توماس مور يسأل : كيف يجب أن نعيش ؟

توماس مور يسأل : كيف يجب أن نعيش ؟

علي حسين

على مدار قرون ، حاول الكثير من الأفراد والمجموعات البشرية تطبيق رؤاهم على أرض الواقع ، حاول البعض أن يحقق ذلك من خلال السلطة ، وحاول آخرون من خلال الفكر والحكايات الاجتماعية ، حتى أن ماركس كتب ذات يوم الى انجلز :” أعود بين الحين والآخر الى كتاب الجمهورية ، الحلم الذي أراد أن يحققه أفلاطون ، مجتمع عادل في دولة يسودها العدل والمساواة.. “ ،

هذا المجتمع الذي وصفه بعد وفاة أفلاطون بأكثر من 1200 عام فيلسوف مسلم ولد في عام 870 في مدينة فارب الواقعة بإقليم خراسان ، وقد روى لنا ابن ابي أصيبعه في موسوعته “ عيون الأنباء في طبقات الأطباء “ إن والده كان فارسي الأصل تزوج من امرأة تركية ، وأصبح قائداً في الجيش التركي ، وإن الفارابي في بداية حياته قبل ان يدرس الفلسفة اشتغل بالقضاء ، ودرس الطب في بداية شبابه ، لكنه ترك مدينته فارب بعد وفاة أمه وأبيه كان يبلغ الثامنة والثلاثين من عمره ، حيث قصد بغداد ليستقر بها ، حيث تفرغ لدراسة الفلسفة لمدة ثلاثين عاماً أصدر فيها العديد من المؤلفات كان واحداً منها كتابه الشهير “ في المدينة الفاضلة “ والذي سار فيه على خطى أفلاطون ، محاولاً بناء عالم مشابه لما جاء به أفلاطون في “ الجمهورية ، : “ إنما البشر، على تنافرهم، محتاجون الى الاجتماع والتعاون” . أي أن الإنسان، وفق مفهوم الفارابي : “ لا يستطيع أن يبق وأن يبلغ أفضل كمالاته إلا في المجتمع. وهو يصف لنا مدينته الفاضلة بأنها : “ شبيهة بالجسم الكامل التام، الذي تتعاون أعضاؤه لتحقيق الحياة والمحافظة عليها” ، وكما أن :”مختلف أجزاء الجسم الواحد مرتّبة بعضها لبعض، وتخضع لرئيس واحد، هو القلب، كذلك يجب أن تكون الحال في المدينة” . وكما أن “القلب هو أول ما يتكوّن في الجسم، ومن ثم تتكوّن بقية الأعضاء فيديرها القلب، كذلك رئيس المدينة” . والرئيس هو إنسان تحققت فيه الإنسانية على أكملها. وهي الفكرة المستعاره بحذافيرها من أفلاطون، وقد سعى الفارابي الى توجيه الفلسفة وجهة سياسية واجتماعية ، فهدف الفيلسوف في المجتمع أن يكون هادياً ومُهدياً للناس “ يهديه العقل بنوره ، فيُهدي هو الناس على ضوء ذلك النور نفسه “ .وقد كتب الفارابي العديد من المؤلفات التي شرح فيها وجهة نظره بالسياسة وأنظمة الحكم وعلاقة المجتمع بالحاكم ، وعلاقة الحاكم بالشعب ، وأشهر كتبه في هذا المجال “ رسالة في آراء أهل المدينة الفاضلة “ ولعل الغاية التي سعى إليها الفارابي ليست العمل في السياسة وإنما الارشاد الى سبل تحصيل السعادة من خلال إقامة مجتمع عادل ، وإن هذا المجتمع لايقوم على جهود أفراد معينين فقط :” فليس ممكن أن يبلغها الإنسان وحده بانفراده ، دون معاونة أناس كثيرين له ، وإن فطرة كل إنسان أن يكون مرتبطا بغيره “ ..ويضع لنا الفارابي تعريفاً لنظام الحكم بأنه نظام الحكم الذي يتضافر فيه الناس معاً ، ويتعاونون ، بهدف أن يصبحوا فضلاء ، ويقوموا بأنشطة نبيلة ، ويبلغوا السعادة .ويصر الفارابي على أن الحكمة أو الفلسفة شرط لايمكن الاستغناء عنه لتأسيس المدينة الفاضلة وبقائها .

في صبيحة يوم السادس من تموز عام 1535 نُفِذ حكم الاعدام برجل كان أقرب الناس الى الملك هنري الثامن ، حين عمل بمنصب الوزير الأول ، لكنه فجاة يقدم استقالته بعد أن رفض أن يقسم إن الملك هو الرئيس الأعلى للكنيسة ، لأن ذلك يتعارض مع قيام نظام عادل وحكيم ، فيساق الى السجن ويحاكم بتهمة الخيانة ، ليقطع رأسه في النهاية ، أحب توماس مور المولود في السابع من شباط عام 1477 أموراً ستظل تشغل البشرية ، وهي العدل والمساواة ، ونادى بالعلم والمساواة وطالب بالقضاء على أسباب الظلم والحروب .وقد صاغ مور عام 1516 كلمة “ يوتيبيا “ في كتاب صغير تخيل فيه وجود المدينة الفاضلة أو جمهورية أفلاطون في جزيرة متخيلة ، تأسس عليها مجتمع قائم على مساواة واسعة النطاق ، يحكمه رجال حكماء ، له قوانين صارمة ، لكنه يوفرالحياة الكريمة لمعظم مواطنيه ، ويذهب مؤرخو حياة توماس مور ، أن الرجل كان متاثراً بفلسفة أفلاطون وقدم ترجمة من اللاتينية لجمهورية أفلاطون أهداها للملك هنري الثامن . في “يوتوبيا مور “ ، كما هو الحال في “جمهورية أفلاطون” ، ليست ثمة ملكية خاصة، هناك الخير العام والمساواة. ، وقد حلم كاتبها بأن يعيش مواطنيه الإنكليز حياة أفضل وبنظام سياسي مثالي ، وهو الأمر الذي أدى به الى أن يُقطع رأسه ..وتأتي أهمية “ يوتبيا “ توماس مور بأنها أصبحت مصدر وحي وإلهام لكثير من المفكرين والمصلحين والأدباء على اختلاف فلسفاتهم ، لكن آراءهم اتفقت على ضرورة قيام عقد اجتماعي بين الشعب والحاكم ، وكان من هؤلاء جون لوك ، وجان جاك روسو ، ودايفيد هيوم .