كيف عرف العراقيون بثورة اكتوبر 1917 ؟

كيف عرف العراقيون بثورة اكتوبر 1917 ؟

د . مؤيد شاكر الطائي

حرص قادة ثورة اكتوبر1917 على نشر المراسيم الاولى للحكومة السوفيتية الجديدة في معظم الدول الشرقية ومنها العربية بشكل واسع،كما فضح امر اتفاقية “سايكس- بيكو” والوثائق السرية الاخرى لدول الوفاق بشأن تقسيم الدول العربية.

وان كان هذا الاعلان لم يؤثر كثيراً في المشاريع الاستعمارية في الوطن العربي الا انه لفت انظار العرب الى تلك الثورة التي أعلنت ان هدفها هو مقاومة الطغيان الداخلي والوقوف بوجه الاستبداد الذي تمارسه القوى الاستعمارية الدولية في وقت مبكر وفي ظرف دقيق كانت خلاله الدول الاستعمارية تعد العدة لتنفيذ اتفاقياتها السرية لاقتسام الوطن العربي .

فوصلت انباء الثورة الى اقطار الوطن العربي بشكل خاص ومنهم ابناء الشعب العراقي ،عن طريق الزوار والطلاب الايرانيين الوافدين الى العراق ، والمسلمين القاطنين في روسيا الذين هربوا بعد الثورة ليستقروا في المدن المقدسة مثل النجف وكربلاء وغيرها.وكذلك عن طريق اسرى الجيش العثماني الذين اطلق البلاشفة سراحهم و نشطوا في كردستان لنشر انباء الثورة . وظهرت في كويسنجق قرب اربيل جماعة اخرى من الاسرى الاكراد العائدين من روسيا عرفوا بين الناس بأسم” البلاشفة “ لانهم كانوا يروجون الدعوة للحكومة الروسية البلشفية.

يقول “عبد القادر اسماعيل”:” سمعت بالاشتراكية والبلشفية اول مرة اثناء الحرب العالمية الاولى وفي نهايتها تحديدا .. حين دخل والدي ذات مرة الى البيت وهو مشغول بشيء كبير فقال : لقد هجم الفقراء على الاغنياء في روسيا،ولم يبق فقير،وان الحرب ستنتهي،والذي عمل ذلك هم البولشفيك” . ويذكر “حسين جميل “الشخصية السياسية العراقية المعروفة ، ان الثورة البلشفية في روسيا كان لها صدى في عائلته التي كانت مشبعة بروح العداء لروسيا بعد ان سمعت عن قسوة الروس ايام الحكم القيصري وقتلهم المسلمين والمسلمات،وانها فرحت بهذه الثورة. وكان في كربلاء عام 1918، حمال يدعى “ الحاج نور “ يحمل عصر كل يوم علم احمر وبيده بوق ويقف في المناطق المزدحمة بالناس، ويصيح “تحيا البلشفية ويحيا البلاشفة.

لم تخل الصحف المحلية من اخبار الثورة البلشفية في روسيا وسياستها المتبعة لا سيما نشرها الاتفاقيات الاستعمارية السرية .اذ سعت جريدة “الاوقات البصرية” المؤيدة للاحتلال البريطاني، الى تشويه صورة البلاشفة. فكتبت عن خطر البلشفية على العالم وما تحمله من مبادئ هدامة، وان نهاية البلاشفة في روسيا باتت حتمية وقريبة. وحاولت اثارة المجتمع العراقي المحافظ، على البلشفية بالتطرق الى تأثيرالفكر البلشفي في الشرائع السماوية وبخاصة الشريعة الاسلامية، واكدت ان البلشفية ضد اوامر الله ورسوله لأنها تأمر بسفك الدماء والكذب والاعتداء على مال الغير. اما جريدة “العراق” الموالية للاحتلال البريطاني ايضا، فقد هاجمت البلشفية بمقالات تحدثت عن خطر البلاشفة وادراك شعوب الشرق هذا الخطر، بدليل عدم تقربها للقوات البلشفية لخوفها على مستقبلها.كما انتقدت البلاشفة لافراطهم في المسائل الاجتماعية بشكل لا يتلائم مع المجتمعات الشرقية، وفضلت الديمقراطية- على الرغم من مساوئها -على البلشفية .

في الوقت نفسه لم تستطع جريدة “ العراق “ اهمال آراء الكثير من المتعاطفين مع الشيوعيين البلاشفة. فقد اشادت بالبلاشفة وثباتهم في الحرب الاهلية الروسية وقالت:” لقد اثبتت التجارب ان قوة البلاشفة لا تضعف بالحرب مهما طالت، لأن عددهم اكثر من مخاصميهم والالمان هم المدربون لجيوشهم “ . اما جريدة “الاستقلال” التي صدرت في النجف اثناء ثورة العشرين ، فقد اهتمت بنقل اخبار البلاشفة، فكتبت نقلا عن صحيفة “البرق” السورية، عن انتشار الافكار الماركسية الشيوعية في سورية بفضل الرسائل التي كتبها لينين ودون فيها اعترافه باستقلال البلاد العربية ،التي انتشرت في جميع انحاء سورية . كما نشرت جريدة “الاستقلال” خبر اجتماع ممثلي شعوب الشرق في باكو( عاصمة أذربيجان السوفياتية ) في ايلول 1920 بدعوة من حكومة روسيا السوفيتية، واشتراك مندوبين عن الاقطار العربية،وما اتخذ من قرار بوجوب توسيع الحركات البلشفية في البلاد العربية. وفي مقال اخر بعنوان “ انتصارات البولشفيك “ اوضحت ان للروس خططاً حربية خاصة لا توجد عند غيرهم من الامم ، اذ انهم يجعلون الرجعة والانسحاب من اهم الوسائل لنيل الظفر وهزيمة العدو في اغلب الاوقات وانهم قد هزموا جيش نابليون الأول عام 1812 بهذه الطريقة،وان من يتفقد حالة الحلفاء امام روسيا سيلاحظ انهم تجنبوا مقاتلتهم وجهاً لوجه.

اما جريدة “الفرات” التي صدرت اثناء ثورة العشرين ايضا، فقد كتبت في عددها الاول عن امكانية الاعتماد على البلاشفة والحصول على المساعدة منهم لمواجهة الوجود البريطاني في العراق ،منوهة الى الشكوك التي تخامر الرأي العام العراقي بشأن حقيقة امر البلاشفة ومدى اخلاصهم،والى وجوب الاطلاع على مقاصدهم الحقيقية بعد ان منعوا حكومات اذربيجان وارمينيا والقوقاس من حق التمثيل الخارجي الذي يؤكد الاستقلال التام . واعلنت عن تحفظها بشأن التوافق بين المبادئ الدينية والبلشفية. وتناولت في مقال “مفهوم البلشفية واقسامها” مبينه: “ ان البلشفية ليست روسية بالضرورة ، اذ لا بد ان تتكيف في البلدان الاخرى مع اخلاق الشعوب واحوالهم المادية والأدبية ،وان البلشفية قسمان، البلشفية الروسية والبلشفية الاوربية.الاولى تعني نفي كل نظام وخراب كل سلطة ونقض لكل دين وهدفها تنفيذ القواعد التي وضعها كارل ماركس، الا ان القائمين عليها لم يراعوا الضعف المادي والانحطاط الادبي الذي تعاني منه البلاد. اما الثانية التي تتشرفي اوربا فهي ليست الروسية بالضرورة انما قد تكون ناتجة عن التفاعل مع الافكار البلشفية الروسية “، واشار المقال الى وصف بعض الكتاب، للبلشفية بأنها” مكروب لا يعدي سوى الامم المقهورة “ . ويبدو من ذلك عدم الفهم الواضح لافكار البلاشفة الماركسية الشيوعية وتحديد هويتهم الى درجة انها مزجت ما بين هذه الافكار والافكار الاشتراكية المنتشرة في اوربا ،فأطلقت على الاولى أسم” البلشفية الروسية “ بينما اطلقت على الثانية أسم “ البلشفية الاوربية « .

ووردت اخبار ثورة اكتوبر وتأثير البلاشفة في الوضع الداخلي في العراق بتقارير ومذكرات الضباط البريطانيين في العراق اثناء الاحتلال البريطاني للعراق وبعده. وعلى الرغم من ان هذه التقارير عكست بطبيعتها وجهات النظر البريطانية،ومخاوف البريطانيين من المد البلشفي في البلدان الشرقية ومنها العراق. وعلى الرغم من انها لم تخل من فكرة المبالغة في الأمر، الا انه يصعب اهمالها وينبغي الاشارة الى عدد منها. فقد ذكر وكيل الحاكم المدني العام “ ارنولد ولسن “ ان البلاشفة وجدوا لهم مكاناً في كربلاء عام 1917 ،وطالبوا بتحرير القوميات المضطهدة والقضاء على الاقطاع وطبقات المجتمع ذات الامتيازات ايضا.وذكر حاكم السليمانية “الميجر سون”:” ان اسم البلشفية عام 1918 وتعاليمها اصبحت معروفه للناس.وان للبلاشفة جواسيس لهم يد في اضطرابات العراق قبل ثورة العشرين. وقالت السكرتيرة الشرقية لدار الاعتماد البريطاني “المس بيل :” ان هناك ادلة وبراهين على وجود جمعية متآمرة اسست شمال العراق من البلشفك مع الوطنيين الاتراك وكانت منذ مدة طويلة تتصل بالجمعيات السياسية المتطرفة لاستغلال الرابطة الدينية المشتركة بين الاتراك والعرب واحراج وضع البريطانيين في الشرق الأوسط. وقالت المس بيل ايضا، ان الميرزا محمد رضا، نجل الشيرازي، احد المشتغلين للبلاشفة في كربلاء، وان احداث ثورة العشرين في كربلاء قد تمت بتشجيع واسناد من البلاشفة.واشارت تقارير بريطانية اخرى لا تخلو من المبالغة الى ان الاحداث الجارية في روسيا بدأت تناقش في العتبات المقدسة، وانها تلقى الكثير من التعاطف،حتى اصبح الموضوع الرئيسي لحديث الناس هو دخول القوات الروسية نهاية نيسان 1920 الى باكو واحتلالها في ايار 1920 ميناء انزلي ، وذكرت ايضا ان المجتهد الاكبر الامام الشيرازي ، اصدر فتوى نصت على ان البلاشفة من اصدقاء الاسلام ، لكن لم يعثر على ما يدعم وجود اي صلة بين الميرزا محمد رضا والبلاشفة ، ولا حقيقة للفتوى الصادرة من الامام الشيرازي التي تحدثت عنها التقارير البريطانية . ولم يعثر على ما يؤكد ان ثورة العشرين تمت بمساعدة من البلاشفة. فالمعروف ان احداث هذه الثورة قد جرت وانتهت بإخفاق عسكري دون ادنى عون بلشفي، وان صحيفة ثورة العشرين”الفرات” اعلنت مرارا تشككها بالنية الحقيقية لثورة البلاشفة، ومدى اخلاصهم. وانها حتى الايام الاخيرة من الثورة كانت تخاطب الثوار وتحدد لهم مستقبل البلاد بالوقوف اما الى جانب البريطانيين او البلاشفة .

 

عن رسالة

( الحزب الشيوعي العراقي 1935ــ 1949 )