من هم صناع ومبدعو عمارة العقد الثلاثيني ؟

من هم صناع ومبدعو عمارة العقد الثلاثيني ؟

د . خالد السلطاني

يتميز العقد الثلاثيني في القرن الماضي عن العقود الأخرى فيما يخص موضوع هذا السؤال ، إذ يشاهد خليط غريب من المعماريين والمصممين والبنائية والحرفيين ( محليين وغير محليين ) يشكلون فئة أصحاب القرار التصميمي التي ابتدعت «بانوراما» عمارة العقد الثلاثيني .

وتجدر الإشارة إلى أن العقد الثلاثيني افرز ظاهرة جديدة مألوفة في السياقات التصميمية ، وهي ظاهرة البناء وفق ما يعرف بالبيانات المصورة (أو الدفاتر المصورة ) أي ( الكاتالوغات CATALOGUE ) فقد انتشرت موضة المكاتب التي تعنى بتقديم أنواع مختلفة من التصاميم المعمارية المنشورة في هذا ( الكاتالوغات ) ويترك للزبون حرية اختيار التصميم الذي يناسبه ويتكفل المكتب المحلي في تجسيد ( الحلم ) التصميمي إلى الواقع . وأكثر تصاميم هذه ( الدفاتر المصورة ) هي تصاميم شائعة في بلاد الشام وفلسطين وكذلك في بلدان حوض البحر المتوسط الأخرى ، كتركيا واليونان وإيطاليا وحتى فرنسا . وتتسم تصاميم هذه المشاريع التي كانت تتبع الأسلوب ( التوليفي ECLECTICISM) بكثافة فائقة من العناصر الزخرفية واستخدام مفردات معمارية هي أصلاً دخيلة وغير متداخلة وغريبة عن تراث وتقاليد المنطقة العمرانية .

وأخيراً ، فان العقد الثلاثيني تميز بظهور المهندس المعماري العراقي لأول مرة كمشارك مهم في خلق وتصميم عمارة الثلاثينات وذلك بوصول أحمد مختار إبراهيم سنة 1936 ،كأول مهندس معماري محترف ومؤهل أكاديميا وأعقبـه بقيـة المهندسين المعمارييـن العراقيين ، أمثال حازم نامق وجعفر علاوي وعبد الله إحسان كامل ومدحت علي مظلوم وسامي قيردار وغيرهم . وقد أثروا عمارة العقد الثلاثيني وتخومه بتصاميم رائدة أسهمت عميقاً في تطور العمارة في العراق .

إجمالا ، يمكننا حصر الجهد التصميمي وقتذاك في صنفين اثنين ، هما: عمارة الأبنية العامة وعمارة الأبنية السكنية . وكلا الصنفان أغنيا عمارة الثلاثينات بروائع تصميمية تعد رموزاً وشواخص للعاصمة بغداد .

فمبنى الميناء الجوي (1931) - مطار المثنى حالياً ، والضريح الملكي في الأعظمية ( 1934) ومبنى المعرض الزراعي/ الصناعي (1932) في باب المعظم ( وزارة الخارجية سابقاً ) وبمنى الكلية الطبية في نهاية العشرينات ، وبناية كلية الهندسة (1936) ومعهد الفنون الجميلة ( 1936) في الكسرة ، ومكتبـة الأوقاف في باب المعظم (1931) ( التي أزيلت مؤخـراً ) ومقر وزارة الدفاع في القلعة (1936) ، وقصر الزهور (1933) ، والمستشفى الملكي (1934) ، ودار المعلمين الابتدائية (1936) والنادي “ الاولمبي” في الأعظمية (1939) .. كل هذه المباني وغيرها باتت شواهد مهمـة وعلامات مضيئة في معالم المدينة الجديـدة . ولقد امتازت تكوينات هذه المباني بتماثلية واضحة مما منحها قيمة رسمانية عالية وأكسبها قوة وهيمنة كبيرتين على ما جاورها وأمست تبعاً لذلك شواخص استدلالية للتعرف بالعاصمة .

ولئن كان التعامل مع عمارة البيت السكني أمراً سهلاً وبسيطاً لدى الكثير من سكنة بغداد سابقاً فان العقد الثلاثيني أفرز عمارة سكنية هي في واقع الحال مرحلة متطورة ومتقدمة ، كما أنها مغايرة تماماً للمفهوم المقترن بالبيت السكني التقليدي .

في الثلاثينات أفرزت الممارسة البنائية للدور السكنية حدثاً معمارياً ينطوي على أمرٍ مهم لكنه جديد ومؤثر . وهذا الامر ينحصر في أن المنظومة التكوينية الجديدة لعمارة البيت السكني باتت تؤلف البيئة العامة للممارسات البنائية التي شاعت في الثلاثينات ، وبعبارة أخرى ، أن النسق أضحى سياقاً ، وهو أمر نادر الحدوث في تاريخ العمارة العالمية ويمثل الحالة الدراماتيكية التي جسدها العقد الثلاثيني .

أن أمراً مثيراً هو الذي حدث ي عمارة الثلاثينات ، إذ لم تعد ممارسة العمل التجديدي ببغداد عملاً حكراً على الصفوة واهتمامها وإنما أمراً معمارياً مشاعاً وعادياً ، فما تم إنجازه من بناء في جميع أطراف بغاد المستحدثة لا يترك مجالاً للشك في تداخل النسق مع السياق ، حتى بات من الصعب معرفة أيهما يؤثر في الآخر ، بل ومن المتعذر تفريق الوارث عن الوريث . وهنا تكمن إثارة وخصوصية عمارة العقد الثلاثيني .

وأخيراً فان عقد الثلاثينات يمثل مرحلة مهمة في تطور العمارة العراقية الحديثة ؛ مرحلة يمكن أن ندعوها ( بالتأسيسية ) . فقد انطوت على لغة متجانسة من الطرح التصميمي ، بيد أن هذه اللغة ـ على الرغم من حداثتها ونزعاتها التجديدية مقارنة بما كان يجري سابقاً ببغداد ـ ظلت بإطارها المرجعي محكومة بنوازع تكوينات عمارة الطراز النيو/ كلاسيك ( الكلاسيكية الجديدة ) الذي يعود زمنه إلى منتصف القرن التاسع عشر بكل سماته المعروفة التماثلية الفاضحة والمحاور القوية للتكوين والاستخدامات القسرية لعناصر معمارية محددة ومعينة ، المر الذي لا يمكن اعتبار ما تم إنجازه مساهمة ما أو إضافة ما لإغناء الفكر المعماري الإقليمي أو العالمي.

ووفقاً لمستوى هذا المعيار التقييمي ، فان نسق وسياقات التكوينات التصميمية لعمارة الثلاثينات في صيغتها العامة ما هي إلا صدمة حضارية انطوت على غربة مزدوجة : غربة الزمان وغربة المكان .زماناً : لأن العمارة العالمية خطت خطوات كثيرة وابتعدت بمسافات شاسعة عن مفاهيم أسلوب الكلاسيكية الجديدة وانغمست وقتذاك بنقاش حاد حول مصداقية قيم ومباديء “ العمارة الحديثة « .ومكاناً : عندما باتت المفردات التعبيرية والرمزية للغة العمارة الكلاسيكية بعيدة جداً عما يمكن أن يفضي إليه التطور التدريجي لعمارة المنطقة . وأياً كان نوع التقييم والتقويم ، فان عمارة الثلاثينات ما فتئت تمثل صفحة مهمة في سجل موروثنا المعماري. وبالتالي فإنها جزء لا يتجزأ من خزين ذاكرتنا وذاكرة الوطن غير القابلة للنسيان ، ذاكرة لا يمكن تزييفها مثلما لا يمكن اختلاقها .

إن محاولتنا إثارة خصائص ومميزات عمارة الثلاثينات ينبغي أن لا ينظر إليها كونها ( نوستالجيا ) ـ الحنين إلى الماضي ، بقدر ما تمثل هذه العمارة أنساقاً تصميمية جديدة ومبدعة ؛ كان لها تأثير عميق ونفوذ كبير في تشكيل وصياغة عمارة الفترات اللاحقة ضمن مسيرة العمارة العراقية الحديثة؛ كما هي الحال في تطور العمارةالعربية الحديثة ،على وجه العموم.

 

من كتاب - العمارة العراقية الحديثة: السنين التأسيسية -