ناجي الأصيل وإصداره أشهر مجلة آثارية

ناجي الأصيل وإصداره أشهر مجلة آثارية

د . سميرة شعلان كيطان

تعد مجلة سومر واحدة من أهم المجلات العلمية المتخصصة في علم الآثار والتراث ليس فقط في الوطن العربي ، بل في العالم أجمع ، تعالج دراستها آثار العراق وتأريخه ،فضلاً عن آثار العالم والوطن العربي والحضارات القديمة ، والبحوث التي تكتب فيها بالعربية والإنكليزية ، كذلك تعنى عناية خاصة بنشر الأبحاث الجديدة المتعلقة بأعمال الحفر والتنقيب في العراق ،

ووصف المواقع الأثرية المختلفة ، أو تتبع قطع الآثار العراقية على آختلاف صنوفها وموادها ، سواء أكانت من عصور ما قبل الإسلام ، أو ما بعده ، فضلاً عن مواضيع متنوعة في تأريخ العراق وسكانه الأقدمين ، وما يتعلق بأديانهم ولغاتهم وحضاراتهم.

فمن المعروف أنَّ المتاحف في مقدمة المؤسسات التي تصدر نشرات ومجلات دورية تسهم في نشر الثقافة وتقديم البحث العلمي ، وعنيت مديرية الآثار العامة بنشر نتائج الجهود التي تبذل للكشف عن معالم الحضارة في بلاد الرافدين في الصحف والمجلات غير المتخصصة ، كما تبذل ما في وسعها من مساعدات وتسهيلات للآثاريين والمؤسسات العلمية العالمية ، فضلاً عن عنايتها الجدية فيما ينشر داخل العراق وخارجه حول الأمور التي تدخل في نطاق آختصاصها مستهدفة من وراء ذلك الكشف عن حضارة بلاد الرافدين ، وتعريف الجمهور العراقي والعالمي بالكنوز المطمورة في هذا البلد ، ومعرفة تلك الكنوز التي كانت من الأسس المهمة للكيان الحضاري الحديث .

وفي النصف الثاني من عام 1944 دعي ناجي الأصيل مدير الآثار العامة في ذلك الوقت ، إلى القيام بخدمات علمية وثقافية أوسع نطاقاً وأبعد مدى ، فقرر إصدار مجلة دورية تصدر مرتين في السنة ، لما لحظه من أنَّ نتائج ما تقوم به مديرية الآثار العامة من أعمال فنية ودراسات علمية سواء أكانت في حقل التنقيبات الأثريةأو البحوث التأريخية لايمكن أن تؤدي إلى الغاية العلمية الثقافية المرجوة إلا بنشرها بطريقة دورية لتقف الهيئآت المثقفة من الجمهور العراقي والدوائر المماثلة الأجنبية على ذلك بقصد التعاون والمشاركة في البحث والدراسة والنشر.

وقد كان مقرراً إصدارمجلة سومر اربع مرات في السنة ، لكن ظروف الحرب العالمية الثانية 1939-1945 حالت دون ذلك ، فتقرر إصدارها مرتين في السنة في شهري كانون الثاني وتموز ، وكان بدل آشتراكها السنوي دينار واحد في العراق ودينار ونصف خارج العراق ، وثمن العدد 500 فلس ، وقد صدر المجلد الأول بجزئيين في كانون الثاني 1945، مشتملاً على 142 صـفحة باللغة العربية و 32 صـفحة باللغــة الإنكليزية و 30 لوحاً للصور ، وهو مزين بكثير من الصور والأشكال والخرائط وآحتوى على بحوث من تنقيبات مديرية الآثار العامة وعلى مقالات تأريخية وإحصائيات مختلفة .

وتصدر عددها الأول مقالاً افتتاحياً بقلم ناجي الأصيلمدير الآثار العام ، وجاء في أسبابآختيار سومر عنوانا لها قائلاً: “ لقد اخترنا سومر ليكون آسماً لمجلتنا الفتية هذه التي تتقدم بتواضع لتنظم إلى ذلك المجتمع العلمي من شريكاتها في البحث العلمي ...وآسم سومر قد رددت صداه الحضارة البشرية يوم كانت طفلة في الوجود ... وقد رعاها وادي الرافدين ببركات تربته الخصبة ، فبهذا الإسم العريق في المجد والقدم ، تتقدم مجلتنا لتأخذ نصيبها من خدمة البحث العلمي في وادي الرافدين».

أي إنَّ هذا الإسم فضلاً عن ما فيه من متعة شعرية فهو رمز الحضارات الجبارة التي آزدهرت في هذه الربوع التي وضع أسسها السومريون أنفسهم ، فهو يجمع بذلك بين الحقيقة التأريخية وبين الجاذبية الفنية ، وتضم مجلة سومر باباً للمراسلات والأنباء تنشر فيه الأنباء العالمية والمراسلات مع العلماء والمتاحف والمؤسسات العلمية في أرجاء العالم كافة ، كما تنشر في هذا الباب إحصاءات مهمة تتعلق بفعاليات وأعمال مؤسسات الآثار جميعها في العراق ، وتصدر المجلة باللغة العربية ، كما تنشر في كل عدد منها بضعة موضوعات بلغات أجنبية كالفرنسية و الألمانية والإنكليزية مما يتعلق بتأريخ العراق وآثاره وحضارته ، وتشرف على تحرير المجلة وإصدارها هيأة برئاسة ناجي الأصيل رئيساً وعضوية كل من طه باقــر وسليم لاوي وبشير فرنسيس وسامي خماس الصكار وكوركيس عواد ومصطفى جواد وفؤاد سفر ، ويقوم بمهام السكرتارية صادق هادي الحسني.

أَمَّا شعار المجلة فيتكون من الإناء الفوار بماء الحياة العذب المقدس الذي يمسك به الإله آيا كما موضح في الصورة 3 بكلتا يديه وهو إله المياه العذبة والشفاء والعلم والكتابة ، الذي يجري الأنهار وبيده مياه الينابيع ، وقد آتخذه قدماء العراقيين شعاراً لهم بتوالي حقبهم التأريخية معبرين عن حضارتهم الخالدة بخلود الإله آيا.

وواصلت مديرية الآثار العامة إصدارها الخطة بنفس والمستوى الحالي الذي آنتهجته لنفسها في إصدارها مع إجراء تحسينات مستمرة على تنويع الموضوعات والتبويب والإخراج . إنَّ الرسالة التي تعنى بها مجلة سومر ذات أهمية بالغة في العناية ببث الثقافة الآثارية ونشر البحوث الخاصة بالمجهودات الفنية و التنقيبية في العراق ، وتهتم بالدراسات العامة التي تتعلق بتأريخبلاد الرافدين ، فهي ترحب بالمقالات والدراسات المتعلقة بذلك ، وتنشرها معززة بالرسوم والصور والمخططات المطلوبة.

فكان للتنقيبات والاكتشافات التي آحتوتها مجلة سومر أهمية وأثراً كبيراً في تعريف العالم بنتائجها ، ولها أثر كبير في ازدياد معرفتنا بتأريخنا الطويل الواغل في القدم ، ولهذه المجلة ميزتها بأنها جمعت بين رجال العلم على آختلاف جنسياتهم حول هدف واحد هو البحث العلمي ، للوصول إلى الحقيقة المجردة ، حقيقة تقدم البشرية في أدوارها المختلفة الطويلة ، أَمَّا ما عنيت به من نشر مدونات الأقدمين التي عثر عليها في التنقيبات الأثرية ، إذ كان فتحاً جديداً من معرفة أحوال الشعوب والأقوام التي عاشت في أنحاء بلاد الرافدين ، و إضافة ثروة علمية على تأريخ العراق ، في النواحي التشريعية والرياضية و الدينية والإجتماعية .

وبلغ مجموع الأجزاء الصادرة من مجلة سومر لغاية عام 1963 ثمانية وثلاثين جزءاً ، أسهم في تحريرها موظفو دائرة الآثار و المعنيون بالمباحث الآثارية و التأريخية من الأساتذة والمختصين في العراق ، وعلماء الآثار والتأريخ في المتاحف والمؤسسات المماثلة في مختلف أقطار العالم.

كانت المجلة تصدر بجزأين منفصلين في السنة لغاية عام 1955، وهذا يدل على كثرة البحوث والمقالات وكثرة التنقيبات التي تنشرها البعثات العلمية في هذه المجلة ، فضلاً عن كثرة المقالات التي يكتبها أساتذة مختصون بالآثار ، مما جعل من هذه المجلة الدورية أن تصدر جزأين في السنة الواحدة ، ونظراً لأهمية هذه المجلة وكثرة قرائها ومحبيها المجلة ومعجبيها ونظراً لدقة المواضيع التي تختص بها هذه المجلة إذ آرتأت هيأة تحرير أن يتم طبع جزأين في مجلد واحد وذلك من عام 1956.

عن رسالة ( المتحف العراقي نشأته وتطوره حتى عام 1963 )