صمت جوته..من الناس نتعلم الكلام ومن الآلهة الصمت

صمت جوته..من الناس نتعلم الكلام ومن الآلهة الصمت

عبد الغفار مكاوي

كلمة قالها جوته في شيخوخته، وهل هناك من هو أحقُّ منه بقولها، وقد كانت حياته الخصبة الطويلة التي قاربت على قرنٍ من الزمان شاهِدَ صدقٍ عليها؟ فكيف إذن نستطيع أن نُحدِّث عن صمته؟ بل كيف نذهب إلى أنه كان من أعظم الصامتين في هذه الدنيا؟

الرجل الذي استطاع أن يقول عن نفسه في شبابه إنه «حبيب الآلهة»، وأن يكتب إلى أمه قائلًا إن الآلهة لم تترك نعمةً لم تنعم بها عليه، كيف يجد اليأس من كل شيء والضيق بكل إنسان طريقهما إلى نفسه؟ القلب الذي تفتَّح لكل التجارب، كيف استطاع أن يحجُب سره وراء ألف ستار؟ والعين التي لم تشبع من مشاهدة هذا العالم — وكأنها عينُ إغريقيٍّ وُلِد في العصر الحديث في بلاد الشمال كما يقول شيللر في خطابه الشهير إلى جوته بمناسبة عيد ميلاده — كيف حدث لها أن تُغمِض الجفون لكيلا ترى شيئًا؟ وهذه الحياة التي اتجهَت بكلِّ ما فيها من حماس إلى الواقع على اختلاف مظاهره وأشكاله، تريد أن تغترف من كل نبع، وتُفتِّش عن كل كنز، وتتحسَّس بالعين واليد كل ما على الأرض من معدنٍ أو حَجرٍ أو نبات، وأن تعرف مع ذلك حدودها فلا تتعدَّاها، وتبقى على إجلالها لحقيقة الوجود وخشوعها أمام عظمته، كيف ننتظر من هذه الحياة أن تُقيم من حولها سورًا لا تتطفل إلى ما وراءه عينُ بشر، وتضِن بالتعبير عن ذاتها الحقيقية فلا تنطق بكلمةٍ واحدة، وتُغلِّف مركز وجودها بالسر والصمت والخفاء؟

ليس معنى هذا أن العجوز الذي صقلَته التجارب، وزيَّن رأسَه تاجُ الحكمة هو وحده الذي عرف الصمت أو لجأ إليه كما يلجأ الإنسان إلى كلمته الأخيرة. إن الشباب الغارق في نشوة المجد والشهرة — ولم يكَد يبلُغ السابعة والعشرين — المنهمك في حياة البلاط في أول عهده في «فيمار»، بكلِّ ما فيها من مُتَع ومغامرات، ومن سخفٍ ورسميات، يمتدح حياة الصمت ويجد فيها صورةً من صور الوجود التي تعوَّد عليها وعاش فيها: «إنني أعيش دائمًا في العالم المجنون، منطويًا على نفسي انطواءً شديدًا.» و«لن يستطيع مسافر أن يحكي لك شيئًا عن ظروفي الحقيقية، بل لن يستطيع ذلك أحدٌ ممن يسكنون معي، لقد صمَّمتُ تصميمًا أكيدًا على ألا أُنصِت لشيءٍ مما يُقال عني.»، إنه لا يكتفي، كما يقول في رسالةٍ له إلى حبيبته المشهورة شارلوته فون شتاين في عام ١٧٧٨م، ﺑ «تحصين القلعة» التي يحرسُها منذ زمنٍ بعيد، بل يبدأ في تحصينِ «مدينة نفسه»: «إن الآلهة تحفظ عليَّ الاتزان والصفاء على أكمل وجه، ولكن زهرة الثقة، والصراحة، والحب المتفاني تذبُل يومًا بعد يوم. من قبلُ كانت نفسي كمدينةٍ تحيط بها أسوارٌ منخفضة، ومن خلفها قلعةٌ على الجبل. الحصن قمتُ على حراسته، والمدينة تركتُها في السلام والحرب بغير سلاح، لكنني بدأتُ الآن في تحصينها.» ويعود بعد عشرين عامًا فيلتقط هذه الصورة في رسالة له إلى صديقه شيللر: «الأسوار التي أحطتُ بها وجودي ينبغي أن تُرفع الآن عدة أقدام.» قد تبدو هذه العبارة من رجل في الخمسين من عمره أمرًا لا يثير العجب، ولكن التعبير المتصل عن الصمت على مدى عشرات السنين يجعلنا نرى جوته الشاعر الإنسان في ضوءٍ جديد.

يقول في رسالةٍ له إلى صديقه لافاتر: «لقد باركني الله سرًّا وغمَرني بنعمه الوافرة؛ ذلك لأن قدَري مستور عن الناس تمامًا، فليس في إمكانهم أن يَرَوا منه شيئًا أو يسمعوا عنه شيئًا.»

وفي رسالةٍ أخرى إلى فون كنيبل: «إنني أظل في صميمِ خطَطي ومقاصدي ومشروعاتي مخلصًا مع نفسي على نحوٍ تحيط به الأسرار، وهكذا أعود فأَعقِد خيوط حياتي الاجتماعية والسياسية والأخلاقية والشعرية في عقدةٍ خفية.» هذا المقصد الذي ينبُع من صميم طبيعته، يجعله يجتهد في أن «يُخفي وجوده وأفعاله وكتاباته عن الناس.» ويقتنع اقتناعًا لا شك فيه بأن الإنسان يسير في هذا العالم مجهولًا لا يعرف من أين جاء ولا إلى أين يسير، فيحرص بقَدْر استطاعته على أن يُخفي اسمه عن الناس في أسفاره القريبة والبعيدة: «لهذا فسوف أُوثِر دائمًا في حديثي مع الغرباء ومن لا أعرفهم معرفةً كاملة أن اختار الموضوع الذي لا أهميةَ له أو التعبير الذي لا يدُل على شيء، وأن أضَع نفسي بذلك، إن جاز هذا القول، بين ذاتي وبين المظهر الذي يبدو مني.» وبينما يستعد بلاط فيمار ليحتفل بعيد ميلاده السبعين بتمثيل مسرحيته الشهيرة «جوتس فون برلشنجن» نجده يهرب بنفسه بعيدًا عن هذا الاحتفال ويكتب إلى ولده الوحيد فيقول: «لقد عُرِف عني من زمنٍ بعيد كما صرَّحتُ أكثر من مرة بأنني أَنفِر في الوقت الحاضر أشدَّ النفور من كل اتصالٍ شخصي. نبه إلى هذا في أدب ولطف».

وتُفاجئه أزمة الصمت فيُخرِس الكلمات التي تكاد تنطلق من بين شفتَيه: «أمضيتُ المساء في ملء صفحاتٍ عديدةٍ أصِف فيها حالتي، وفي صباح اليوم، حين جاء الرسول يُريد أن يأخذها، لم تُطاوِعني نفسي على إرسالها معه. إن أعباءنا الخفية وضعفَنا المستتر، وأحزانَنا الساكنة لا تبدو على الورق في مظهرٍ يسُر الخاطر.» وهو يكتُب قبل ذلك بعامٍ إلى الناشر كوتا — وكان الأَمرُ يتعلَّق برأيه في مسألةِ حريةِ الصحافة في النمسا: «كنتُ قد أعدَدتُ بالفعل مذكرةً تمهيدية، وأبديتُ موافقَتي على المُقدِّمة وعلى القضية حين مدَّ شيطانٌ يده، لحُسن الحظ أو لسوئه، فأمسَكَ بكُمِّي ونفَث فيَّ الشك في أن الوقت المناسب لم يحِن بعدُ للتدخُّل في الشئون العامة، وأوحى إليَّ أن الإنسان إنما يحيا حياةً طيبة، حين يحيا في الخفاء» .

هنا، كما يقول جوته، مفتاح الكثير من ألغاز حياته. حدث له قبل وفاته بعشرين عامًا أن قدَّمتَ له الأميرة سولمز-براونفلز نقشًا عجيبًا «يصلُح لأن يُوضع على قبره»، قالت فيه فيما قالته إن حاجته إلى النفاذ إلى صميم جوهر الناس والأشياء تفوق بكثيرٍ حاجتَه إلى التعبير عن أفكاره تعبيرًا شعريًّا. ورد جوته وقد أدهشَه هذا القولُ وتبيَّن له مبلغُ صوابه: «وتستطيع صاحبة السمو أن تضيف: كما تفوقُ حاجته إلى التعبير عن نفسه بالحديث والرواية والتعليم والسلوك. بذلك تحصُلين على مفتاح الكثير مما لا بد قد أشكَل على الناس فهمُه من شخصيتي وحياتي.» وهو قد كتب قبل ذلك باثنَي عشر عامًا إلى شيللر يقول: إنه قد حُرم من موهبة التأثير على الناس عن طريق التعليم.

كان جوته يرى كأنه «قوقعةٌ سحريةٌ طافيةٌ على الأمواج العجيبة.» وينظُر إلى نفسه كما لو كان مُترهبًا وحيدًا، «يُنصِت من صومعَته إلى صوت البحر الهائج.» لقد تعلَّم هذه الحقيقة التي لا يبرح يرددها «إننا وأشباهَنا لا نزدهر إلا في السكون.» .

وتزداد به الوَحْدة قبل موته بعامَين فيقول لصديقه تسلتر إنه إنسانٌ وحيد، يُشبِه الساحر مرلين الذي تتحدَّث عنه الأسطورة ويُخرج من رِمْسِه المضيء بين الحين والحين صدًى هادئًا متقطعًا يُسمَع من قريب ومن بعيد١٩ «خير ما في الوجود هو السكون العميق.» تلك هي الحكمة التي يبدو كأن جوته يضع فيها سِرَّ وجوده كله، حتى إنه لم يجد من يبُثُّه إياها خيرًا من مُذكِّراته الشخصية: «خيرُ ما في الوجود هو السكون العميق الذي أحيا فيه بعيدًا عن العالم وأنمو وأكسب ما لا يستطيع أن ينتزعه مني بالسيف والنار».

من يُحب الصمت والخفاء هذا الحب يُصبِح الصمت عادةً لديه: «إنني أعيش في وحدة واغتراب عن العالم كله، يجعلني أخرس كالسمكة.» إنه يكتب من روما وهو في رحلته الإيطالية الشهيرة إلى شارلوته فون شتاين فيقول: «إن من يتعود على الصمت يصمت.» هذا الصمت الذي أصبح عادةً يستطيبها ويمتدحها يُذكِّرنا بحادثة يرويها للأمير كارل أوجست عن «المعركة في فرنسا»؛ فقد حدث له أنه لم يستطع، أثناء الانسحاب من فرنسا، أن يتمالك نفسه حول إحدى الموائد المستديرة من الحديث عن الماضي، وأن يشكُو من كارثة الحرب المحقَّقة وما أعقبها من بؤس وتعاسة، فقد نهض جاره، وكان جنرالًا في الجيش، فوجه إليه الكلام في «صورة لا غبار عليها، وإن كانت مؤكَّدة.» ودعاه إن صح هذا القول إلى «النظام»؛ عندئذٍ نجد جوته يقول: «فأثنيت في السر على نفسي لأنني لم أقطع الصمت المعتاد على الفور.» هذا الصمت المحمود الذي يُعبِّر عنه وهو في الأربعين من عمره — كان ذلك في عام ١٧٨٤م٢٣ — يعود فيذكُره بعد أن بلغ الخامسة والسبعين: «لقد أقلعتُ عن الكلام عما يسميه الناس بالحِكَم والأمثال، حتى إنها لم تعُد تخطُر لي على بال في محادثاتي التي تدور بين أربعة أعيُن، ولم تعُد تعاودني في المجتمعات الودية الكبيرة أبدًا.» وحين بدأت الحبيبة شارلوته فون شتاين تُدير ظهرها للعاشق الهارب من مجتمع البلاط في فيمار، ومن أرض الشمال الجادَّة المعتمة إلى أرض النور والجمال والروح الكلاسيكية العريقة، نجده يكتب إليها من روما قائلًا: «لم تصلني حتى الآن رسالةٌ واحدة منك، حتى ليغالبني الظن بأنك تتعمَّدين الصمت، أريد أن أحتمل هذا أيضًا وأن أفكِّر بيني وبين نفسي: لقد ضربتُ أنا المثل على ذلك، لقد علَّمتُها كيف تصمت.» .

هنا يُطِل علينا وجهٌ آخر من وجوه الصمت عند جوته، ملامحه عابسة، مُتعَبة، شقية؛ هذا الصمت الكئيب المقدور الذي يرزَح بثقله على النفس كأنه لعنةٌ من لعنات الآلهة قد صَحِب وجوده كله من شبابه إلى شيخوخته، كأنه ظلُّه الذي لا يفارقه. إنه يُلِمُّ به من حين إلى حين فيقطع ما بينه وبين الناس، ويردُّه إلى ذاته الوحيدة المغلقة على يأسها، ويُدهش الأصدقاء الذين يفتقدون فيه الحكيم النهِم إلى كل تجربة، المتفتح لكل جديد، الذي جعل شعاره في الحياة أن «يفعل»، حتى أصبح «الفعل» عنوان حياته وعبقريته. وقد يمتد به هذا الصمت الإلهي الأليم فيفيض القلق بأقرب أصدقائه إلى قلبه، تسلتر، ويقول له مشفقًا عليه: «إنني أتصوَّرك الآن وقد عاودك داؤك القديم، وحيدًا، غارقًا في أحزانك، تُهلِك نفسك بنفسك.» .هذا الصمت الذي يتحدَّث عنه الصديق في قلق وإشفاق، ينِمُّ عن وجدانٍ مُعتمٍ مُنهارٍ تكاد تَتقطَّع الأسباب بينه وبين الله والعالم .

يقول جوته: «إن المثقَّفين ومن يعملون على تثقيف غيرهم يحيَون حياتهم بغير ضجيج.» وليس أَوْلى من المثقفين في بلادنا بتفهُّم هذه الكلمة، فيوم نعرف أن الثقافة ليست بالذراع ولا بالحناجر العالية ولا هي سوق يتصايح فيه الباعة على بضاعتهم ويتهالكون على الشهرة والكسب بأي ثمن، فسوف نستطيع عندئذٍ أن نقول إننا نعرف حقًّا ما تحمله هذه الكلمة من الجد والمسئولية والالتزام … وغيرها من المعاني التي يعجب الإنسان كيف لم نمَلَّ من ترديدها طوال السنوات الأخيرة. وقد يكون من الخير أن يتطلَّع الإنسان من حين إلى حين إلى جبهةٍ عالية مضيئة تنير له الطريق الذي يتعثَّر فيه، فإذا عرف القارئ من هذه النصوص التي أوردتُها عن جوته قيمة العمل الصامت الجاد، فحَسْب صاحبها منه هذا الجزاء، أو قل هذا العزاء.

عن كتاب البلد البعيد