تجارة البصرة في اواخر العهد العثماني كما يصفها الاب الكرملي

تجارة البصرة في اواخر العهد العثماني كما يصفها الاب الكرملي

البصرة هي آخر مدينة كبيرة من العراق. والعراق كله كمخزن عظيم بابه البصرة،والمخزن الذي لا باب له لا فائدة فيه؛ إذ يبقى مُغلقًا دون منفعة الناس. والظاهر من مسرى الحوادث والأشغال أن ثغر البصرة يفوق عن قريب مدينة بغداد، وسيكون له من الشأن والخطر ما يجعل دار السلام دونه منزلة ومقامًا، وسوف ترتبط به ارتباط التابع بالمتبوع، ولا يبقى لها من الحياة إلا ما يجود به عليها ذاك الثغر الباسم.

 بغداد وإن كانت شهيرة بتاريخها القديم المجيد؛ لأنها كانت مقر خلافة بني العباس، وقُبَّة الإسلام، ومُندفق أنوار الحضارة العربية، إلا أن البصرة لم تَقِل عنها شأنًا بما أنجبت من العلماء الذين جروا في ميدان الشعر واللغة ولا سيما النحو، جريًا ظهر فيه أن مَن كان في عهدهم من الكوفيين ومن جاء بعدهم بقرون لم يشُقُّوا غبارهم، بل تخلَّفوا عنهم بمسافاتٍ عظيمة لا تُقَدَّر، وقد أبقوا من الذكر ما لو مرَّت عليه القرون فإنها لا تزيده إلا شُهرة ورفعة ونباهة. البصرة لم يكن لها في التاريخ شُهرة في تجارتها؛ لأن الأموال في سابق العهد كانت تأتيها من جميع الجهات على طريق البادية، إلا ما كان يأتيها من طريق الهند، فإنه كان يصلها عن طريق البصرة. أما اليوم فالبضائع والأموال وأنواع البياعات لا تأتيها إلا على البواخر من ديار الغرب إلى البصرة ومنها إليها، بدون أن تُلقى على البر البتة، ولا يأتيها بالقوافل إلا ما يُحمل من أنحاء الموصل وحلب وسورية وديار الأناضول، وهو شيء زهيد لا يكاد يُذكر بجانب ما يأتي عن طريق البحر والنهر.

البصرة تكون عن قريب مدينة أكبر من بغداد، وسوف يزيد سكانها على سكان دار السلام، وسوف تكون تجارتها من أكبر ما يمكن أن تكون لهذه البلاد، وسوف يكثر فيها الغرباء والمحلات الأجنبية، حتى تكون من المدن التي تضاهي الحواضر الكبرى في ديار الإفرنج. كانت البضائع تُنقل إليها سابقًا من ديار الغرب على البغال قبل أن تُخرق ترعة السويس على سفن بحرية تُعرف الواحدة منها باسم سفن شراعية لا يتجاوز عددها في السنة الثلاث والأربع، فكانت تصلها من بعد أن تجُول حول رأس أفريقية المعروف يومئذٍ برأس الزوابع أوالعواصف، وهو المسمَّى اليوم،) الرجاء الصالح(.

وكانت تجارتها شيئًا زهيدًا لا يستحق الذكر. ولما خُرقت الترعة( يقصد قناة السويس) وبدأ عبورها سنة ١٨٦٩ تغيَّرَت الأحوال تغيُّرًا عظيمًا، وأخذت تجارتها ترتفع ارتفاعًا عجيبًا؛ إذ ما كانت تمضي السنة الواحدة إلا وقد تضاعفت المقادير عما كانت في السنة المنصرمة. وكان الإنكليز أسبق سائر الأمم إلى نقل البضائع منها وإليها، وهم الذين نشَّطوا البصريين لترويج التجارة ولغرس النخيل لاجتناء التمر.نعم إن النخل كان موجودًا في البصرة ونواحيها، لكن لم يكن بالألوف المؤلَّفة على ما نُشاهد عدده اليوم؛ فلقد أكَّد لي العارفون أن النخل زاد مائة ضعف عددًا من بعد

عشر سنوات من فتح قناة السويس.

وقد بلغ الجلب والإخراج(1) في سنة ١٩١٠ وهي آخر السنين التي وضع الأتراك لها قائمة نحو ٣٢٥٨٧٥٤ ليرة عثمانية، وكان مبلغ الجلب وحده ٢٢٠٦٦٩٥ ، ومبلغ الإخراج ١٠٥٢٠٥٨ ، وهذه الأعداد تدلك على ترقي التجارة في البلاد، وسنة ١٩١٠ لم تُعَدَّ بين السنوات الحسنة بل بين السنوات السيئة؛ لأنه في السنوات السابقة لها كان الجلب

والإخراج أعظم مما ذكرناه بكثير. ولهذا النقص أسباب، منها: أن ما يرد إلى ثغر البصرة لا يُصرف كله في العراق وحده، بل في ديار العجم وكردستان أيضًا، ومنذ إعلان الدستور في ممالك الدولة العثمانية كانت تجري أمور عظيمة وتغيُّرات مهمة في داخل إيران، فقَلَّ الأمن في الطرق، ولم تنفق البضائع كل النفاق فكسدت الأسواق رويدًا رويدًا، وتضررت محلات كثيرة بسبب هذا التوقُّف. والسبب الثاني، هو نقص في زوَّار كربلاء والنجف؛ فإن السنين التي يكثُر فيها زُوَّار الشيعة يحدث في العراق حركة عظيمة، تمتد من خانقين إلى البصرة، فينتفع منها الناس كلهم أجمعون من الصغير إلى الكبير. والحال أن الزوَّار في سنة ١٩١٠ كانوا قليلين لِما حدث في ديار إيران من الاضطرابات والفتن الداخلية وقلة أمن الطرق. ومن الأسباب التي تُنتِج الكساد في الأسواق: الأمراض الوافدة، ولا سيما إذا وقعت هذه الأوبئة في النجف وكربلاء، وهي لا تكاد تنقطع منهما؛ لنقل الجثث إليهما من جميع البلاد الإسلامية، فإذا وقعت تلك الأمراض صَعُب السفر إلى العراق، لِما يُوضع من المحاجر الصحية وما يُضرب من النطق الواقية من سريان الأمراض إلى الديار غير الملوثة. وهناك سبب رابع، وهو أن تقييد ما يُجلب ويخرج من هذه البلاد يختلف في

بعض السنين لاختلاف العمال، فيتفق أحيانًا أن كبار العمال الذين يأتون جديدًا لا يرتشون أبدًا، أو يرتشون قليلًا، وحينئذٍ يُقيَّد كل شيء في السجلات أو يكاد. أما إذا كان العمال — ولا سيما الكبار منهم — يرتشون فإنهم يسمحون للتجار بإرسال الشيء الكثير من الأموال لقاء دُريهمات، وحينئذٍ جميع ما يُرسل به لا يُسجَّل. والذي أعلَمه شخصيٍّا أن بضائع كثيرة أرُسلت في السنة المذكورة بدون أن تُدوَّن في الدفاتر.

والذي ساق الناس إلى هذا العمل أنه شاع بين موظفي الحكومة أنهم من الآن وصاعدًا لا يرتشون، والذي شاع وذاع كان على خلاف الحقيقة؛ فلقد اكتفى العمال بالسمعة الحسنة وأخذوا يرتشون أكثر من سابق. والذين كانوا في ذلك العهد يعرفون هذا الأمر ولا يُنكرونه. وما سبب هذه الرشوة إلا فساد أخلاق موظفي تلك الحكومة، وهي التي ساقتهم إليها بما كانت تأتيه من سوء التصرف في الأمور، وعدم الاهتمام بتحسين المدارس التي تؤهلهم لمثل تلك الوظائف التي تتطلب ذمة طاهرة وآدابًا لا شائبة فيها، وهذا بعيد المنال في حكومةٍ كانت قد نُخرت قناتها إلى درجة لم يبقَ منها إلا الظاهر.

وعلى كل حال نرى أن ازدياد التجارة في ميناء البصرة هو أمر محسوس يكاد يُدهش الأفكار. ومما يدل على تحسُّن أحواله أن سكانه كانوا قبل فتح قناة السويس نحو ثمانية آلاف نسمة لا غير، وكانت البرداء (الحمى الملارية) تفتك بأهاليها، بحيث كان أغلبهم هجروها إما إلى بلاد إيران وإما إلى داخل البلاد العثمانية، وزِد على ذلك حدوث الأوبئة والطواعين، بحيث إنها أصبحت في بعض السنين مفتوحة لعربان تلك الأرجاء، فكانوا يأتون عصابات عصابات ويسلبون مَن بقي من أهلها ويسرقون كل ما أمر مشهور في أمثال العوام.( خراب البصرة) أما اليوم ، فإن الحكومة الإنكليزية ما كادت تدخل البلاد إلا ودفنت كثيرًا من المستنقعات والغدران وجميع المياه المفتوحة، والمواطن التي لم تدفنها تُلقي فيها بعض السوائل لتمنع فيها تكوُّن البق فيها. والبقُّ أو البعوض هو المسبِّب لتلك الحمى الناهكة للقوى على ما أيَّده الأطباء وأثبته الاختبار المتكرر، وأمَّنت المدينة من عصابات اللصوص بالضرب على أيديهم.

وفي شهر آب سنة ١٩١٧ أحصت الحكومة البريطانية أهالي البصرة المقيمين فيها طول السنة، فكانوا كما يأتي بيانه:

٢٠٤٩٨ من العرب المسلمين

٣٣٤٧ من اليهود

١٣٥٠ من المسيحيين على اختلاف طوائفهم

١١٦ من الأوروبيين الملكيين

٢٨١٢ من أقوام شتى

٢٨١٢٣ وهو مجموع السكان

وأما أن بعضهم كتب في بعض الإحصاءات أنهم يبلغون ستين ألفًا فهو من قبيل الخُرافات، ولعلهم خُدعوا بكثرة العَمَلَة الذين يكونون في وقت جني تمر النخيل ووضعه في الصناديق والعُلب، فيجتمع وقتئذٍ خلقٌ عظيم من أهل البادية، ومع ذلك فلا يتجاوز عددهم في السنين المقبلة الخمسة الآلاف من العَمَلَة. هذه هي البصرة، وسوف نرى ما تصير إليه في ظل العَلَم البريطاني، فيظهر الفرق بين عهد وعهد، وهو الموفِّق لكل خير.

لا ريب ان الكرملي يعني بالجلب والإخراج هو الاستيراد والتصدير ( ذاكرة عراقية ).

عن كتاب (خلاصة تاريخ العراق )

المطبوع بالبصرة سنة 1919