ما سر عظمة غوته ؟

ما سر عظمة غوته ؟

آدم كيرستش

ترجمة: أحمد زيد

اعتدنا في العالم الذي يتحدث الانكليزية على النظر إلى أديبنا العظيم شكسبير كأنه لغز، أو كحقبة غير مفهومة من الزمن. وبيد أن هناك دلائلٌ تاريخية كافية عن وقت ولادة ووفاة شيكسبير، وأخرى دامغة تثبت أنه كتب المسرحيات التي تحمل اسمه، إلا أن سجله مازال صغيراً.

 

ويأتي استمرار ظهور نظريات المؤامرة التي تعزو كتابات شكسبير إلى إيرل أكسفورد أو لمرشحين آخرين نتيجة لقلة معرفتنا بحياته. فقد بقيت أراء شكسبير الدينية، وعلاقاته الغرامية، وعلاقاته مع الكتّاب الآخرين، وروتينه اليومي في عداد المجهول الأبدي، ومعظم التراجم التي كتبت عن شكسبير مبنية على التكهنات.

وإذا أردنا أن نفهم سبب هيمنة يوهان فولفغانغ فون غوته على الأدب الألماني، فعلينا أن نتصور شخصية مثل شخصية شكسبير، لكن مع معرفة بأدق تفاصيل حياته؛ أو لربما ضعف أو ثلاثة أضعاف تفاصيل حياته.

تتجلى أهمية غوته فقط بالنظر إلى نطاق أعماله التي تصل إلى 143 مجلد. فهذا الكاتب لم يؤلف أعظم المسرحيات في اللغة الألمانية فقط، بل زاد عليها مئات القصائد التي تناولت مواضيع مختلفة، والتي تكفي أجيالاً من المؤلفين الموسيقيين في إنتاج أغانيهم. ولا تنسى ضمن هذه الأعمال ثلاثة روايات ضمن أكثر الروايات تأثيراً على ساحة الأدب الأوروبي، وسلسلة من المذكرات الكلاسيكية التي توثق طفولته وأسفاره، ومقالات حول مواضيع علمية مثل نظرية الألوان أو أشكال النباتات.

أضف إلى ذلك العديد من المجلدات التي سجلت حواراته، وأكثر من 20 ألف رسالة، وذكريات العديد من الناس الذين التقوا به خلال مسيرة عمله التي امتدت 60 عاماً بصفته أحد أشهر رجال أوروبا.

وأخيراً، يجب التذكير بأن غوته قدم كل هذا أثناء خدمته في منصب حكومي في دوقية فايمر، حيث كان مسؤولاً عن أمورٍ شتى منها إدارة عمليات التنقيب في المناجم واختبار الممثلين في مسرح البلاط.

ولو أن غوته لم يعش بين 1749 و1832 في عصر الطباعة الحديث، وانتشر سيطه بدلاً من ذلك في نفس الوقت الذي ظهر فيه شكسبير، فلك أن تتصور عدد النظريات التي سيضعها الباحثين اليوم التي ترجح أن أعمال غوته ما هي إلا سِيَرِ حياة ومجموع أعمال إثنا عشر رجلاً وضعت أعمالهم تحت اسم غوته. ويقول نيكولاس بول كاتب ترجمته الانجليزية الرائد:”هناك المزيد مما يمكن معرفته عن غوته، أو لربما يجوز القول أن هناك المزيد لنعرفه عنه أكثر من أي إنسان آخر”

بدء الألمان نقاشاتهم حول أهمية غوته وهو ما يزال في عشريناته، ولم يتوقفوا عن ذلك حتى الآن. ويشار إلى حياته التي شهد فيها أهم انعطافات العصر الحديث “بالغوثيزايت، أو عصر غوته.

وبيد أنه كان معبوداً بصفته أعظم عبقري في تاريخ ألمانيا، ومثالاً على الشاعر والإنسان في أبهى صورهما، فقد تعرض للنقد بسبب تحفظه وخموله السياسييّن، الأمر الذي كان يعد تركة مشؤومة في القرن العشرين. فقد كان غوته معادياً للثورة الفرنسية وللحركة القومية الألمانية التي نشأت بسببها. وازدرت الشخصيات الراديكالية والرومانسية هذا العملاق الذي رضي بأن يكون في خدمة الأمراء – ودوق فايمر الأكبر كارل أوغوست، الذي يعد أميراً صغيراً بصرف النظر عن لقبه – في عصر الثورة.

هناك قصة مشهورة عن غوته وبيتهوفن حينما كانا معاً في منتجع، وشاءت الصدفة أن يلتقيا بأفراد من الطبقة الملكية الألمانية، فتنحى غوته ووقف باحترام رافعاً قبعته، أما بيتهوفن فأبقى قبعته على رأسه وشق طريقه بين المجموعة الملكية مجبراً إياهم أن يفسحوا له الطريق – وقد فعلوا ذلك وهم يحيّونه بود. كانت هذه الحادثة بمثابة مقارنة بين طبيعة الرجلين، وجيلين مختلفين.

ينتمي غوته إلى الجيل اللبق الذي يمثل الماضي، حيث كان الفنانين زبائنَ الأمراء، بينما يمثل بيتهون المستقبل الرومنسي الذي كان يتزاحم فيه الأمراء على مصاحبة الفنّانين. هناك خلاف بين المؤرخين على صحة هذه الحادثة، لكن وإن لم تكن القصة واقعية فإنها تكشف لنا عن شيء مهم؛ لقد انتشرت القصة لأنها تعكس الصورة التي كانت تعرفها الناس عن غوته والقيم التي كان يتحلى بها.

حظيت رواية غوته الأولى ” آلام فرتر” بشهرة أكثر من غيرها لأنها كانت بمثابة نقلة نوعية في تاريخ الأدب؛ فقد كانت أول رواية ألمانية ضمن قائمة الأكثر مبيعاً عالمياً، ويقال أنها بعثت نوعاً من سعار الانتحار بين الشباب الذين حاولوا تقليد شخصية البطل. إلا أن النسخة الإنجليزية حققت شهرتها لكنها لم تقرأ كثيراً.

لم يكن رد الفعل في العالم الانكليزي على أعمال غوته بارداً على الدوام، فقد رسم مثقفي العصر الفكتوري هالة القداسة حول غوته، ووصفوه بالمبجل حكيم فايمر. وقد توجه الفيلسوف توماس كارلايل إلى عامة القراء قائلاً:” أغلقوا كتب الشاعر الإنجليزي بايرون وافتحوا كتب غوته” – ويعني بذلك أن “عليكم أن ترتقوا بذائقتكم!”. رأى الشاعر الإنجليزي ماثيو أرنولد أن غوته بمثابة الطبيب الشافي والمحرر، واصفاً إياه “بطبيب العصر الحديدي” الذي”يفهم لكل جرح، ويعرف مواطن الضعف” الذي يعاني منه “الجنس البشري”. لقد رأى هؤلاء الكتاب في غوته شيئاً افتقدوه في العالم الحديث: ألا وهو الحكمة، والقدرة على فهم الحياة وكيف يجب أن تعاش.

كان هذا بالتحديد ما أدى إلى خفوت نجم غوته بعد العصر الفكتوري؛ فقد كان عليك أن تكون مريضاً روحياً حتى تكسب الاحترام الفكري من الحداثيين. وقد كتب توماس ستيرنز إليوت:” هناك شيءٌ من التصنع والمثالية في صحة غوته الروحية “

عندما نقرأ أعمال غوته اليوم، حتى المترجمة منها، نجد أنفسنا في حضرة طريقة تفكيرٍ ومشاعر غريبةً عنا. لم تكن “الصحة” الروحية التي تمتع بها غوته، والتي ازدراها إليوت، ناتجة عن تمتع الرجل بالكمال، بل كانت نتيجة لتعافيه من نقائصه. فقد عرف إليوت “ضعف” غوته الذي أتقن ماثيو أرنولد وصفه. فقد عاش غوته حياة مرفهة في صغره – فقد كان الابن الوحيد في عائلة برجوازية ثرية في فرانكفورت – وكانت له فلتاته أثناء فترة مراهقته.

وبيد أنه درس القانون بسبب إصرار والده، ومارس مهنته لفترة قصيرة، فلم يكن العمل في القانون إلا غطاءً لاهتماماته الحقيقية؛ وهي كتابة الشعر وعلاقاته الغرامية. فقد كانت إحدى علاقاته الغرامية الأولى السبب في بؤسه الذي كان موضوع أول نجاحاته الأدبية في رواية “آلام فرتر”.

تدور أحداث هذه الرواية حول علاقة حب تعيسة، حيث نتعرف من خلال الرسائل التي يكتبها “فرتر” إلى صديقه ليخبره عن تفاصيل حبه المستحيل لفتات رقيقة وفاضلة تدعى شارلوت، المخطوبة لرجل شريف يدعى ألبرت.

فبعد أن تقرر شارلوت وألبرت أن يتزوجا، يشعر فرتر بأنه لم يبقى له شيء ليحيى من أجله ويقرر أن ينتحر- ومن ثم يخبرها عن قراره بعبارات ملحمية سوداوية:” أتعلمين يا شارلوت، أنا لا أخاف أن أتجرع تلك الكأس الباردة القاتلة التي ستسقيني الموت، يداك أعطتني الكأس، وأخذتها يداي دون تردد. لقد تحققت كل أمنياتي وأمالي، ها أنا أقرع أبواب الموت المقيتة يتغشاني البرد والجمود.”

استطاع هذا الكتاب أن يصوّر حساسية هذا الجيل الذي وصفه توماس مان بأنه:”يركض في الأرض كالمصاب بالحمى والسُعار، ويعمل عمل الشرارة في مخزن البارود، مطلقاً بذلك كل الطاقة الكامنة”. بعض القرّاء اعتبروا أن غوته يوافق ويجمّل انتحار فرتر.

وقد أقدمت سيدة صغيرة تدعى كريستال فون لاسبيرغ كانت تعمل في بلاط فايمر على إغراق نفسها في نهر إلم مع نسخة من الرواية في جيبها. لابد أن غوته قد أحس بنفس الذنب الذي أحس به جيروم ديفيد سالنجر بعد ما ارتكبه مارك ديفيد شابمان بدافع ٍ من قراءته لروايته “الحارس في حقل الشوفان”، ولابد أيضاً أنه أصيب بالهلع لهذا التأويل الخاطئ لكتاباته.

لا يسعى هذا العمل الأدبي لتمجيد البطل “فرتر”، بل إنه يحذّر من ما يعتقد غوته بأنه مرض يقتل الروحانية لدى الإنسان. إن السبب الحقيقي لموت فرتر ليس قصة حبه التعيسة، بل أنانيته القاتلة التي أفلت لها العنان. فسواء كان فرتر مستمعاً بجمال المكان، أم بصحبة شارلوت، نجد أن تفكيره كان دائماً منصبّاً على نفسه، وعلى أفكاره ومشاعره الخاصة.

ويقول:”إن ذلك الشعور الغني المفعم الذي ملأ قلبي بحب الطبيعة وغمرني بالسعادة ووضع الجنة بين يدي، كان هو أيضاَ سبب عذابي الذي لا يطاق – هو الشيطان الذي يلاحقي الآن.” إن العامل القاتل في مرضه فرتر هو الكِبر. فلم يكن فرتر تعيساً فقط، بل كان فخوراً بتعاسته، والتي رأى فيها دليلاً على حساسيته المفرطة – أكثر حساسية من هذا العالم الذي خيب أمله. فبعد أن عرّف نفسه كجزء من هذا العالم، بات يرى أن هذا العالم يتحول إلى سجن عندما يشعر بالحزن.

حتى الآن ، نرى أن فرتر يمثل، إلى حدٍ كبير، شخصية هاملت؛ الذي يصف الدنمارك والعالم أجمع بالسجن.”فليس هناك ما هو جيد أو سيء، إنما منظور الإنسان هو الذي يحدد ذلك”. إلا أن معضلة الإرادة أدت بهامليت في المشهد الرابع للالتزام بالقيام بالعمل. حيث يقول:”الاستعداد هو مدار الأمر” ثم يشرع بالانتقام من كلاوديوس. في المقابل، لم يكن فرتر مستعداً للقيام بأي عمل، فلم يكن هناك أي عمل ذو أهمية بانتظار أن ينفذه. ويمثل فرتر في هذه الجزئية شخصية أحدث من هامليت التي استثاره الشبح. ففرتر مثلنا تماماً، لا يجد أي مساعدة من العالم الآخر فيما يفعله في هذا العالم.

لقد عرف غوته البؤس الذي يعاني منه بطله تماماً مثل ما عرفه كل من قرأ الرواية. وقد افتضح أمر الكتاب بسبب تصويره لشخصيات ووقائع حقيقية. فقد كانت علاقة فرتر المتوترة مع شارلوت التي أغرم بها، ومع ألبرت الذي يحترمه كصديق، صورة لعلاقة غوته بامرأة كان يحبها تدعى شارلوت باف، وخطيبها يوهان كيستنر. وجَدَلَ غوته هذه القصة بقصة شابٍ بالكاد عرفه يدعى كارل جيروسالم. وقد انتحر الأخير بمسدس استعاره من كريستنر، تماما مثل ما استعار فرتر مسدس ألبرت لنفس الغرض. عكست أحداث هذه الرواية القصص الحقيقية بشكل دقيق، وقد حظيت بنجاح باهر بعد نشرها، مما أفسد علاقة غوته بكيستنر، الذي كتب معترضاَ على”استغلال صفات الشخصيات الحقيقية التي استخدمها المؤلف”.

الفرق الوحيد بين شاعرنا وبين الشخصية التي أودعها روايته، أن الأول وجد مخرجاً من متاهته. ففي عام 1775، أي بعد أن حقق “فرتر” الشهرة لغوته بعام واحد، دعا دوق دوقية فايمر الأكبر كارل أوغست غوته للانتقال إلى بلاطه، وقد كانت دوقية صغيرة مستقلة يسكنها مئة ألف شخص حينئذ.

وتحت رعاية وإدارة غوته، بات البلاط الصغير يتمتع بشهرة عالمية لاستقطابه ألمع العقول الألمانية في ذلك العصر؛ أجدرهم بالذكر الشاعر والكاتب المسرحي فريدريك شيلر، الذي كان صديقاً ومعاوناً لغوته، ومعلمه الأول وفيلسوف اللغة الرائد يوهان جوتفرايد هيردر. لم يكن وجود غوته للمباهاة فقط، فقد ارتقى سريعاً، لسوء حظ الأرستقراطية هناك، إلى أعلى المراتب الحكومية وأصبح أكثر المسشارين حظوة وثقة لدى الدوق. لم ينجز غوته خلال السنوات العشر الأولى أياً من الأعمال الأدبية الرئيسة التي كانت بين يديه، فقد كان مشغولاً بأعمال منصبه.

قد يرى البعض أن هذا العمل مضيعة لعبقرية غوته، تماما كأن تربط الحصان الأسطوري بيجاسوس إلى عربة، إلا أن غريزة غوته التي لا تخطئ، والتي رسمت مجرى حياته كلها دفعته لأن يعيش حياةً مختلفة بأكبر قدر عن حياة فرتر.

نأى غوته بطاقته عن هواياته واهتماماته الشخصية، ووجه جهده نحو عمله ومسؤولياته في الفضاء العام. ومن ضمن ما ركز عليه غوته في الفضاء العام دراسته للعلوم. فقد نشر خلال حياته بعض النظريات و”الاكتشافات”، كانت في معظمها خاطئة ولا يعيرها علماء اليوم أي اهتمام. وبيد أنه لم ينجح في إبطال شرح نيوتن للبصريات، إلا أنه وجد في العلوم ملجأً من نفسه.

وضع غوته في الوقت نفسه مفهوما مغايراً عن الطبيعة لتلك الآلية الحسابية الخالية من الروح التي قدمها العصر التنويري. يضم كتاب المختارات “ذا إسينشيل غوته” عدداً كبيراً من كتاباته العلمية التي تظهر أن جُلّ اهتمامته العلمية كانت موجهة نحو فكرة الفلسفة الشمولية، والاعتقاد بأن الكون عبارة عن كائن حي يتطور ويكبر – بشكل أقرب إلى الحدس منه إلى النظرية.

وكتب في إحدى مقالاته:”نحن نحس بأقصى درجات السعادة عندما نجهل أجزاء وجودنا، ونعي الكل فقط. فالحياة بكافة أبعادها عبارة عن طاقة لا تنتمي لأي جزء بعينه من هذا الكائن”.

عن موقع الحكمة