسطين لكي ندرك الاسماعيلية في المساء قبل ان يتحرك منها القطار متجها للقاهرة.

في عربات نوم القطار علقت صور الاثار في الاقصر واسوان وابي سنبل ، وقد كتبت تحتها العبارة التالية “اذا لم تزر الاثار في الاقصر واسوان فكانك لم تزر مصر” وقد جنيت تلك العبارة في حينه دعاية بارعة لتحريض المسافرين على زيارة الاقصر واسوان..ولكني وجدت ذلك صحيحا زرت تلك الاثار مع قية اعضاء البعثة (عدا الدكتورين سامي شوكت وشريف عسيران اللذين فضلا البقاء في القاهرة) حيث طلب منا المسؤولون في وزارة الصحة المصرية السفير الى هناك (بعد ان قضينا حوالي لشهر في مستشفى العباسية الذي خصص للمرضى المصابين بالكوليرا لعلاجهم.. وخلال ذلك الشهر حيث كان علاج المصابين لا يتعدى زرق المحلول الملحي في اوردة اذرعهم وان تعذر ذلك ففي اوردة فخذهم وان تعذر ذلك نزرق المحلول في جوفهم البطني وكم كان مدهشا ان يستجيب النبض بعد زرق المحلول الملحي في الجوف البطني فتحسه بالعين اولا ثم في الرسغ فتنتقل ابرة الزرق من البطن الى الفخذ ثم الى الذراع.

لقد كان من حسن الحظ ان وباء الكوليرا في القاهرة كان محصورا في مكانين منعزلين وهما سجن القاهرة ومستشفى الامراض العقلية وبالرغم من منع الزيارات عن المرضى والمسجونين.. الا انها لم تنفذ بصورة محكمة.. فقد جلب لمستشفى العباسية ذات يوم من سجن القاهرة مصاب بالكوليرا وهو في الرمق الاخير.. فما ان وصل المستشفى حتى لفظ انفاسه الاخيرة.. ولدى تشريح جثته وجد في معدته اصبع كف مطاطي جراحي وهو مليء بمادة الحشيش.. فظهر فيما بعد ان احد زائريه قد جلب له هذه الهدية مهربا اياها في شرجه وعندما سلمه الهدية بلغها في جوفه مع ما لوثها من جراثيم الكوليرا لأن الزائر كان ناقلا للمرض، وحيث ان تلوث العبوة بضمات الكوليرا كان شديدا فقد قضت على السجين بعد وقت قصير.. وعلى ما اذكر بان هذه الحالة قد نشرت في (اللانست) في حينه.

كان مستشفى العباسية يعج بمندوبي مبيعات شركات الادوية وكل عمل عينات من ادوية شركته يحاول ان يغري ادارة المستشفى بتجربتها وكانت الادوية المعروفة والتي كانت تجرب في تلك الايام هي مركبات السلفا والبنسلين ومحاليل البرمنغنات والديتول واللايزول وغيرها من المعقمات.

وكانت وقايتها من المرض هي غسل اليدين جيدا بالماء والصابون وعدم تناول الاطعمة غير المطبوخة وكنت ترى على موائد الطعام في الفندق ثمار الليمون الطازج لاضافة عصيرها الى اكواب الماء قبل شربها على اعتبارها ان الحموضة تقضي على ضمات الكوليرا.

وبعد دوامنا حوالي الشهر في مستشفى العباسية لعلاج مرض الكوليرا اخذت الصحف اليومية والمجلات الاسبوعية تنشر انبء تسرب الوباء الى المحافظات المجاورة للقاهرة عن طريق ناقلي المرض او عن طريق جثث الموتى التي تنقل مخية تحت اكوام الخضراوات في عربات النقل اثناء دفنها باكفان مشبعة بالمعقمات ولحود مليئة بالجير المطفى ان اعلن عن وفاتها لدى السلطات الصحية ولهذا تنتقل مهربة الى خاج القاهرة لتدفن من قبل اهليهم حسب الطقوس الاعتيادية وتكون الخضراوات التي تغطى لتخفي تلك الجثث اسرع الوسائط لانتشار وباء الكوليرا خاصة اذا كانت تلك الخضراوات تؤكل بدون طبخ مثل الخس والطماطم والخيار وغير ذلك مثل اللهانة والقرنابيط.

وهكذا اخذ الوباء في الانتشار في شمال القطر المصري (من قرية القرين في السويس) جنوبا الى القاهرة ومن القاهرة الى الفيوم وقنا الاقصر والى اسوان في اقصى الجنوب.

ولهذا طلبت السلطة الصحية منا الانتقال من مستشفى العباسية بالقاهرة حيث كنا نعالج مرض الكوليرا الى محافظة الفيوم لنتولى مهمة وقاية السكان من المرض عن طريق زرقهم بلقاح الكوليرا.

ان الحكومة المصرية هيأت للبعثة الطبية العراقية مساكن مريحة اينما حللنا ففي القاهرة كنا نقطن في فندق الكونتتال وهو من فنادق الدرجة الاولى ويقع في ميدان ابراهيم باشا مقابل دار الاوبرا التي بناها الخديوي اسماعيل باشا لتعزف فيها اوبرا عايدة لمؤلفها الموسيقار الايطالي (فردى).

وذات يوم جاء لمقر البعثة احد قساوسة الكنيسة وطلب منا ان نذهب الى مقر الكنيسة لاجراء التطعيمات للنسوة المسيحيات حيث تجمعهن الكنيسة ليلا لتعذر سيرهن في الطريق نهارا.. وقد تعجبنا كثيرا لحديثه على اعتبار ان المسيحيين اكثر تحررا من المسلمين.. ولكن الامر كان العكس من ذلك فان لهم نفس العادات والفعال.

والصعايدة على العموم ينطقون حرف الجيم مثل ما ينطقه العراقيون بعكس اهل القاهرة الذين ينطقونه بالكاف (المشددة).. وقد كنت اتحدث مع احد الزملاء من افراد البعثة حيث قلت له.. بعد ان اغسل (ايديه) .. واذا باحد الصعايدة الذين كانوا بجوارنا يقول لصاحبه: الله دول يتكلمون عربي!! ده يقول (ايديه) زينا!!.

وبعد زيارات العمل لمكافحة الكوليرا في كل من محافظات الفيوم وقنا والاقصر والزيارات السياحية التي رافقتها لكل من اثار الاقصر واسوان طلب منا العودة الى القاهرة.

وكانت عودتنا للقاهرة اشارة الى انتهاء عملنا في الاسهام بمكافحة الكوليرا وبداية للترويج عن النفس وزيارة معالم القاهرة وحضور حفلات التكريم التي اقيمت لنا فقد زرنا المتحف المصري (الانتيكخانة) كما يسميه المصريون كما حضرنا تمثيلية لفرقة نجيب الريحاني وقد اقامت وزارة الصحة المصرية حفلة تكريم للوفود الطبية المشاركة في مكافحة الوباء كما حضرنا حفلة غناء للسيدة ام كلثوم في حدائق الازبكية..

وكان الامير عبد الاله الوصي على عرش العراق حينذاك متزوجا من سيدة مصرية هي فائزة الطرابلسي وان اخاها دعى الوفد الطبي العراقي الى وليمة عشاء في شقته بالقاهرة وكان من بين الحضور في تلك الليلة فخامة جميل المدفعي احد رؤساء الوزراء السابقين في العهد الملكي واللواء اسماعيل صفوت احد قادة الجيش العراقي وممن شاركوا في حرب فلسطين عام 1948.

وذات يوم جاءنا الى ردهة الاستقبال في فندق الكونتنال وكنا اعضاء البعثة الطبية مع رئيس الوفد الدكتور سامي شوكت جاءنا يهودي عراقي اسمه (عزرا) يعمل في تصدير الافلام السينمائية المصرية الى سينما غازي في بغداد فقال للدكتور سامي شوكت اني مكلف من الاستاذ انور وجدي وزوجته المطربة ليلى مراد بدعوة الوفد الطبي العراقي الى وليمة عشاء في شقتهم هي عمارة الايموبيليا.. ويظهر ان (عزرا) هو الذي طلب من انور وجدي وزوجته دعوة الوفد الطبي العراقي ليبين لهم انه على صلة بالوزراء العراقيين وان هذه الصلة والمعرفة بالوزراء العراقيين ترفع من شانه في نظر الفنانين المصريين الذين يتعاملون مع السوق السينمائية العراقية.وقد قبل الدكتور سامي شوكت الدعوة وكانت حفلة شيقة ووليمة فاخرة سجلتها بعض اللقطات من عدسة الكاميرا.

وهكذا كانت زيارتنا للقطر المصري زيارة عمل للاسهام في مكافحة الكوليرا تخللتها زيارات سياحية واطلاع على حضارة مصر التاريخية والحديثة.

وقل العودة طلب منا التوجه الى قصر عابدين لتسجيل اسماءنا في سجل التشريفات الملكية وكذلك ذهبنا لزيارة وزير الصحة وكان قبطيا اسمه بطرس غالي وهو والد الدكتور بطرس بطرس غالي امين عام منظمة الامم المتحدة سابقا كما زرنا الدكتور توفيق شوشة مدير عام وزارة الصحة حينئذ والذي اصبح بعدئذ المدير الاقليمي لمنظمة الصحة العالمية (فرع البحر الابيض المتوسط) كما صحبنا لزيارة المختبر البكتريولوجي الرئيسي في القاهرة وقد اغتنمنا الفرصة للحصول على تقرير مختبري يثبت ان اعضاء الوفد غير ناقلي جراثيم الكوليرا بعد اتمام عملية الزرع والفحص المتخبري.

وحان وقت الرحيل من القاهرة والعودة الى العراق بواسطة القطار وقد ودعنا مثل ما استقبلنا من قبل ممثل عن وزارة الصحة وممثل عن السفارة العراقية ونقلنا القطار الى الاسماعيلية ومنها انتقلنا الى حيفا في فلسطين وكانت لا تزال تحت الانتداب البريطاني ولم يتم انسحاب الجيش البريطاني منها بعد.

من مذكرات الراحل د. هاشم بركات احد اعضاء البعثة العراقية الى مصر