من تاريخ الحركة الحزبية في العراق..هل كان حزب الاحرار تقليديا ام وطنيا ؟

من تاريخ الحركة الحزبية في العراق..هل كان حزب الاحرار تقليديا ام وطنيا ؟

حامد فرج عبد الحسين

جمدت الحياة الحزبية في العراق منذ تأليف ياسين الهاشمي وزارته الثانية في 17 آذار 1935. واستمرت هذه الحالة حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، ويرجع تفكير المسؤولين بالسماح للأحزاب السياسية بالعمل ثانية الى الأول من كانون الأول 1943، عندما اعلن الامير زيد نائب الوصي عبد الاله في خطاب العرش عن “تشجيع تأليف الأحزاب السياسية” الا ان هذا الخطاب لم يتمخض عن أي أثر عملي ملموس في هذا الشأن واستمرت الحكومة ولمدة طويلة تعمل بالقوانين الاستثنائية.

 

أما حزب الأحرار فيرجع في نشأته الى تكتل بعض النواب والساسة القدماء بالتفكير بتأليفه بعد خطاب الوصي في 27 كانون الأول 1945 وكانت النية متجهة الى اجازة حزب يضم العناصر المعتدلة، واقترح الوصي عبد الإله (الأحرار) اسماً لهذا الحزب وكان من المؤمل ان يكون برئاسة نوري السعيد الذي حاول ان يجمع فيه الأقطاب السياسية، وكان منهاج الحزب قد أُعدَّ من قبل عبد الوهاب محمودوبإشراف من نوري السعي.

وفي عهد وزارة توفيق السويدي الثانية 23 شباط 1946 – 30 مايس 1946، أجيز الحزب في 2 نيسان 1946 وتكونت هيئته المؤسسة من كامل الخضيري ومحمد جواد الخطيب، وداخل الشعلان ومحمد فخري الجميل بعد ان اصبح كامل الخضيري زعيماً للحزب حتى مايس 1946. واصدر الحزب جريدة صوت الأحرار لتكون لسان حاله في 26 نيسان 1946.

وفي الأول من حزيران من العام نفسه وبتأثير من توفيق السويدي انضم على ممتاز الدفتري الى حزب الأحرار. مع بقية أعضاء وزارة توفيق السويدي المستقيلة.

وعدّ الحزب ان مبادئ منهاجه تقوم على دعامتين أساسيتين أولهما استقلال العراق وتعزيز كيانه الدولي مع بقية الأقطار التي تربطها وشائج التاريخ واللغة والعادات وثانيهما بناء الدولة من الداخل لتكون موحدة وقوية وحديثة والتي تتمثل في إصلاحات شاملة لمختلف المجالات.

أعقبت وزارة توفيق السويدي موجه من التشديد بدأتها وزارة ارشد العمري في 1 حزيران 1946، إذ أعلنت حرباً على جميع الأحزاب وصحافتها بما فيها الصحافة المستقلةوعدّ لأول مرة في تاريخ العراق ان الصحيفة “آلة جرمية” بإمكان حجزها بأمر قضائي.

ففي صباح يوم 28 حزيران 1946، قام حزب التحرر الوطني وعصبة مكافحة الصهيونية اللذان يعدان واجهة الحزب الشيوعي السري بمظاهره في جانب الرصافة ببغداد، احتجاجاً على ما كان يجري في فلسطين، وقد بدأت المظاهرة في جانب الرصافة ثم عبرت الى جانب الكرخ من جهة الصالحية,فأطلقت الشرطة النار على المتظاهرين مما ادى الى سقوط عدد من القتلى.

وعلى اثر ذلك اجتمعت اللجنة العليا لحزب الأحرار، في 30 حزيران 1946، وكان على ممتاز الدفتري احد أعضائها، وأصدرت بياناً طالبت فيه الحكومة بتأليف لجنة محايدة تتولى التحقيق في كيفية وقوع الحادث ومعاقبة المسؤولين عنه بشدة منعاُ لتكرار مثل هذه الحوادث المؤسفة، وصيانة لأرواح الأبرياء.

وفي 3 تموز 1946 اضرب عمال شركة النفط في كركوك عن العمل بعد ان قدموا الى ادارة الشركة كتباً تضمنت استيائهم من عدم مساواتهم مع زملائهم في سوريا وفلسطين في منح المخصصات فقد طالبوا بزيادة أجورهم وتهيئة دور سكن لهم وصرف أجور السفر وغيرها من المطاليب .غير ان الشركة تغاضت عن مطالبهم فاستمر الاضراب وقاموا بتنظيم مظاهرة سياسية في كركوك مطالبين بتدخل الحكومة بوصفها وسيطا ، واستمر اضرابهم حتى 12 تموز لذا قامت الشرطة بمهاجمة العمال المجتمعين في حديقة “كاورباغي .

وكانت هذه الحادثة محكاً لاختبار موقف وزارة ارشد العمري الأولى، وصمودها بوجه المعارضة التي كانت تشتد يوماً بعد آخر . وقد استنكر على ممتاز الدفتري باعتباره عضو اللجنة العليا لحزب الأحرار، موقف الحكومة لاستعمالها القوة في مجابهة المتظاهرين، واعتبر ان المظاهرات السلمية مهما كانت أسبابها ودوافعها فلا مسوغ للحكومة استعمال القوة في مواجهتها .وطالب بإجراء تحقيق عاجل ومعاقبة المسؤولين عن الحادث.

على اثر استقالة وزارة ارشد العمري 14 تشرين الثاني 1946 ، كُلّف نوري السعيد بتأليف الوزارة الجديدة، وأراد ان يكون لوزارته التي تشكلت في 21 تشرين الثاني 1946 صفة ائتلافية وذلك باشراك ممثلي الأحزاب، وقد وفق في اقناع حزبي الأحرار والوطني الديمقراطي للاشتراك في وزارته وقد مثل حزب الأحرار في الوزارة علي ممتاز الدفتري وكان من شروط اشتراكه في الوزارة نزاهة الانتخابات وحرية الناخبين ، وعدم تدخل الحكومة فيها، وحرية الصحافة، وفسح المجال للنشاط الحزبي.

وما ان اقترب موعد اجراء الانتخابات حتى تبين لعلي ممتاز الدفتري ممثل حزب الأحرار في وزارة نوري السعيد، تدخل الحكومة في الانتخابات فقرر الانسحاب من الوزارة. اذ اجتمعت اللجنة العليا لحزب الأحرار في 27 كانون الأول 1946 برئاسة نائب الرئيس سعد صالح وعضوية علي ممتاز الدفتري وعبد الهادي الظاهر وداخل الشعلان، وبناء على البيانات التي أدلى بها علي ممتاز الدفتري ممثل الحزب في الوزارة قررت اللجنة بإجماع الآراء تكليفه بالانسحاب من الوزارة، وعلى اثر ذلك قدم علي ممتاز الدفتري استقالته من الوزارة في 28 كانون الأول 1946.

وعلى اثر نشر نصوص المعاهدة الجديدة في صحف بغداد يوم 16 كانون الثاني 1948 خرجت مظاهرات جماهيرية وإضرابات عمالية وطلابية في بغداد ومعظم المدن الاخرى والتي تحولت بسرعة الى انتفاضة عامة، حددت القوى الوطنية مطالبها الرئيسة بالغاء المعاهدة واسقاط وزارة صالح جبر، واجراء انتخابات حرة، ووضع حد للغلاء الفاحش واطلاق سراح السجناء السياسيين واشاعة الحريات الديمقراطية في مجالات الحياة كافة. وزاد من ثائرة الجماهير والموقف المتعنت الذي اتخذته السلطات الحاكمة إزاء هذه المطاليب ومحاولاتها الرامية الى قمع انتفاضتها التي تطورت بسرعة ولا سيما بعد فتح النار على المتظاهرين في العاصمة وسقوط العديد من الشهداء.

كانت الأحزاب العراقية ترى من الضروري في هذا الظرف العصيب الاستجابة لرغبات الشعب وذلك بتحقيق مطالب عدة منها، إبطال معاهدة بورتسموث الجائرة ، إجراء التحقيق الدقيق في أطلاق النار ضد ابناء الشعب وتعيين المسؤولين عنه فضلا عن حل مجلس النواب، الذي طعنت فيه الأحزاب وقاطعت انتخاباته، فرأت الوزارة ان تبادر الى تأجيل حل المجلس لتدرس قضية حله او عدمه في جو يسوده الهدوء والسكينة، فقرر مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة في الثاني من شباط 1948، تأجيل جلساته لمدة خمسين يوماً اعتباراً من 3 شباط 1948، ولما شعرت الوزارة بان الرأي العام لا يرتاح لهذا التأجيل، وان الصحف لا تزال تطالب بحل المجلس وبسبب التدخل والتزوير الذي رافق الانتخابات التي انبثق عنها، استصدرت في 22 شباط1948 إرادة ملكية بحل المجلس.

قامت حكومة محمد الصدر بعد ان أعادت العمل بالأحكام العرفية في عام 1948 بحملة واسعة للتضييق على الحريات ومحاربة الأحزاب وخاصة خلال الشهرين الاخيرين من ذلك العام، حيث كانت اعمدة الافتتاحيات في الصحف الحزبية، ومنها صوت الأحرار على وجه الخصوص، وبعض الصحف الوطنية المستقلة تظهر كأعمدة بيضاء بفعل الرقابة الشديدة التي مورست ضد الصحف. وامام هذا الوضع فتحت نافذة حوار بين حزبي الأحرار والوطني الديمقراطي لدراسة هذه الأوضاع فاتضح ان وجهات النظر متفقة تمام الاتفاق مما استدعى ان يتخذ الحزب قراراً في مؤتمره الأخير تخوّل فيه اللجنة العليا صلاحية المؤتمر العام في تقرير مصيره.

لذا أصدرت جريدة صوت الأحرار في 3 كانون الأول 1948 وهي تحمل على صفحتها الأولى قرار تجميد الحزب، واستعرض هذا البيان الاضطهاد الذي مورس ضد الحياة الحزبية منذ نشوئها ومبررات تجميد الحزب.

وقد ابلغ الحزب وزارة الداخلية قرار اللجنة العليا المتضمن ايقاف نشاطه السياسي في 12 كانون الأول 1948، الا ان هذا التجميد اصبح نهاية حزب الأحرار اذ انه لم يعد الى ساحة العمل السياسي بعد ذلك.

عن رسالة (علي ممتاز الدفتري

و دوره السياسي 1940 - 1958)