عندما جاء الأمير غازي الى بغداد سنة 1924

عندما جاء الأمير غازي الى بغداد سنة 1924

وديان حيدر الدلفي

غادر الأمير غازي الحجاز إلى الأردن مع عائلته في عام 1924(وهي السنة التي أقر فيها الدستور العراقي بأن يكون العرش وديعة الملك فيصل وينتقل إلى الأكبر من الأبناء ثم غادر الأمير غازي عمان إلى بغداد في تشرين الأول 1924 بعد أن أقيم له حفل توديع كبير وكان على رأس المودعين الأمير عبد الله عم الأمير غازي امير شرق الأردن وقد وصل الوفد الأميري إلى درعا واستقبله فيها الحاكم الفرنسي مع أركان الحرب وقد رحب بالأمير ترحيباً كبيراً وقال له:

أمرت من البعثة الفرنسية أن أرحب بسموكم، بعدها غادر الوفد الأميري درعا إلى العاصمة السورية مساء يوم الخميس3 تشرين الأول وقد استقبل استقبالاً شعبياً ورسمياً ونزل الوفد في فندق فيكتوريا حيث أمضى ليلته فيها وفي يوم الجمعة 4 تشرين الأول تجول الأمير غازي في العاصمة وضواحيها في سيارته الخاصة، وفي صباح يوم السبت 5 تشرين الأول غادر الوفد الأميري دمشق إلى بغداد فوصل إلى لواء الدليم في الساعة الثالثة من اليوم نفسه وخرج الأهالي مرحبين بقدوم ولي العهد وبعد استراحة قصيرة غادرها إلى بغداد.

قبل وصول الأمير غازي إلى بغداد تألفت لجنة من وزارة الداخلية لاتخاذ الترتيبات المقتضية بوضع منهاج استقبال يليق بالأمير غازي وقد باشرت اللجنة بعقد جلسات عديدة وأعدت منهاجاً للاستقبال وقام متصرف بغداد ناجي شوكت بالتشاور والترتيب مع وزارة المعارف حول صف التلاميذ في الأماكن المعدة لهم وكذلك مع وزارة الدفاع حول إعداد الحرس الملكي ليقوم بإطلاق المدافع تحية للأمير عند وصوله بغداد ، وقد خرج أهالي العاصمة للترحيب بالأمير الذي وصل إلى محل الاستقبال في الساعة السادسة من عصر يوم الخامس من تشرين الأول 1924 وقد انتهزت المدرسة الجعفرية في بغداد الفرصة فوجهت له الدعوة في 10 تشرين الأول 1924 لحضور حفل توزيع الهدايا على الطلبة المتفوقين وقد اعدت منهاجا حافلاً دعت إليه شخصيات مهمة مثل رضا الشبيبي وزير المعارف وناجي شوكت وساطع الحصري ورشيد الخوجة أمين العاصمة وقد لبي الأمير غازي الدعوة.

فكانت تلبية الأمير غازي للعديد من الدعوات التي وجهت إليه أمراً مهماً لتكوين علاقات اجتماعية والتعرف على أحوال البلاد وثقافتهم .

اهتم الملك فيصل الأول بابنه بعد عودته إلى بغداد رأى والده انه بحاجة لتطوير قدراته الذهنية والجسدية بما يليق به كولي للعهد، لذلك رأى أنه من الضروري أن يختار له وسيلة تنمي عنده هذه الأمور فتم زجه في فرقة الكشافة الملكية لغرض تدريبه على الرغم من أن غازي كان ضعيف البنية وقليل الحركة وكان خجولاً جداً وغير قادر على تلقي مثل هكذا تدريبات وتأكيداً على هذا ما ورد على لسان الدكتور جلال حمدي الذي كان طالباً في المدرسة المأمونية عام 1925 وكان أحد أعضاء الفرقة الملكية، ويذكر إنه عند مقابلة الملك فيصل الأول كان الملك يحاول إيجاد حل لمشكلة التعليم الذي يعاني منه الأمير غازي وعرض المشكلة على مدير المعارف ساطع الحصري الذي قام بدراسة الحالة وسبب تأخر التعليم لدى الأمير مؤكداً أن عدم فهم الأمير غازي لما ألقي عليه من الدروس لم يكن نتيجة نقص في قابليته الفكرية ،وإنما ناتج عن تأخر في الدروس بحكم حياته السابقة، وتلافي ذلك يتطلب وضع خطة محكمة بواسطة معلمين ومربين مجدين.

لم يهدأ للملك فيصل بال بسبب هذه القصة للتشاور وأصبحت تشغل تفكيره ما حدا به للتشاور مع رئيس الوزراء ياسين الهاشمي حول إيجاد الوسائل اللازمة لإعداد الأمير غازي اعداداً علمياً، حتى وصل الأمر إلى عرض الموضوع في مجلس الوزراء، وتم تشكيل لجنة للنظر والاهتمام بهذا الأمر وقد تم تشكيل لجنة ضمت كل من وزير المعارف رضا الشبيبي ووزير العدلية رشيد عالي الكيلاني ووزير المالية ساسون حسقيل.

وقررت اللجنة بعد مناقشات وطرح الآراء والأفكار بين أعضائها أن تتوصل إلى بعض الأمور التي تجدها مناسبة مثل تخصيص دار خاصة ومستقلة تكون مقراً لتعليم الأمير غازي، وتعيين مدرس مراقب كفوء له خبرة في هذا المجال، ويتعاون هذا المدرس مع مدير التعليم لوضع منهاج خاص للأمير، كما تقوم اللجنة بتقديم تقرير شهري إلى رئاسة الوزراء فيه مراحل تقدم الأمير وما وصل إليه من خبرة تعليمية وحتى حالته الصحية وقد أقرت اللجنة تعيين السيدة فيلي (Ms fili) وهي من بريطانيا لتتولى تعليمه اللغة الإنكليزية.

كان تدريس الأمير غازي لمدة ساعتين في اليوم تبدأ من الساعة التاسعة صباحاً إلى الساعة الحادية عشرة وتكون مدة استراحته فيها 15 دقيقة ثم تتولى المربية الخاصة به العناية والرعاية الصحية وتدريسه على ما تعلمه من مفردات اللغة الإنكليزية وبعض الألعاب الفكرية التي تساعده على تنشيط فكره.

بعد مرور مدة على تعليم الأمير غازي قدمت اللجنة تقريراً تبين فيه مدى التقدم والتطور الذي وصل إليه الأمير غازي خلال هذه المدة من تدريبه وتعليمه وقد أكد التقرير بأن صحة الأمير جيدة إلا أنه يعاني من صداع في رأسه أحياناً ويظن طبيبه الخاص أن الضعف في البصر أدى إلى ذلك وقرر أن يتم إجراء فحص للأمير، وربما يضطر إلى استعمال نظارات أثناء الدراسة.وان الحالة الفكرية للأمير جيدة إلا أنه يجد صعوبة في الحساب الذهني وسيمضي معلم الحساب بتقوية الذاكرة على حساب الذهني. وقد تقدم الأمير في معظم الدروس فقد درس الكثير من قواعد النحو وأخذ يتفهم المقالات البسيطة ويقوم بتحليلها وإعرابها، كما درس تاريخ الخلفاء الأمويين وشرع بدراسة تاريخ الخلفاء العباسيين، ولا يزال يدرس جغرافية العراق ويعمل الخرائط الأولية ويشاهد تجارب الدروس ويظهر ارتياحه لهذه الدروس.و لم يتمكن الأمير من الاستمرار على ممارسة ألعاب الكشافة بسبب ردائة الظروف الجوية إلا أنه يقوم بممارسة الألعاب الرياضية مرتين في الأسبوع داخل القاعة.و لا زالت المربية تدرسه اللغة الإنكليزية وتراقب دروسه في البيت أيضاً.

وعلى ضوء هذه الملاحظات التي تبين مدى ضعف الأمير في قبول التعلم واكتساب المعلومات، قرر الملك فيصل إرساله للدراسة في إنكلترا لغرض الدخول في كلية هاروا التي تعد من أرقى وأفضل الكليات الإنكليزية في التربية والتعليم وبعد إجراء المراسلات الخاصة لتسجيل الأمير غازي في كلية هاروا تقرر السفر في 25 شباط العام 1926 إلى بيروت ومنها تأخذه الباخرة سيفنكس في الأول من نيسان العام 1926 وقد طلب الملك فيصل من المعتمد السامي في العراق أن يبلغ السلطات الفرنسية في سورية الأخذ برأيها فيما يخص الترتيبات اللازمة وتسهيل سفر الأمير, وقد أعلن القائم بأعمال القنصل البريطاني العام في بيروت بأن المندوب السامي في سورية سيرسل خفارة وضابطاً إلى حدود العراق لملاقاة الأمير.

بعد كل هذه الإجراءات وصل الأمير غازي إلى إنكلترا في 10 نيسان 1926، وقد أخبر وزير المستعمرات (المستر آمري) (Mr Aamary) في رسالته إلى وكيل المعتمد البريطاني في العراق إنه تم اتخاذ جميع الترتيبات اللازمة التي يحتاجها الأمير غازي في تعليمه وتطويره والتي سبق وان تم بحثها مع الملك فيصل أثناء زيارته إلى إنكلترا في العام الماضي .

عن رسالة

(الحياة الاجتماعية للعائلة المالكة في العراق 1921-1958